الهدرة السّابعة…في وسط ميترو 5 في محطة مفتاح سعد الله للكاتبة سونيا عبد اللطيف من تونس.

-افتحوا لنا الأبواب… (صاح الرّكاب …)
-افسحوا المجال… اقتحموا الفضاء.. تراصّوا … إلى الأمام… تقدّموا.. تقدّموا.. ألا تسمعون؟ تقدّموا إلى الوسط… إلى الوسط… هاااي.. أفلا تسمعون… إنّ الميترو فارغ هناك… انظروا…( قال مراقب التّذاكر)
-أين نتقدّم؟ أين تراه فارغا؟ هل ندفع العباد؟ ألا ترى الزّحام؟ تعال أنت، ادخل وزاحمْ وادفعْ.. تقدّمْ إن استطعت…
-اغلقوا الأبواب… اغلقوا الأبواب… ابتعدوا…

  • هاي، إلى اليمين أنت… أنت إلى الشّمال… لا أحد ينزل… قفوا على جنب… التّذاكر في اليد… التّذاكر في أيديكم يرحم الله ذويكم…
    -لا تعطّلونا… دعونا نقصد أرزاقنا…
    -الميترو ممتلئ… إنّه مزدحم… انظر…
    -كيف نتحرّك… ألا ترون أنّنا نختنق…
    -لا تدفع من فضلك..
    -صرنا كالسّردين المعلّب..
    -كفاكم هزءا وسخرية… ارحمونا… ما هذه المهزلة… مللنا هذا الوضع…
    -إلى الأمام… إلى الأمام.. تقدّموا… تقدّموا… تذاكركم.. قلنا لكم تذاكركم… أنتَ، أنتَ، وأنتِ، بطاقة الهويّة…، ضاعتْ؟ وأنت نسيتِها؟ ههه ليست معكِ؟ احكي لغيري حديثكِ… مخالفة… اشتراكك المدرسيّ… التّذاكر… الاشتراك.. بسرعة بسرعة… لا تحمل تذكرة، ما عندك شيء؟ أنت مرسكي، مخالف وسارق… صاحبتك معااااك أيضا، ما شاء الله… وأنت يا حاج؟ هيّا يا حاجة معهم؟
    -دعونا… اتركونا… خلّونا نمرّ؟ دعونا نخرج دعونا نذهب إلى شؤوننا… لدينا أعمالنا، نحن مستعجلون… لقد تأخرنا… اتركونا نمضي… تأخّرنا عن مواعيدنا…
    -وما همّهم إذا تأخّرنا أو ما تأخّرنا…
    -كلّ يوم نفس الحال…
    -ونفس الموّال…
    -افتحوا لنا الأبواب… نختنق يا عالم صرنا كالدّجاج…
    -التّذاكر… التّذاكر.. من فضلكم… هيّا أسرعوا… كلّ واحد يشدّ تذكرته في يده…
    -لا تعطّلوا شغلنا نرجوكم… أنتم تعطّلون أنفسكم… نحن نقوم بواجبنا تجاه الوطن.. هيا تقدّموا إلى الأمام… الأمام… هاتِ الهويّة… ليست معك؟ انزلي… الهويّة قلت.. لمْ تجديها؟ انزلي إذنْ… هيّا معي، هيّوا معنا… سنحقّق معكم.. أنت هناك، انزل… سننزل معا…
  • لا تدعْه يفلتْ يا قاسمْ…
    -علاشْ كل يوم هكّا تعطّلونا؟
    -آه منك يا تونس… تعبنا منّك.. يزّينا.. تعبنا وعيينا…
    -السّاطور لا يسقط إلاّ على رأس الضّعيف والفقير والمسكين..
    -الحساب للفقير.. العقاب للفقير.. الضّرائب يدفعها الفقير… السّجن للفقير..
    -مسكين الفقير…
    لماذا يا تونس؟ أين العدالة؟ أين المساواة؟ هكذا أنتِ تتركين الرؤوس الكبيرة وتتركين الذّئاب الجياع يمرحون ويرتعون… يعيشون من أموالنا، على أكتافنا ثمّ يهربون… آه يا تونس.. حياتنا نغّصت… أولادنا ذبّحوا.. ضعنا وضاعوا… داستنا الأقدام… وأنتِ كما أنتِ مازلتِ من شعبك تسخرين… بعقله تراوغيين وعرضه تبيعين… تساومين بأعضائنا، أوصالنا، أرواحنا، أحلامنا، آمالنا، وما تبقّى من أيّامنا… قهرنا يا تونس… قهرنا والله في أوطاننا… كرهنا الوطن وكرهنا أنفسنا…
    -هيّا انزلوا… انزلوا… انزلوا… أمامنا تقدّموا…
  • تأخّرنا عن مواعيدنا…
    -عندي موعد مع الطّبيب…
  • لديّ خدمة مستعجلة…
  • ماذا سنفعل؟ كيف نصل في المواعيد؟
    متى يتزحزح الميترو ويدعوننا نمرّ؟
    إنّه الوقت يمرّ….
    ها الوطن مضام
    الكلّ صار فيه مختار
    والكلّ بات فيه محتار
    ها الوطن مضام
    حكّامو حطب ونار
    رؤوسهم حقول ألغام
    ماعاد فيه جبر كسور
    لا جبر أضرار
    ما عاد فيه راحة
    لا رحمة رحمان
    الشّعب صار هايم مهموم
    لا تفهمو ثاير.. لا تفهمو مجنون
    لا تفهمو فرحان… غضبان
    مرّة أغنام… مرّة خيول وفرسان
    ها الوطن مضام
    الشباب والشبيبة صاروا ألعاب
    البنات سبية.. الأولاد غلمان
    هذا إرهابي
    هذا مجرم مع سبق التّرصّد والإصرار
    الجهل صار عنوان
    والقتل في كلّ دار
    وين العاقل؟ وين الفهمان؟
    ها الوطن صار وصمة عار
    وين العروبة؟ وين النّخوة؟
    وين العزّة والوقار؟
    آه .. يا وطن ..
    صرنا غرباء في الأوطان
    ماعاد في القلوب محبّة ولا إيمان
    الكلّ صار كافر
    الكلّ صار إمام ومفتي أديان
    هاااا الوطن ضيّع همّتنا
    جرّعنا خيبتنا وحسرتنا
    لكن…
    ها الوطن مهما غدر
    ومهما شرّد وقتل
    نبوس تربتو
    ونقلّو سامحنا… سامحنا
    لقينا في الهجر الحلّ
    وما لقينا في الوطن
    وطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*