رجل عنيد..! بقلم الشاعر هيثم الأمين من تونس.

قطيعان من قردة الشمبانزي يتشاجران،
الآن، داخل رأسي
من أجل الموز و التّناسل و رقعة وطن…
في رأسي، أيضا، قطار شحن بضائع
يسافر داخله منذ ليلتين
و في العربة قبل الأخيرة
يختبئ شابّ وسيم قرّر اجتياز الحدود خلسة؛
شابّ يدخّن الكثير جدّا منه
و باستهتار، واضح، يرمي أعقابه المشتعلة على أرضيّة العربة
دون أن يدري أنّ في العربة شحنة ألعاب ناريّة !!
في رأسي، قاتل مأجور يشرب قهوة و يرتدي ملابس نسائيّة و ينتظر !
هناك، أيضا، رجل سكران يغنّي
أغاني الحروب،
التي لم يخضها،
عند شرفة امرأة تخوض معاركها دون ملابس داخليّة !!
خارج رأسي،
يسيل، كثيفا و لزجا، الصّمت.. على جدران غرفتي،
ينهمر من السّقف
و ينزّ من الأرضيّة كما ينزّ العرق،
في أيلول،
من مسامات بائع متجوّل في مدينة شديدة الرّطوبة !
وحده… شخير حاسوبي العجوز يطلّ برأسه من بين كلّ هذا الصّمت !
تقتربُ منّي ثمّ تهمس في أذني:
“أنا أحبّك”
و تقهقه…
أغمض عينيّ و أصرخ، داخلي:
“أكرهك أيّتها البدينة”
على الرّصيف، ظلّ امرأة يطارد ظلّ امرأة
و الرّجل السّكران يتبوّل، على سور الحديقة، جسد حبيبته العارية…
في غرفتي، وقع أقدام ثقيلة؛
أظنّها ترقص، الآن !
تدندن: “تشا تشا تشا”
و تناديني لأرقص معها!
على الرّصيف، ظلّ امرأة يطلق النّار على ظلّ امرأة!
الظلّ الذي أطلق النّار، لم يهرب! !
يتقدّم نحو الظلّ المتساقط على الرّصيف،
يقلب جسده برجله… ليراه!
يراه بوضوح… فيعوي كذئب! !
تتوقّف القردة عن الشّجار خوفا من عواء الذّئب!
يصفّر القطار طويلا،
يدخّن الشّاب الوسيم آخر أصابعه
و يبحث الرّجل السّكران، في جيوبه، عن عنوان عودته!
تقترب منّي…
و بصوت واضح تقول:
“افتح عينيك… لا تخف يا حبيبي”
و تضحك !
تسألني:
” كم امرأة ضاجعت في ضجرك؟!
و تبتسم ساخرة في وجه امرأة عارية نسيتها معلّقة على جدار حكاية من حكايات ما قبل النّوم!
” هل يقتل رجل حبيبته من أجل رجل آخر؟ !!”
يتساءل القاتل المأجور الذي أطلق النّار و يعد جثّة حبيبته بأنّه سينتقم منهُ!
يعقد قطيعا القردة اتفاق سلام مؤقّت!
ينام الرّجل السّكران على قارعة حلمه،
تقف امرأة الشّرفة في شرفتها و تهب نهديها لأصابع الرّيح،
يرمي الشّاب الوسيم ما تبقى من اصبعه المشتعل، بعيدا… فيسقط في فم صندوق فاغر
بينما القطار
يحاول فتح ثقب، في جمجمتي، ليعبر
و أنا رجل عنيد! !
في غرفتي، يتكاثف الصّمت؛
تتكوّر وحدتي على نفسها، في الزّاوية
و تبكي
لأنّي لا أحبّها و لأنّي وصفتها بالبدينة!
القطار لم يعبر جمجمتي، بعد!
رائحة دخان في العربة القبل الأخيرة!
دويّ طلق ناريّ، على الرّصيف!
قطيعا قردة الشمبانزي خرقا اتفاق السّلام!
تتدلّي امرأة الشّرفة من السّقف!
يعود الرّجل السّكران من حلمه بذراعين مبتورتين!
كاد يغادرني القطار!
انفجار عنيف في العربة القبل الأخيرة!
نجلس سويّا؛
أنا الذي فقدتُ رأسي في حادث انفجار قطار،
وحدتي البدينة،
الصّمت الكثيف الذي غمر غرفتي
و المرأة العارية التي نسيتها معلّقة على جدار حكاية من حكايات ما قبل النّوم
و نلعب لعبة الحزن
و نقهقه…! ! !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*