“أيام من العمر…” بقلم الشاعرة مريم حوامدة من فلسطين.

سائق العربة لديه من الوقت الكثير ليعبث بأزرار مذياعه التعيس لعله يجد موجزاً يليق بحسراته تراه لم يستمع يوماً لتغريدة أومعزوفة فيروزية! استهلك جلده وهو يعمل جندي في مكافحة الشغب، أمضى لياليه يحتسي الشاي الأسود ويطالع بطولات وأمجاد سابقة ،أتحدث وأناملي تحرك قهوة الصباح أنظر في دهاليز الرغوة الطافية وهي تشاكس الركوة تذكرني بأسئلة السائق ذو المعطف المرتفع الياقة ، أي طريق تريدين ؟ يلتفت إليّ من المرآة المعلقة في الأمام لعله يعيش وحدة أو صخب ويريد الشكوى عن طليقة له كانت تصحو قبيل العصر بقليل ،أسرح من النافذة المضببة في جولة ربع دائرية في المحيط قطرات المطر المتسابقة والزجاج البارد يذكرني بالحب والحزن ،أستل هاتفي وأشاهد المجاميع وهي تتسلل إلى متصفحي وتختلس نظرات الإعجاب أو التلصص الخبيث و محاولة لمداعبة بائسة للضوء الأخضر على اليسار، نعم أنني أعشق اليسار ، يسار النافذة ، يسار الوسادة جهة أنفي اليسرى وأصابع يدي اليسرى ويسار صدرك ،الحنين مرض مستعصي وإن غاب أستحضره بأظافري البنية اللون ! البني الداكن المعتق هذا اللون الذي يبهج ناظري وأُتهم بدقتي القديمة ، الشعراء بارعون! يعشقون الحزن و يستحدثونه إن لم يوجد الحزن رفيق دائم ،أعود قبل الظلام حيث النعاس شبحٌ يشد شعري يركلني الى الرفوف الورقية أحاور الأحياء والأموات الذين سبق وأن قذفوا بحكاياهم على الأوراق الصفراء وذهبوا يقهقهون لخيباتنا التي مرت بهم ونجوا منها بحكمة ،أستمع لأحاديثهم الصماء ،يتأفف سائق العربة ويتأسف لحاله ، أخاله يبكي أعود لذاكرتي العليلة للحنين المجرم للقهوة وهي تدغدغ أنفي للريح القادمة من يسار كتفي ،تدفعني للزمن الأوسط ما بين مولدي وصعودي لحافلة المسافرين الأخيرة وفي العربة لا أجلس ناحية اليسار لأبقى مستمتعة بطفولتي من النافذة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*