خطا حياتي…. بقلم الكاتبة مرام صافي الطويل من سورية.

لأوَّلِ مرّةٍ على الإطلاق ، أخذَ قلمي يتراقَصُ على سطورِ صفحاتي ، راسِماً بخطاه خطا حياتي ،وما أدراكم ماحياتي وخطاها فلم تكن ثابتةٌ حتماً، وليت القلم يتتبع خطا القلب يوماً علّه يُجيدُ التعبير أكثر ،فبينما كانت حروفي تراقصُ الصفحاتَ لتخلدَ في جوفها مستسلمةٌ لأمانها ، كنتُ أعزِفُ لقلمي لحنه ليكمل رقصاته على أنغامِهِ ، مطلقاً لنفسهِ العنان ليترنم بين أصابعي باكياً من حبرهِ سطور ،وقلما شذَّ لحني عن وترهِ المعتاد ليقفز إلى وتر الفرح الذي كنتُ وقلمي نخشى القرب منه لعجب ما يحدثُه هذا القرب من كارثة فكلما اقتربنا منه فارقتنا السعادة وكلما بحثنا عنه أضعناه ، وكلما ابتسمنا له أبكانا ، لماذا ؟ أنا مثلكم لا أدري لما !
أ تتسألون من أنا سأخبركم من أكون ؟! جليسةُ الليل أنا عاشقةُ القمر والنجوم صديقة نفسي وبالطبع أمّي التّي كانت منبع قوتي والكتف الذّي ألجأ إليه عندما تخذلني هذه الحياة تلكَ اليد التّي انتشلت جثتي الهامدة وأحيتها من جديد وهي التّي راحت ترمي أوجاعها جانباُ لتبلسم جروحي أطال الله عمرها وألبسها أثواب الصحة والعافية ، اسمي مرام ولا يدّلُ هذا الاسم إلا على تحقيق المراد و نيل المبتغى وعلى الرغم من الكم الهائل التّي تبثه هذه المعاني من أملٍ إلا أنني لم أرى سوى بداية الاسم (مرّ) ولم أتذوق طعماً إلا هو ، ولدت في محافظة السويداء في الجنوب السوريّ بمدينة فيليب العربيّ( شهبا ) تعلمتُ في مدارسها في مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي وكنت من المتفوقين إلى أن تجاوزت الثامن عشر ربيعاً و التحقت بكلية الهندسة الزراعيّة والتّي لم تكن يوماً من ضمنِ رغباتي .كنتُ أنتظر وبفارغِ الصبر أن تلتهم عقارب الساعة الوقت بسرعة لأهرع إلى غرفتي ناجيةً بنفسي من ضوضاء هذا العالم الذّي لا يشبهني وأخلعُ ابتسامتي الكاذبة التّي تخفي ما يكنّهُ القلب من ألم ،ٍ ثمَّ أرمي على جدرانِ غرفتي ما أثقلتني به ساعاتُ يومي واجلس مع نفسي منعزلةً وإيّاها عمّا حولنا فرحين بوحدتنا ، وهناك في زاويةِ غرفتي على رفٍ من رفوفها الخرساء رقدَ كتابٌ قديم عمره يعادل عمري بل أصغرُ بقليلٍ منذ أن تعلمتُ القراءة والكتابة رحتُ أدون ما يراودني من أحاسيس في صفحاتِه التّي تأرجحَ محتواها بالفرحِ حينٍ وبالحزنِ أحياناً .أتعلمون لم أفتحه منذ مدّةٍ بعيدةٍ ؟! أخذته بين يداي التّي كبرت ورحت أنفضُ عنه غبار السنين ،لأرى مادونته أصابعي منذ زمن ففي البدايةِ ارتسمت على وجهي ابتسامةٌ وكلما قرأتُ صفحةً قهقهت في نفسي على أفكاري الطفوليّة المتموجة بفرحٍ بين السطور ، فتجلى أمامي أوّل نصٍ دونته أناملي ألا وهو (مع كلِّ بارقةِ أمل عنوانٌ للفشل) في تلكَ الليلة كانت ضاحكةً مبتسمة طوال الوقت وخلفُ ابتسامتِها ألفُ دمعة ٍ ودمعة ، باتَ قلبُها يتحطمُ من شدّةِ كرهها لنفسها ولهذا الوحش الذّي تخلل عقلها لدرجةِ أنها لم تعد تفكرُ سوى به ( الفشل ). راحت الشمسُ تودعُ الناظرينَ لتغفو خلفَ تلكَ الجبال البعيدة وراحَ القمرُ يبدو أكثرَ وضوحاً . حلَّ الظلام … وبدأت صراصيرُ الليل تتدرّبُ كعادتها على لحنِها المرّتجلِ . ولازال الصداعُ يرقصُ في رأسها مُحتَفِلاً. راحت تدعو كعادتها في كلِّ ليلة راجيةً متمنيةً من الرب أن تَصِلَ لأعلى المراتبَ وأن تعود كما كانت لعلها تجدُ بعدها بارقةُ أمل لا يكونُ عنوانُها الفشل . حتّى غفت عيناها وحلّقت في أحلامِها متناسيةً كلَّ شيء .