قراءة لنص ” لأنك الأكثر ” للأديبة والشاعرة نبيلة الوزاني بقلم الكاتب هشام صيام.

النص :

لأنّك الأكثر

ما أوْهى المحراث
وما أقوى الأرض
البذور أفقرُ من جوع التراب
ما البستانُ بدون سقيا
والماءُ في جعاب الذئاب؟
القصيدة شجرةٌ مكسورة الريش
بأصابع صيادٍ
يمتهن الطقطقة …
أيّها الحارس
لتعرفَ هدف الغابة
تعلّمْ تحليق النسور
ولتعيَ معنى الاخضرار
قبّلْ شقوقَ الثرى
……………………
الحائط هو الطرف اللامع
تطلّ منه الموناليزا
بابتسامتها المبهمة
ليتها تَفرجها قليلا
قليلا فقط
كم ثابر خيالي
لمعرفة كنهها
والآخَر سعيدٌ بحيرتي
لأظلّ في ذهول مُقيم
أعرشُ بالأحلام
على أغصانٍ
مُزخرَفَةِ الجذور
……………….
غزارة الملح
مطفأةُ الصقيع
لينساب الماء فراتاً
في هياكل اليباس
الحياةُ ممرّ العابرين
توزّع سكاكرَ المطر
على من حفظ أسفار الأقدمين
السراط لا يرحم
فاقدي البصر
النحلة منشغلة بتزيين الملكة
ولا تدري
بأيَّ لسعة تحتضر
……………………..
أيها المخضرّ في عاصمة جسدي
منذ انبثاق دمي…
دعني أخبرك عمراً
لي فيك ما ليعقوبَ
من حصّة البئر…
في فوضى الليل
قافلةُ الورد تشير
إلى ضحكات الشمس
بشفاهٍ من حرير
وأنا
أمتدّ فيك غيمةً غجريةَ الانصباب
لأجدني كلما حدّقتُ في قلبك
هربتْ منّي جداولي إليك
لأمضيَ إليك خفيفةً منّي
وتكون لي نهريَ الأكبر
فكيف لا أحبك أكثر.
………………
ما أوْهى المحراث
وما أقوى الأرض
أسلوب استنكاري بغرض التأكيد …،
الحرث كمعنى هو تقليب الأرض وإتاحة فسحة للهواء بتغلغل طياتها للتحضير لعملية الزرعة ..
هذا هو المعنى الحرفي للفظ ..
ولكن هنا كان الترميز بلفظ ” محراث ” في معية لفظ ” الأرض ” لتشي شاعرتنا الرائعة بكيان هذه الذات التي تسكن هذا الوطن الصغير المنبثق من وطنها الكبير في تعبير دقيق عن تلك الذوات الضعيفة التي تسكن راحات واقع الأيام وتلك العزائم المنقادة خلف رؤى معلبة وأجندات ممنهجة لتسير الأمور والأعمال حسب مصالح آخرين سواء بإرادة تلك النفوس أو كونهم مسلوبي الإرادة مهمشة رؤاهم فهم في معية القطيع …
هنا كان التعبير المصور إنكارا لفعال لا توصف سوى بالخواء من أبناء الوطن وإنكارا ضمنيا لاستسلام الأرض – الوطن – بكل ما منحتنا من خصائص معنوية ومادية تراهن عليها وعلى صحوة ستبعثها ذات شروق …،
هنا كان التأكيد على انهيار جدران العتم وإن كان مستترا بين رحم الحروف إلا أنه واضح لكل عين أريبة ..
البذور أفقرُ من جوع التراب
ما البستانُ بدون سقيا
والماءُ في جعاب الذئاب؟
من تلك اللحظة في شروق النص تختال الصور المؤكدة للمعنى ..
” البذور ” … ” جوع “
وكأن أديبتنا أرادت التأكيد بطرح الفكرة – كمن يرسخ لأمر – فيعيد الحديث في نفس الموضوع من خلال رؤية جديدة ولكنها تخدم نفس المنهج من جديد في قالب يختلف لفظيا ولكنه يتساوى كمعنى …
لفظ ” البذور ” ترميز محلق لمحاولات تلك النفوس في وضع غرسة تحوي أجنة لغدٍ
جديدٍ ولكنها مهيضة تسقط قبل حلول طلق ميلادها …
وهنا كان التصوير مع التشبيه رائعا فتلك البذور كإنسان فقير لا يستطيع سدّ رمق أسرته الكبيرة المرمز لها بلفظ ” التراب ” وهو المتعارف عليه كمعنى أنه الأرض والوطن ….
