قراءة تحليلية نقدية لقصيدة الشاعر الأديب عبدالكريم بعلبكي “الوقوف على قمة الانهيارانتصار…”بقلم الأستاذة حسناء حفظوني من تونس.

قصيدة الأديب عبدالكريم بعلبكي
تعلن عن نفسها الملحمي منذ العنوان الذي يتشكل
عبر علاقة ضدية بين الانهيار /الانتصار اذ أن الشاعر
يعلن بصيغة تقريرية عن ولادة النصر من رحم الهزيمة وليس الوقوف على شفير الهاوية سوى سبيل لنخوة الانتصار، فكيف يستوي الانهيار مع الانتصار ان كان معجميا صنوا للهزيمة النكراء حد السقوط التام الذي لا يحتمل امكان النصر؟
من هذه العتبة المعقودة على الغرابة يستفزنا النص
ويغرز بفكرنا خناجر السؤال المدهش كيف يتحوّل
الوقوف على حافة الانهيار اذن الى انتصار؟
على هذا النحو الأسطوري يقلب “البعلبكي” الأضداد
في جملة تختزن ملاحم المسرح الاغريقي واليوناني
على حد سواء لكن “سيزيف” لن ينحدر مع صخرته العظيمة أسفل الجبل وكذا الشأن فان” هوميروس”
لن يهزم أمام جبروت الآلهة وانما نحن ازاء أسطورة أخرى معاصرة يلتحم فيها الشاعر بالوطن المستباح غدرا
في تقمّص تامّ مراوغ للقارئ ،
وهنا يقذف بنا الشاعر في أتون دهشة أخرى غير دهشة العتبة موظّفا لعبة الضمائر وتقنية الحلول ان صح التّعبير فالانهيار والانتصار كلاهما ينعقدان على ضمير الوطن الحاضر في الذّات الناطقة به سينتصر بالصمود أمام هول العاصفة وهي تعرّي وجه الصحب وتسقط قناع غدره لتتوالى بعد ذلك أفعال أخرى على النّقيض تماما من فعل الوقوف/ الوارد بالعنوان فيحيد الشاعر بالقارئ الى مسارات أخرى قد يظنها انهيارا بالنظر إلى طبيعة المعجم /البكاء/سيول الغدر /النحيب /الوجع/الآآأه…/الانكسار/انجرح…
كلّها تحيل على الصّدمة وخيبة الأمل في الصاحب وكيف
لا وهو الذي كان من المفروض أن يكون الوفي الحامل لنبوءة للحلم المشترك، حلم القدس عروس العروبة :
بكيت صحبي
لأذرع الحلم
لكف الصداقة
لفيض الصمت
الوقار
بكيت صحبي…
إن العلاقات المتشابكة التي تحكم المقاطع تحدّدها العلية أو السببية ففعل الغدر يشرع لما ورد في القصيدة كلّها
من تداعيات الانتحاب الذي مثل بؤرة الحدث المنسوب
الى الأنا بطريقة متواترة متكررة محملة بكم هائل من الوجع فالطّعنة جاءت من الصحب/ الصّاحب الأخ العربي الذي يخون حلم العروبة ويهدر دم الأخوّة ويتنكر للصّحبة
واذا بالخديعة تحوّل وجهة المسار الي الانهيار وليس الشاعر في ذلك سوى طائر العنقاء او بروموثيوس واقفا رغم النزف على حافة الهاوية صامدا وهو يتلقى طعنات الغدر
و نار الخيانة تضطرم في صدره اضطراما حتى اشتعال النبض في صورة ملحمية مأساوية رفيعة ومؤثرة:
اشتعل نبضي تحت
المآقي
أتى مع موكب الهطول
استل أقلام فرحي..
