طوفان الجراد… قصّة قصيرة بقلم الكاتبة عيشة خالد عبد المولى من الجزائر.

قذفت الشمس الحارقة بما حوى جوفها من أشعة قوية تسطع لتلهب الهواء بلفحاتها السعرة قبل أن تستقر منبسطة على جدران الحي البسيطة ببيوته العتيقة المنخفضة الأسقف و الممتدة على استقامة تكاد تكون واحدة فتنغلق رهبة منها الحوانيت و الدكاكين الواحدة يتبعه الآخر وعلى طول طريقه المكسو ترابا وحصى يتعثر عليه الراجل لولا حذر لما سيدوس عليه و هي تفرض سطوتها الخانقة في وقت الظهيرة فتكتمه على الأنفاس راحة تنفسها إلا بجهد مطلوب حتى إذا أقبل العصر فترخي من شدّتها فتترك متسعا للعابرين كي يتسنى لهم مواصلة أشغالهم و تنتشر ضجة المارين بأقدامهم المحدثة لأثر الغبار مما يجرون من تراب ورائهم نحو قضاء حوائجهم بهذه الفترة من النّهار، حتى قطع انهماكهم رائحة انسربت في الجو زاد من شدّتها الهواء الساخن اقتربت نحو أنوفهم بلا سابق إذن بدى و كأنّها رائحة عشبية لها من القوة ما يتيح لها أن تخترق جدران البيوت و تنسرب من تحت الشبابيك و تتحين أي فجوات تظهر لها لتعبر خلالها فلم يتبين لها مصدر حتى ظهر على صفحة السماء الصافية موج من أسرابٍ متكاثفة من الجراد اعتقدوا الناظرين إليه لوهلة أنّما هو جراد مهاجر يعبر إلى مكان آخر و عبر في سفره إلى الحي فأطلّ من سمائه فلم يعنوا بالاهتمام الشديد به ليسير كل واحد لأجل ما خرج من أجله مكتفياً بنظرة غير عابئة إلاّ أنّ رؤوس الصغار اشرئبت بأعناقها إلى أعلى لتشهد الحدث الغريب الذي أيقظ الفضول لديهم و كان أهم من أن يواصلوا ما قطعوا من لعب و لهو و أثار حركتهم التي تثور لأي شيء مدعي للغرابة و الجدية عنهم  ولم يمر من الزمن إلاّ بضع دقائق اكتست فيها السماء بلون فاقع الصفرة و نفذت أسراب الجراد سطوتها بالرغم من حجم الواحدة منهم السائر في النمو و لكنّ بكثرتهم كانوا مدعاة للعجب و الخوف معاً كشيء ينبئ بكارثة مدوية جعلت قلوب الناس تنتفض من محاجرها و هم يحادثون أنفسهم متسائلين عن العجب الذي يحدث حتى هبطت اكوام الجراد كالطوفان مستلقية على الجدران تتسلق البيوت و النوافذ فيما يشبه السطو في وضح النّهار و انسحبت منبسطة على تراب الأرض تشارك الأقدام سيرها ماضية بعزمٍ لأمر له من الأهمية ما يحيلها عاجلة مسرعة، و تبدّلت على إثره المساكن و المعالم و السماء بدهنٍ أصفر و تهادت اللعنات مسربلة بآهات الحنق تنقم بشديد الكلام عن رعب ما يحدث خوفاً من عدو داهم أثار الفزع لكثرته لا لعدّته و تضرّعت الألسن إلى السماء تطلب نجدتها ولطائف رحمة الله ليقيهم شر هذا الأمر أما جموع الجراد فلم تهب شيئاً و لم تصغ لأحد غير ما نوت عليه بل تكاثرت كأنّما هي تلد في الهواء فقيل أنها خرجت من زبد البحر بأعدادٍ معينة و مرقت على مكامن الخضرة و النبات فأكلت منهاو نبشت من اوراقها و ثمارها حتى إذا ما استقرت على تجمعات الرمال غرقت فيه ترمي بيضها الذي فقس و أخرج أسراباً من الجراد الزاحف الذي يسير بدوره مكملا مهمة الآباء فيغزو المحاصيل الزراعية حيث كانت يشتمها على بعد أمتار من موضعه فيرمي ببصره نحو المساحات الخضراء فلا يبقي لها على أثر فبدت مجرد كأن لم يلقى بها ببذر يوماً، و تعالت الأصوات من المقاهي و التجمعات القليلة  وجلة يبدر لها القلق الواضح على الوجوه و الأكف التي تضرب بعضها ببعضها تبحث حلولا لتخرج من مأزقها فتوالت الأيام تكرّ بعضها حتى اعتبر الأمر شيئا من الطبيعة كبزوغ الشمس و مطلع القمر حتى ألفوا الجراد و بات أحد ساكني الحي تماما كترابه و حصاه و حرارته و مضوا يمسكون به لكثرته و هطوله كسيول الأمطار الجارفة يملأون به الخوابي و السطول و القدور و أعدوا منه أكلة  جادت بها النسوة بصنوف جديدة من الابداع فيطبخون و يشوون ويقرمشون و ألف فيها الفقراء ضالتهم فأقبلوا عليها بنفس شرهة مفتوحة مشيعين فيها فيما بينهم فوائدها الصحية و غناها بالعناصر الغذائية اللازمة للجسم حتى بات الكثير منهم يدرون من ورائها ربحا معقولا من تجارة ناجحة فجعلوا من طوفان الجراد الذي بدى منظره مريعاً برائحته منظراً مسلياً  يطارده الصبيان متسابقين على مسكه و قد ملئت بطونهم منه و عكفت النسوة على تخزينه و لم تبدر من رجال الخبرة أي فعل طمعا في محاربته و الحد من مده فظل ما وسعته الأيام الطوال في حدود الخمسة أيام بلياليها حتى أشرقت شمس اليوم السادس و قد غادر الجراد منسحبا في معركة قد خسر فيها بلا شك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*