ثم في معية سؤال يثير في النفس الدهشة وكأنها تخشى أن يضيع منها المتلقي في خضم عمق الفكرة فتفتعل ببراعة الشاعرة قطفة شعرية كأداة تنبيه وتوجيه إلى الدرب الذي تريد له السير فيه فيكون السؤال الذي ينتظر الإجابة عليه في جزء منه ثم تورد إجابة تعليلية في جوف السؤال تكون بمثابة الصدمة التي تشعل عقل وفكر المتلقي …
فالبستان ملكية خاصة – الوطن – نعيش منها وبيننا وبينها فرضية العرق ولقمة العيش فكيف بكون دون رواء – سقيا – ثم يكون التصريح بعد التلميح في بداية النص بالسبب المسبب لكل هذا – في تعليل السؤال الذي يسكن متنه – وهو أننا لا نملك مقدراتنا لكي نُسيَّر الأمر كما نريد …
وكان للفظ الذئاب حضور مائز – كان من الممكن وضع أي مفترس آخر كالأسد أو الفهد – ليس للتهوين من الخطر ولكن للتقليل من شأن وكيان هؤلاء وهنا يظهر برغم كل شيء عزة وكرامة الوطن المعجون وذات شاعرتنا فالذئاب مفترسات تقتل في جماعات وفي جنح الظلام وهي تنفرد بالشريدة من القطيع ولا تقوى على نباح حارسها الأمين برغم حشودها …،
هنا كان التعبير يجمع بين الخطر وفي نفس الوقت طعنة الضحية وهي على عتبات الفناء في عقل هذا المغتصب لمقدرات الوطن الجمعي ووسمه بالدونية برغم شراسته …
لتضع الحل مغلفا في رحم السؤال – التجمع والوحدة – وتدق في نفس الوقت ناقوس الخطر …
القصيدة شجرةٌ مكسورة الريش
بأصابع صيادٍ
يمتهن الطقطقة …
أيّها الحارس
لتعرفَ هدف الغابة
تعلّمْ تحليق النسور
ولتعيَ معنى الاخضرار
قبّلْ شقوقَ الثرى
” القصيدة ” هي فكرة ورؤى وهنا هي مكسورة الجناح ” الريش ” لا تستطيع التحليق والتعبير يقتنص جناحها هذا الصياد الشره …
” بأصابع “
هذا التصوير في حد ذاته قصيدة شاعرتنا ..
هنا كان التلميح بالبارود والبندقية دون التصريح في خافق صورة فتلك الأصابع يعقبها لفظ ” طقطقة ” تعني وطء الأصابع لزناد البندقية فيقتنص الطير …
وهنا لن يقتنص طائر واحد فلفظ ” شجرة ” حاوية جامعة لسكن ووطن
لتلك الطيور – أبناء الوطن – في تصوير لمشهد حلق والإبداع لهذا القنص الممنهج لكل تلك الأحلام والآمال …
هنا في تلك الفقرة كانت الرسائل دقيقة وتحمل رؤية واضحة ما بين تلميح وتصريح تام ثم تختتم هذا كله بلفظ نداء مباشر ” يا ” ليس للتنبيه فقط ولكن لتفتح مصاريع الأذن لنفير التنبيه …
في صرخة تحذير ليعي هذا الحارس – قد يكون الحاكم اللاهي وقد يكون عموم أبناء الوطن فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته – أنه لكي يحرس يجب أن يفتح فكره قبل عيونه على عموم المشهد فيحلق بنظرة تعبر المدى ولا ينظر تحت قدميه …
ف ” الأخضرار … شقوق الثرى “
هنا هو نظرة للمستقبل ففي الاخضرار ثمر وجني لهذا لنتعلم أن نفعل ما يتيح للغرسة أن تينع لنجني الثمرة – الحلم وشروق المستقبل – بوضع البذرة الفتية فتكون النجاة …
فلا يمكن أن نشق الأرض ونحرث ونحن لا نملك البذرة الجيد ة..