تابعتُ في طوي صفحات الماضي والحنين ينبثقُ في قلبي، فجأة استوقفتني أوراقٌ أيقضت في قلبي ذكرياتٍ قد غفت منذ سنين ،ذكريات باقيةٌ في حياتي كلَّ البقاء،فتسلل إلى ضلوعي ذلك اليوم القديم وراح يفسدُ كلَّ شيء ليخبرني بأنني و رغم مرورِ كلّ هذا الوقت لم أتجاوزه بعد ، أدركتُ بأن الحياة توقفت بي منذ أربع أعوام في اليوم السادس عشر من يناير (كانون الثاني) بالتحديد ، ذلك اليوم الذّي أعلنَ انتصاره علي بكلِّ قوةٍ فقد سرق جزء من قلبي بل جزء مني ، نالتني الألام،راحت دموعي تتساقطُ من مقلتيًّ حثيثاتُ الدمع بينما ظاهري في غاية الثبات،شعرتُ بلدغةٍ تيقضني من حلمي الدافئ وأملي الكئيب ،عندما قرأتُ ما كنت أكتبه لها كلّ يوم (ذبول الياسمين ، عودة المطر ،تفاصيل مرهقة ، قريبتي البعيدة ،والكثير الكثير من الرسائل اليومية لك ) يالا حجم هذه المأساة ! ، لملمت أشلائي المبعثرة حولي بالرّمَق ثمّ بالكادِ استطعت الوقوف ، نظرتُ إلى انعكاسي في المرآةِ وإذ به يسألني :أهذه نتِ ؟!
راحت شفتاي تُتَمتم بصوتٍ مهزومٍ ضعيف : كنتُ أنا يوماً ،لكّن اليوم لستُ سوى حطامٌ وأشلاءٌ مبعثرة ،بعدما اختطفها مني الزمن
لقد أحدثَ غيابها في قلبي فجوة لن تترمم يوماً أاخبركم سراً ؟!
لم أسعى إلى ترميمها مطلقاً لقد كانت الذكرى الأخيرة منها ، لن أطيل الكتابة عنها أكثر ، لكنني في هذه اللحظة أيقنتُ بأن البكاء يأتي بعد عجز ثمان وعشرون عن الإنصافِ والتعبير .مع الوقت أخذت مساحةُ الوعي تتسعُ على جغرافية دماغي ، كبرتُ فلم تعد كبر أحلامي تلكَ الدمية ولم تعد دموعي تنهمرُ لأجل قطعة من الحلوى ، باتَ الأمر أكثر صعوبة ، أثقلتنا الحياة بهمومٍ فاقت أحجامنا ، هموم هاجت كرياح العاصفة لتطفئ نيران الشغف التّي تكاد موقودةً داخلنا، رحتُ أعلن هزيمتي مرّة أخرى أمام هذه الحياة فأخذتُ من حلكةِ الليل خيطاً ورحت أحيكُ به كفناً كبيراً يتسع لكلّ أحلامي التّي قتلت رغماً عني وعنها أثر تلك الواقعة ، ثم ما خلفتهُ الحرب داخلنا أكثرُ دماراً من ذاك الذّي عم البلاد فحطامُ أحلامنا أثمن من حطام المنازل وأنينُ قلوبنا يعادل خيبة قلب أمٍ انتظرت وحيدها ليعود إلى حضنها وهي تعلم بأنهُ راقدٌ بين حبات الثرى منذ أعوام.لكنني رغم كل تلك الانكسارات لازلت مؤمنة بأن الله لن يخذل من آمن به ،وبأنني سأحققُ ما أصبو له ولو بعد حين.وها هو الشتاء قد عاد علّ الغيوم ستسقي أزهار أحلامنا الذّابلة وتبثق فيها الحياة من جديد.فرغماً عنا وعن كلِّ تلك المصاعب التّي تفصل بيننا وبين تلك الأحلام سنلتقي على ضفة أغنية وبين سطور رواية فل تفقدوا الأمل ولاتنسوا ذكرالله في كل حين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*