الناجيان.. قصة قصيرة بقلم الكاتب ساجد ال ياسين من العراق.

في مرآب السيارات العام يفترش (بردان) قطعة كرتون ويلتحف سترته العسكرية التي لا يخلعها عنه صيفا ولا شتاءاً وهو يرتجف .(بردان) اسم أطلقه عليه سواق المركبات بسبب هذة الرجفة التي لا تفارقه،فهو مجهول الهوية لا يتذكر أحداً، متى جاء إلى المرآب؟ قال أحدهم أنه هنا منذ الحرب الأخيرة، وقال الآخر لا؛ أنه موجود هنا قبل ذلك الوقت، أنه لا يتكلم ولا يجيب على من يكلمه لكنه كان يصدر من فمه اصواتا تشبه أصوات الانفجارات أحيانا، وصوت إطلاق النار من رشاش آلي أحيانا أخرى، ثم يضحك بصوت عال. كانت تنتابه نوبات من البكاء والصراخ عند الفجر حين يخلع سترته العسكرية ويتأملها ويضمها إلى صدره ويبقى على هذا الحال حتى تشرق الشمس، ويكتظ المكان بالناس ليقوم بعدها بتصفح الوجوه وكأنه يبحث بينهم عن شخص ما.لا يأخذ شيئا من المارة ألا السجائر؛ فهو مدخن نَهِم، قد تلون شاربه الأبيض الكث بلون التبغ الأصفر، ولم يبقِ الدخان من أسنانه إلا إثنتين أو ثلاثة، كأنها أعجاز نخل خاوية. لم يعرف أحد قصته، حتى جاء ذلك السائق الجديد الذي كان جندياً متقاعداً، نظر إليه مليّاً، وبردان يشيح بوجهه عنه كأنه لايريد أن يراه، فصاح إنه سالم، نعم هو عريف سالم وأنا على يقين أن هذه السترة التي يلتحف بها هي نفسها سترة ذلك الجندي الشاب الذي سيق مع رفاقه الصغار إلى المعركة دون أن يتلقوا التدريب. في ليلة شديدة البرد، كان سالم يرتجف من شدة البرد، فقام ذلك الجندي بخلع سترته ووضعها على كتفي سالم قائلا: إلبسها فأنت بردان .فقال سالم: وأنت؟فضحك الجندي الصغير وقال:ما هي إلا ساعة حتى ألقى حتفي تحت هذة القذائف الرعناء، ولم ينجُ من تلك المحرقة إلا أنا وهذا وأشار إليه بيده المبتورة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*