فقرة محلقة وجدا أديبتنا المبدعة …
الحائط هو الطرف اللامع
تطلّ منه الموناليزا
بابتسامتها المبهمة
ليتها تَفرجها قليلا
قليلا فقط
كم ثابر خيالي
لمعرفة كنهها
والآخَر سعيدٌ بحيرتي
لأظلّ في ذهول مُقيم
أعرشُ بالأحلام
على أغصانٍ
مُزخرَفَةِ الجذور
” الحائط “
حياة ومصير فكان التشبيه التصويري لتلك الحياة بالحائط لإسباغ نوع من تلك الصورة الحياتية فكان من الممكن أن ترمز للحياة بصورة أكثر حركة وتفاعلا مع ما تمثله الحياة من انفتاح …فمثلا كان يمكن أن يكون البحر أو السماء أو أي من هذا ولكن هنا كان التعبير من الدقة لكي يكون هذا الحائط الذي يعبر عن قشرة الحياة وخلفه غير واضح القسمات لهذا كان للفظ حائط حضور أكثر ملاءمة للمشهد فهو الجدار الذي نشعر بما خلفه عن طريق الصوت مثلا أو الحدث ولكن لا نراه …
” الموناليزا “
هي رمزية رائعة فقد توقفت كثيرا أمامها …
كما توقفت أمام اللوحة ذاتها دائما …
هنا الموناليزا تفتح باب التأويل على مصراعيه …
ففي ضربة من ضربات التأويل قد يكون المقصود منها هي تلك الرؤى المعلبة التي تأتي من خارج المجتمع ونتلقفها من الغرب فتصنع نوعا من البلبلة في واقع الأيام وفيما نتظره من شروق المستقبل ..
وهذا التأويل قد يعضده فكرة أن الموناليزا تراث غربي ومبدعها دفينشي من رسامي عصر النهضة في أوروبا ….
ولكن في معتقدي أن التراث هنا إنساني وهذا ما أميل إليه وهنا سيكون الترميز قد وضع الموناليزا كمجرد رمز نسقط من خلاله على واقع حال تلك الأحلام والآمال التي تراودتا في مناحي الحياة وإن كانت تراثا عربيا أوغربيا أو من المريخ …
هي مجرد إسقاط على تلك الرؤى المضببة التي – فالموناليزا تعبير عن كل شيء مبهم – بها نوع من التشابك وعدم الوضوح فصوت شاعرتنا لا يدري إن كان المستقبل سيكون كما تريد وكما تطمح أم أنه سيكون مخيبا للأمال …
لهذا كان لفظ ” الآخر ” وهو تعبير مدهش يؤكد هذا التأويل ولا ينفيه فالآخر هنا ليس بالضرورة أن يكون رؤى غربية فقد يكون تقاليد وعادات لا ترضى عنها النفس ولكنها مقيدة فتكون الغطاء الذي يخنق هذه الرؤى والأحلام …،
ومن هنا كانت ابتسامة الموناليزا – كتعبير دقيق – فهي غير واضحة بالفعل تراها يعتمرها الغموض فلا ندري هل هي باسمة في طيبة ونقاء أم أنها مخادعة أو ساخرة أم حزينة كل ما نقوله نراه فيها وهذا يعود لتكنيك الرسم الخاص الذي رسم به اللوحة دفنشي فقد اعتمد على الفصل الضوئي اللوني فنصف الوجه الضوء به خافت و النصف الآخر تغمره الإضاءة …،
كما اعتمد نظرية نصف الوجه الطيب والنصف الآخر الشرير وهذه طريقة للتصوير السينمائي في العصر الحديث …
ومن هنا فإننا من كل زاوية قد نرى الابتسامة بشكل مختلف وتلك
حقيقة فنية ثابتة …
أيضا النظرة التي تلاحقنا في صورة الموناليزا من كل اتجاه نرنو فيه إليها هي بمقياس الحياة والمستقبل لقطة دقيقة وجدا …
فنحن لا ندري هل نحن من نلاحق المستقبل أم أنه هو من يلاحقنا هل نحن من نحاول وضعه نحت المجهر أم أنه هو من يلاحقنا بخيالاته لنظل بين راحات الظلال الداكنه التي تخبئ فجرا لم يشرق بعد …