لكن بروموثيوس لم يسقط فالقدس هي القدس كما هي دوما شامخة في خضم الجرح والاقصى هو الاقصى
لا يتوقف صوت المؤذن أعلاه وبلغة عربية عن لا اله الا الله وانما الاكتفاء بالنحيب والبكاء تطهر من رجس الصحبة الغادرة الخائنة ليجهش حرف القدس بالبكاء :
بكيت بكيت
عندها
أعددت للنرجسبة عبيدها
هكذا تنتحب القدس العربية الاسلامية لتتطهر من دنس المطبع الأخير ومن أمثاله من سماسرة القضية الفلسطينية غير ان الشاعر لا يدعها لتستسلم للانهيار وربما هي التي
لا تدعه ينهار الى قرار الهاوية، لذلك يتدرج الشاعر نحو القرار الحاسم :
استقلت من صحبة السمار
وتركت
شهرزاد لشهريار
إنه تنصل رمزي من ربقة الخائن لأنه يعيدنا الى التاريخ القديم، فالمساومة على القدس العربية يحصل كل مرة
من شهريار عربي على شهرزاده الصّهيونية، انما هي مساومة متكرّرة الفصول ماضيا وحاضرا و من قبيل
أنّ التّاربخ لا يعيد نفسه الاّ في شكل مهزلة…
و تبقى حقيقة واحدة هي عتبة النْص ومنتهاه ذاك السؤال المحوري الشّاهق الذي يعيد الحقيقة الى نصابها لان القدس أبقى بنأيها عن الخائنين الذين سقطوا وانهاروا قيميا تباعا لتظلّ واقفة شامخة صامدة رغم كل شئ، ان الله معها…
أو تعلمون؟؟
أن الوقوف على قمة الانهيار
انتصار…
هكذا يتراءي النص بين التّراجيديا /أدب المأساة والنزعة الملحمية باختزال مفهوم البطولة والنصر في القدرة على الصمود وعدم السقوط الي الهاوية في فعل عجائبي غرائبي معجز تستمده القدس من طهرها كونها أرض الأنبياء ومسرى الرسول” محمد” “صلى الله عليه وسلم” أمام تهاوي المطبعين بما ملكت أيمانهم من فعل الغدر الشنيع مثلما لهجت بها أحرف المبدع عبد الكريم بعلبكي ذاك الذي تلبّس روح القدس ونطق على لسانها بغموض مراوغ للقارئ حين ظنّ المأساة ذاتية في حين أنها قدسية قومية عربية إسلامبة ، مأساة ارتأى الشّاعر أن يصهرها
في بوتقة الأنا حتى أنه حلّ محل” القدس “وبكى عنها ونطق بلسان وجعها والحال مستلهما التقنيات الأسطورية والمسرحية التي حكمت بنية النص وهي الى ذلك مرجعيات ثقافية راسخة في ذات الشاعر كونه الفنّان المسرحي المتشبع بالمسرح التراجيدي
و بألف ليلة وليلة وغيرها من المرجعيات الفنية التي تجعل من الشعر عملية إبداعية متفردة.
النص:
الوقوفُ على قمةِ الانهيارِ
انتصارٌ …
بقلم د. عبدالكريم بعلبكي
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
بكيْتُ (صَحبي)
لأذرعِ الحلمِ
لكفِّ الصداقةِ
لفيضِ الصَّمتِ
للوَقارِ
بكيْتُ (صَحبي)
*
إِشتعلَ نبضي تحت
المآقي
أتى معَ موكبِ الهطول
إِستلَّ أقلامَ فرَحي
من ضلوعي
قال :
سنرفَعُ عن ناصيةِ الكلماتِ
نحيبَ غُبارِ التردُّدِ
سنكتبُ على وجه الشمس
حكايةَ الجُموحِ
سنَعجِنُ ثلجَ البوْحِ
بالعشقِ
بالغارِ
بالنّارِ
بكيْتُ (صَحبي)
تبرعم صورًا
ربيعًا
صوتَ نبوءةٍ
ثرثرَ
تبعثرَ
إندثرَ
خذلني قلبي
بكيْتُ (صَحبي)
فتحتْ سيولُ الغدرِ
أبوابَ الظمأ
خنقتْ شفتيها المروءةُ
آآآهٍ
النخوة
ما أوجعَ بعدَها
بكيْتُ (صَحبي)
*
أيا حُلم السّاعةِ
الصَّيفُ شهِيٌّ
غزلَ عباءةَ الِّلقاءاتِ
على طاولةِ الخديعةِ والخيانةِ
إنتحبَ الشَّتاءُ
أهُوَ زمني .؟
*
أُصدِقُكُمُ القولَ
بكيْتُ (صَحبي)
*
جفاني المنامُ
مَسَّني الضوءُ
هزَّني الانكسارُ
انجرحَ وجهُ النهارِ
العمرُ
هجعَ تحتَ مطرقةِ العابرين …
بكيْتُ بكيْتُ
عندَها
أعددْتُ للنَّرجسيّةِ عبيدها
ثُمَّ
استقلْتُ من صُحبةِ السُّمّار
وتركْتُ
شهرزادَ لشهريار
*
أَوتعلمون ؟!!!
أنَّ الوقوفَ على قمةِ الانهيارِ
انتصارٌ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*