رسائل لا تحتاج لطوابع أو ساعي بريد ،(الرسالة 15). بقلم الكاتب عاطف معاوية من المغرب.

منذ شهر مارس وأنا لا أعرف الهدوء ولا أعرف بأي اتجاه تسير هذه الحياة ! شعور غامض مرعب لا يوصف ، لم تسعفني الأيام من الشفاء ولا الموسيقى ، نادرا ما كنت أرتاح إلا حينما أقرأ شعرا جميلا يريح أعصابي . أتمنى أن يعالجني هذا الشتاء الجديد من عام لن ننساه “عام ملعون”، مزقنا وقتل بداخلنا مشاعر الأمل والحياة ، كنا نحتاج لعالم اصطناعي بديل لهذا العالم المريض العاري من كل شيء حلو يفتح النفس للبهجة.

حبيبتي لا أعرف أين ذهبت واختفت الكلمات حينما قرأت خبر وفاة مارادونا ؛ ذاك البطل الذي ظل في عيني طفلا مشاغبا بهيئة رجل أشعثَ الشعر يمدد قدميه ليرواغ الآخرين بسهولة وبدون عناء، لم أكن من الجيل الذي شاهدهُ مباشرة عبر قنوات التلفزيون وهو يغمز بقدمه اليسرى ويضحك باليمنى وينتصر برأسه ويبعد الحزن بيده اليسرى “يد الله” . كان شبحاً مباغثاً كأهدافه التي لا تتكرر مرتين ، هو الذي أبهر العالم بجماله وسحره اللذان لا يقارنان ، إنه نجم البدايات والنهايات لأنه جعل من نابولي فريقا بطلا محليا وأوروبيا ، جعله قصة كقصص الخيال . من سيصدق أنهُ لوحدهِ صنع إرثا بلا حدود ؟ صنع مجدا وتاريخا أسطوريان لن ينساهما التاريخ أبدا . إن ما جعلني أحب مارادونا أكثر هو أنه بقي متشبثا بالطفل الذي خُلِقَ بهِ ، وفياً لبيئته محباً للفقراء مدافعاً عن الضعفاء ومساندا للحق .
حبيبتي بموت مارادونا فقدت كرة القدم ساقها اليسرى للأبد .
عزيزتي كما صدقنا الحياة علينا أن نصدق الموت ، فهو أكثر وضوحا من الحياة رغم قوته وشراسته لكنه صادق الوعد لا ينافقنا ! لهذا علينا أن نتعود على إطلالته القليلة أو الكثيرة ، القوية أو الضعيفة . إن الموت منذ أن وُجدت الحياة ظل غامضا في بدايته وفي نهايته ، إنه ولد من رحم الحياة ، أي أن ميلاد الموت هو الحياة !

حبيبتي ، إن ما يقع الآن للعالم العربي هو شيء يخجلنا صراحة ! لم أكن أتوقع من العرب التطبيع مع الكيان الصهيوني القاتل السارق . إن التطبيع هو بكل سهولة خيانة لفلسطين ، خيانة للشهداء والأطفال الذين آمنوا بنا لأن ندافع عنهم كما ينبغي، لكننا حطمنا أحلامهم البيضاء . لقد أُصبت بالدوار حينما قرأت إعلان ترامب ؛ كان خبرا قاسيا غير متوقع ، فنحن المغاربة بذلنا كل ما بوسعنا لأن تبقى القضية الفلسطينية قضية عادلة في استرجاع فلسطين لأرضها ، نحن الذين آمنا بأن القضية الفلسطينية تشكل تحديا حقيقيا .
بداخلي إيمان قوي يا سارتي بأن فلسطين ستظل ذاكرة ثرية بأسماء الشهداء وبرائحة الدماء ، وستبقى إسرائيل كيانا وهميا لا وجود له في أرض القدس ، نحن الآن نواجه رعبا سيزداد مع الأيام القادمة . إن الاعتراف بإسرائيل ذنب لا يُغتفر ، لن نعترف بشيء اسمه اسرائيل، ولن تكون هناك إسرائيل ، فلسطين باقية ما بقي الزيتون والزعتر ، ما بقي اسم الشهيد مكتوب بالدم على الحجارة .
إن ما يرعبني يا حبيبتي هو إيمان البعض بإسرائيل ، بالتطبيع وبالشائعة التي مفادها أن فلسطين باعت أرضها ، جبالها وسمائها!
فلسطين لم تبع مترا من روحها ومن زيت زيتونها ، بل إنها كانت وما زالت تدافع عن أرضها وظلت تقنعنا بأنها لم تبِع شبرا منها! على المرء أن يوقف هذه السخافات ، إن فلسطين دولة قائمة منذ قرون خلت قبل أن يُكتب الشعر والتاريخ ، قبل أن يُجهز القمر نفسه للظهور علناً .
إن التطبيع بالنسبة لي هو خيانة للذاكرة الجماعية ؛ للأطفال والشيوخ والنساء ، للشهداء والمناضلين ، هو خيانة سؤال كتب بصيغة الجمع منذ سنة 1948م :

ما مصيرنا نحن الفلسطينيون في العيش والحلم
والامتداد ؟

ما مصير الزيتون المزروع بداخلنا وبداخل الوجع
والحنين للماضي ؟
حبيبتي لن ننسى ولن نغفر لمن خان عهد الحجارة
والكفاح ، فلسطين باقية ولا خسارة ولا نسيان ، فلسطين حرة ولا وجود لدولة إسمها إسرائيل …!

ماذا عساي أن أقول لك يا حبيبتي الآن ؟
كل العزاء لنا ولهم ، لنا الحنين ولهم النضال ، لنا الذاكرة ولهم الشجاعة والحجارة ، لنا ولهم فلسطين قصائد منقوشة في الذاكرة الفردية والجماعية لوطن يعرف حدوده منذ زمن بعيد ويعرف ثقافته وحلمه المرسوم على النشيد الوطني .
” للحلم بقية ” يا عزيزتي سارة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*