هنا كان اختيار الموناليزا وهي تملك تلك النظرة التي تلاحقنا من أي اتجاه. ننظر لها فيه – وهي تقنية استخدم فيها دافنشي مقاييس هندسية دقيقة وعمل شكل هرمي للحدقة ثم اخضاعها لقونين مختلفة ومقاييس رسم لتصبح العين تعطي تلك النظرة التي تنظر من كل اتجاه كما في الثري دي في عصرنا الحديث – ومن هنا كان التشبيه الذي أسقط به على الحياة بكل ما بها دقيقا للغاية …
وهو مدهش جدا …،
هذا المقطع رائع محلق وبه شغل و عمق من أديبتنا الرائعة وإسقاطات غير محدودة ورؤى مختلفة تسمح بالتأويل وختامه المدهش بتلك ” الجذور المزخرفة ” يتيح لنا العودة للتأويل الأول – وهو لا ينفي الثاني بل ممكن أن يمتزج وإياه – الذي يعني أن بعضا من الأحلام والرؤى مستوردة فهي في معيتها ولكن معينها الأساسي من مترف جذور مراتعها التي نبتت بها …
هنا يكون هذا المقطع العامر بالتأويل – وهذه عبقرية الفكرة وشاعريتها – في أبهى صوره يمكن أن تكون …،
غزارة الملح
مطفأةُ الصقيع
لينساب الماء فراتاً
في هياكل اليباس
الحياةُ ممرّ العابرين
توزّع سكاكرَ المطر
على من حفظ أسفار الأقدمين
السراط لا يرحم
فاقدي البصر
النحلة منشغلة بتزيين الملكة
ولا تدري
بأيَّ لسعة تحتضر
” الملح “
في صورته المرمزة في كثير من القصائد يكون بمعنى حادث غير سعيد يصيب الحياة ويجعلها مرة مالحة بمرارة …،
ولكن هنا أتى بمعنى آخر فيه تطويع للفظ فهو في رفقة لفظ ” الصقيع ” اختلف مردود معناه بشدة فالصقيع هو ما بتلك الحياة من شجن ودروب من الغلظة وما يعكر صفوها ويترك الروح في معية الجراح …،
فالملح هنا بمثابة ترميز للبحر وهذا البحر وظاهرة البخر – الذي يأخذ الماء ويستبقي الملح فكلما كان البحر أكثر كلما كان الملح أغزر – الذي يتصاعد ويتلاقى وطبقات الهواء الباردة
ثم يهطل المطر – ومن المتعارف عليه أن هطول المطر في معظم الأحيان يُحدث عقب الفراغ منه نوع من الشروق الذي يتيح جوا دافئا …
ومن هنا يكون هذا التعبير المائز ” مطفأة الصقيع ” كبديع لغوي محلق قد حقق المعنى الحرفي للكلمات وفي نفس الوقت أكد المعنى الشعري للفكرة في معية النص …
فالصقيع ودكن الضباب يولد لدى المتلقي إحساسا بالشجن وتيقنا من الحزن المحيط بماهية اللحظة في مشهدية النص فكان الترميز بهذا اللفظ بديعا ودقيقا
ثم يأتي لفظ” لينساب ” وهو فعل في المضارع أي مازال في آن الحدوث ومعه حرف ” ل” ليخلق جوا مدهشا يجمع بين انتظار حدوث الحدث كأمل قادم وجريان حدوثه بالفعل في اللحظة التي نعيش أجوائها في النص …
هنا في هذا المزج بين ما ننتظر حدوثه واستمراريته كحدث في الزمن المضارع يكون الإبداع الشعري والتقني في أبهى صورة …
” سكاكر المطر “
هنا المطر رمزية – بتلكَ الغيمات الحاضنة للمُزن – للأحلام والأمال التي تحلق في ذات البشر وتسكن أدراج عقولهم الخاصة …،
فكانت الحياة التي لا شيء فيها دون كد وعمل واجتهاد وصبر هي هذا المعبر الذي نغبر من خلاله لتلك الجائزة ولكن شاعرتنا تضع على عتبات ولوج الحلم شرطا لهذا الولوج وهو هذا الفهم والسبر لكل مفردات الماضي فتاريخ البشر يا سادة حلقات متتابعة من جهل بعض حلقاتها تاه في القادم منها …،
هنا في تعبير ” أسفار الأقدمين ” دعوة صريحة لسبر غور هذا الماضي التليد بكل ما به من سلبيات وإيجابيات ….
