البُعد الزَّمني في نص الشاعر أ. شلال عنوز ( حلم في المساء ) برؤية الشاعرة فاتن عبدالسلام بلان من سوريا.

حلم في المساء
نص الشاعر شلال عنوز
**
سأحلم بحورية الفجر
هذا المساء
نتفيّأ أنا وهي ظِلال البرتقال
أمسح عنها تضاريس الوجع
أُقبّلها من عتبة الشروق
حتى انهمارات الشغف
وأطوف في بساتينها
المُبتلة بهجير الاشتهاء
أُدغدغ جبليَ البلّور
أزق فيهما سُلاف الغبش
أشربها وتشربني
اكسير عَودة
أهيم في تيه شقشقة الأمنيات
نتعانق في ذروة سباق التسامى
نحلق في لذة ملكية حمراء
أمس ….
كنت على ضفاف الحنين
أُداعب جسداً ناصع التوهج
صبّاً أتقلّبُ على سريرالنجاة
مُسافراً في شبق تراتيل الشوق
أيتها الغافية في توجّس أرقي
خذيني اليك قصيدة وقلادة
هناك حيث يستريح المساء
في شرفات ظِلّك الغافي
تحت عرائش الغزل
فأنا مازلت..
أحلم بك غجرية العُري
تُدلّلين قلق مزمار الشمال
بسحر ناي الجنوب
فعلى قارعة الانتظار
تُبحر طيورك المهاجرة
صوب شطآن الأرق
وتتبارى الفراشات نهماً
في بساتين الأحلام
ويصير القلب سُلاف نشوة
وقهوة حنين
أيتها الغافية في مدائن بوحي
استفيقي وخذيني في لُجّة الغرق
فمازلت أمارس الغرق
في مياهك الممهورة
بزلال النكوص
خذيني تنهيدة أُمٍّ
وهدهدة طفل
لاتبتعدي عن سواحلي
فأنا بدونك سفينة بلا بوصلة
خذيني حيث واحاتك المشتعلة
اشتهاء وخضرة
لنُغنّي معاً أغنية السلام
على مرافىء الوطن
وننثر الياسمين
على نجوى عجلات الرياح
ليرقص الوقت زهواً
بتسابيح شغف الحب
وتجليات صلاة العشق
علّ جرح الوطن يلتئم بنا من جديد ..


لكل شاعر أبجدية خاصة ، يحدّدُ زاويتها بغرس عميق لتزهرَ وتغلّ بالقصائد ، فيكون له حق الأبوّة الشرعي ، وتكون بنات أفكاره ومخياله الخصب ، كيفما يشاء يبتدئ وينتهي بها ، أينما وضع إصبعه يحرّك فينا احساس الجرح والفرح ، وريثما يزقزق بحروفه ، تترسّم أمامنا أحاسيسه وتتجلّى الفكرة .
بين الإفصاح والترميز استطاع الشاعر شلال عنوز تصعيد الإحساس والرؤى المبطَّنة لأكثر المعاني والصور شمولية ، وواضب بجدارة على رسم الزمن وهيكلة ثالوثه ( الماضي _ الحاضر _ المستقبل ) بأبسط الحروف وأعمقها ، ، فغلب على النص الرمادية الملغّزة من ناحية ، والضوء من ناحية أخرى ، واجتمعت في روحيته الحواس الخمس وفوقها حاسة الشعور التي تنقلنا حيث فيء الحرف وشمس معناه ، فعلى هذا بنى الشاعر نصّه على فكرة الزمن ودلالاته ، فكان الزمن واضحًا من باب النص إلى محرابه ، الماضي/ أمس ، الحاضر/ مازلت ، المستقبل / سأحلم .
.
حين عنَّون الشاعر قصيدته بـ ( حلم في المساء) ، كان يرمي إلى الأماني التي سمعت بالضوء ولم تدرك معناه البعيد ، الأماني التي تآكلت ناياتها في حقول القصب ، وصوت النشيج بين المشاحيف في الأهوار ، وأنين الفرات ، و ولولات دجلة .
