أصوات تحت الأنقاض… بقلم الكاتب اسماعيل رجب من العراق.

      (1)
  صوت ريام

ركضت تتسابق مع الخوف ، تتعثّر بالجثث والأنقاض ، وهي تسمع اصوات القذائف الثقيلة خلفها، وصور القتل والذبح والدماء النافرة ماثلة في مخيلتها، حتى بلغت النهر، وقفت على الجرف وهي تنظر بعينين دامعتين الى الزورق الذي يقل والدها وبعض افراد عائلتها يبتعد بسرعة ، لنقلهم الى الضفة الأخرى ،حتّى عبر وسّط النهر ، ضاقت بها الحيَل وفقدت اعصابها ، لم يسعفها عقلها الصغير للخلاص ، فالقت بنفسها في النهر..
كانت تسمع نداء أمّها يأتي من بعيد(( ايها الماء المتدفق عبر العصور ، لاتبتلع هذا الوجه الجميل ، دع ريام تتنفس ، فأنت الموصل بين ضفتي الطيبة والجمال ))
عاش الاهالي سنوات من الجحيم ، اختلف فيها كل شيء ، وباتت وسائل العيش تنعدم ، ويعاني الاهالي من المجاعة ، والخوف ، وتنتشر في الساحات مظاهر الذبح والاعدام.
*ثمّ تبعت ذلك ايام يشيب لهولها الرضيع ، القذائف تأتي من كل مكان ، من الطائرات والمدفعية الثقيله والصواريخ ، فيتصاعد غبار البيوت التي تتهدّم ليختلط مع دخان الحرائق وانفلاقات القذائف ، وترى الناس رجالا ونساءا واطفالا يهيمون على وجوههم من هول مايجري، حتى تفكّكت العوائل وتشرّد افرادها في اتجاهات متعددة ، فمنهم من قتلته عناصر داعش ومنهم من قتلته القذائف المتساقطة عشوائيا في كل مكان ، ومنهم من استطاع الهروب الى خارج المدينة ، أو عبر النهر الى الجانب ألأيسر ، وبقيت آلاف الجثث تحت الأنقاض.
أغلب الأطفال عُثر عليهم تائهين في الصحاري والطرقات وتحت ركام المنازل، وتم إنقاذهم بمساعدة فرق الإنقاذ و لا أحد يعرف عن مصير أهلهم شيئاً؛ هل هم على قيد الحياة أم قُتلوا خلال المعارك؟
“ريام ” البالغة من العمر 5 أعوام، هي واحدة من بين مئات الأطفال الذين انفصلوا عن ذويهم ، يقول والد ريام: حين لمحتها تلقي بنفسها في النهر، كاد قلبي يخرج من صدري ، وتمنيت الموت بديلا عن هذا المشهد العصيب ، لا استطيع العودة بمفردي وترك البقية من عائلتي في الزورق ، ولا العودة به لأنّه يغصّ بالنازحين الفارِّين من جحيم المعارك، ورصاص عناصر داعش الذي يتعقّب الفارّين..
وبعد مرور أكثر من شهرين على استعادة مدينة الموصل، تلقيت اتصالاً هاتفياً من أحد اصدقائي يُعْلمني بوجود أطفال في إحدى دور الرعاية، يجهلون هوياتهم ، كنت فاقداً الأمل حينها، لكنّ شعورا ما ساقني إلى ذلك المكان، وفي أثناء بحثي في وجوه الاطفال ، سمعت صوتا ينطلق” بابا بابا” ادرت وجهي تجاه الصوت ، وإذا بريام تركض نحوي ، احتضنتها طويلا وتعانقنا البكاء.
اسماعيل آلرجب – نينوى
تشرين2/2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*