هنا استطيع القول أن الشاعر خصَّ الحلم في المساء (والمساء الفترة الزمنية التي تقع بين الظهر والغروب ) ، هذي الفترة التي يتخيّلها طوع بنانه وحرفه ، بل ويستطيع ترجمتها في حالات اليقظة و التشوّق و التأمل والتجذيف ليصل برَّ أمانها ، بل ويلغي تواجد الليل ، فالليل للنائمين فقط كسل لا فائدة منه .
.
افتتح الشاعر شلال عنوز قصيدته بزمن مستقبلي ( سأحلم ) ، هنا ينطلق حرف الشاعر من حالات الأرق الموجوع إلى حالات الحلم المغبوط ، وهذي دلالة على أن الأحلام حين أقفلت أبوابها في زمن الحرب والغربة والفراق والموت والوباء ، ستعود لفتحها من جديد بهدنةٍ لاستئناف الحلم .
السين التي سبقت أحلم سين التسويف المستقبلية ، سين التنفيس ، وكأنه أراد التنفيس عما يجول في قلبه وروحه من حزن فرد أصابع نكبته على أرضه ونخيله ورافديه وحضارته وانسانه !!
.
في المقطع الأول :
سأحلم بحورية الفجر
هذا المساء
نتفيّأ أنا وهي ظِلال البرتقال
أمسح عنها تضاريس الوجع
أُقبّلها من عتبة الشروق
حتى انهمارات الشغف
وأطوف في بساتينها
المُبتلة بهجير الاشتهاء
أُدغدغ جبليَ البلّور
أزق فيهما سُلاف الغبش
أشربها وتشربني
اكسير عَودة
أهيم في تيه شقشقة الأمنيات
نتعانق في ذروة سباق التسامى
نحلق في لذة ملكية حمراء
_
بحنكة يجمع الشاعر بين وقتين ( الفجر _ المساء ) ، ويوّظف الحلم ويجمع بين الفترتين بالاسطورة (حورية) ، وهنا مربط الفرس ، فبين الفجر والمساء بلاد من العتمة والصحوة ، ولو حذفنا من الحورية حرف الواو لأصبحت حرية ، فقد حقَّ للشاعر تحديد حلمه بالتخيل ، فكانت بالرؤية ( حورية) ، وبالإحساس الذي يتمناه في (كل فعل مضارع جاء بعد مقدمة المقطع ) ، بالتذوق في نكهة ( البرتقال ) ، بكل توق وشوق من أدنى بؤرة إلى أقصى ذروة في النور ، هنا سيتحكّم الشاعر بعجلة حلمه فيديرها كيفما يشاء ، ويضاعف بالأحلام والخيالات والأماني ، فيطوف في عمق الاخضرار ، بين ظهيرة الجفاف وصحوة البلل ، فالحلم شغف الصحراء بالمطر ، حيث تسمو الروح بين العناق واللذة والتماهي في الضوء ، هنا يرسم الشاعر الزمن المستقبلي بمهارة شعرية .
.
في المقطع الثاني يُدخلنا الشاعر في زمن آخر الزمن الماضي ( أمس) ، وهذا الأمس الذي ليس بالبعيد .
**
أمس ….
كنت على ضفاف الحنين
أُداعب جسداً ناصع التوهج
صبّاً أتقلّبُ على سريرالنجاة
مُسافراً في شبق تراتيل الشوق
أيتها الغافية في توجّس أرقي
خذيني اليك قصيدة وقلادة
هناك حيث يستريح المساء
في شرفات ظِلّك الغافي
تحت عرائش الغزل
_
كأنه يغمض عينيه ويدير عجلة ذكرياته ؟ ، الذكريات وجوه وأطياف ، تتزورق في نهر الحنين ، فتغدو لوهلة أرضًا ، الأرض التي تصبح حبيبة ، الحبيبة التي تصبح أرضًا ، ذكرياته على سرير نجاةٍ في معترك الظروف وتقلّب الأيام ، فبين الحب والترحال أشواق ترتّل بعودة المغترب إلى حضن أمه .
بمهارة يوارب الشاعر دمع الأمس بمناديل الحاضر في نداء الحبيبة الخائفة من مسافات الأرق ، وهل هناك أقرب من القصيدة إلى قلب أبيها ؟؟ أو من القلادة التي تحتضن نبض الحبيبة ؟؟
تتضح لنا أفكار الشاعر هنا في الزمن الماضي بذكرياته ، تارةً يعتبر الحورية أمًا وتارة حبيبة وتارة ابنة ، وهذا ما سيشي به المقطع الاخير من القصيدة .
**
فأنا مازلت..
أحلم بك غجرية العُري
تُدلّلين قلق مزمار الشمال
بسحر ناي الجنوب
فعلى قارعة الانتظار
تُبحر طيورك المهاجرة
صوب شطآن الأرق
وتتبارى الفراشات نهماً
في بساتين الأحلام
ويصير القلب سُلاف نشوة
وقهوة حنين …
_
يستمر الحلم بـ ( مازلتُ أحلم ) ، الزمن الحاضر الذي يتوكأ عليه الشاعر في خيال حرفه .
الحلم الذي يكشف عنه برؤية أكثر من تحت الحمراء وفوق البنفسجية ، وكيف يحلم بغجرية العري؟ ، فالعري هو الواقع الأليم ( الخوفالإرهاب القتل_ الجوع_ الفقر _ الدم _ اليتم .. إلخ) ، الحلم الذي يهدهد على أكتاف دجلة والفرات ، الذي يموسق آهات العراق في أنين المزمار وبحة الناي ويوحدهما من شماله إلى جنوبه .
ويستمر الحلم في القصيدة ، وكأننا أمام شاشة تلفاز تنقلنا إلى أول الغابات البكر ، حيث حفيف الأشجار ، ورفرفة الفراشات ، وزقزقة العصافير ، ومناجاة الصفصاف للضفاف وللسواعد السمراء .
.
ونغرق في الحلم أكثر وأكثر ..
**
فأنا بدونك سفينة بلا بوصلة
خذيني حيث واحاتك المشتعلة
اشتهاء وخضرة
لنُغنّي معاً أغنية السلام
على مرافىء الوطن
وننثر الياسمين
على نجوى عجلات الرياح
ليرقص الوقت زهواً
بتسابيح شغف الحب
وتجليات صلاة العشق
علّ جرح الوطن يلتئم بنا من جديد ..
_
نغرق حدّ نخاع الحرف الأول ، لتتّضح لنا حبيبة الشاعر ( الحورية ) ، فهي كل الجهات والبوصلات والواحات الممهورة بالاشتعال ، والنخل الذي يتأوّه في حُجر الغيم .
وبلمعة الضوء ، نلتقي أخيرا بمحبوبة الشاعر (الحورية) ، هي حدود الوطن ، بر وماء وفضاء الوطن ، في كل قرنة في الوطن ، فالحورية هي الحرية ، والحرية مهرها غالٍ ، ما أن تُزفّ إلى قلبٍ جريح في صلاة الآه ، إلا ويَخيط ما تشقّق من ندوب وجراح وحدود تنزف بالوطن ، فالحورية هي الحرية والحرية هي الوطن ، والوطن هو العراق الحبيب .
_
الشاعر شلال عنوز تاريخ هائل من الأدب والشعر والثقافة وإليكم تعريف بسيط عنه .
شلال عباس عنوز من العراق .
بكالوريوس قانون/ محامي .
يكتب الشعر العمودي والتفعيلة والنثر ، ويكتب الرواية أيضًا ، تُرجمت بعض أعماله إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والكردية .
الشاعر عضو في اتحاد الأدباء والكتّاب في العراق .
حاز على جوائز تقديرية عديدة من داخل العراق ، وعلى جوائز تقديرية ودروع من منظمات ثقافية عربية وعالمية .
من بعض أعماله ::
مرايا الزهور / مجموعة شعرية
الشاعر وسفر الغريب / مجموعة شعرية
بكى الماء / مجموعة شعرية
وحديثًا صدرت له رواية وكر السلمان .


فاتن عبدالسلام بلان
7 كانون الأول 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*