فمن هنا نتعلم ونستطيع أن نعبر ونحن مسلحون بالمعرفة متمسكون بالقيم الحقة الموروثة مبتعدون عن الخطوات النزقة التي أغرقت من سبقنا في بحر رمال التيه وهنا فقط نحصل على الجائزة – السكاكر – وهو مستقبل تتحقق فيه الأحلام …،
” السراط “
هنا هو هذا السراط المستقيم الذي يبدو في عين المؤمنين دربا شاسع الاتساع فيسير المؤمن بهدوء الواثق حتى يبلغ نهاية هذا الجسر الذي يفصل بين أرض المحشر والفردوس …،
وفي عين الكافر خط رفيع كحد السيف لا يستطيع عبوره كجسر فيسقط في غياهب النار والعياذ بالله …
هذا هو المعنى الحرفي …
هنا كان رمزية لماهية البشر في ديمومة الحياة وما يكون منهم من فهم واعي للحظة أو مداهنة ونفاق لفكرة أولفرقة أو لحاكم وسلطان ….،
هنا كان هذا التشبيه الذي يحمل تناصا مع القرآن الكريم فمن يحشر يوم القيامة أعمى لا يستطيع عبور السراط ومن هنا كان التعبير المحلق الذي خدم الفكرة بكل دقة ” فاقدي البصر ” الذي سبقه لفظ ” لايرحم ” بغرض التأكيد على عدم مقدرتهم العبور للمستقبل فهؤلاء سيظل واقع حال أيامهم ككل المنافقين مهما علت مكانتهم يظل وضعهم في ضمير الأمة الجمعي كما هم منافقين ليس أكثر …،
يؤكد هذا المعنى في صورة بتشبيه وتلك ” النحلة ” وكما نعلم فمجتمعات النحل تقوم على العمل الدؤوب فالنحل العامل لا يفعل شيئا سوى العمل من أجل الخلية واستقرار أوضاعها …،
هنا كان الرمز إسقاطه مختلفا فهنا النحلة – الفرد- لا يعمل وفقط من أجل مجتمعه ودياره ولكن من أجل صاحب جاه عالى المستوى الصغير ومن أجل صاحب سلطان وحكم على المستوى الأكبر وهنا يكون السقوط …،
ففي معية المداهنة والنفاق تسقط الأمم …،
أيها المخضرّ في عاصمة جسدي
منذ انبثاق دمي…
دعني أخبرك عمراً
لي فيك ما ليعقوبَ
من حصّة البئر…
في فوضى الليل
قافلةُ الورد تشير
إلى ضحكات الشمس
بشفاهٍ من حرير
وأنا
أمتدّ فيك غيمةً غجريةَ الانصباب
لأجدني كلما حدّقتُ في قلبك
هربتْ منّي جداولي إليك
لأمضيَ إليك خفيفةً منّي
وتكون لي نهريَ الأكبر
فكيف لا أحبك أكثر.
” أيها المخضر “
هنا اللفظ المصور في حذق ومهارة شاعرية يجعل هذه الفقرة كاملة حاضنة للتأويل فكل ما تحتضنه من رؤى يمكن أن تكون متشعبة التأويل …،
ما بين الأحلام التي نبتت بذورها واخضرت سنابلها والإبن الذي نبت في رحم الأم وأصبح ينتظر ميلاده عودا أخضر يرنو للحياة وأيضا الحب الذي توهج كشمس في عاصمة القلب …،
كل هذا يجوز لنا الولوج في معيته وهذا من خواص الشعر الرائع الذي يجعل المتلقي مندهشا لكم الرؤى التي تنبثق من خوافقه …،
هنا في هذا التناص الرائع مغ قصة سيدنا يوسف
” حصة البئر “
قد يقول البعض أن الأمر قد تم الحسم له في مصلحة تأويل الإبن ..،
ولكن هنا سيكون الأمر معاكسا بشكل غريب الحدوث ..
فبالفعل حصة البئر بالنسبة لسيدنا يعقوب عليه السلام هي سيدنا يوسف عليه السلام …،
ولكن بعودة لتاريخ المرحلة وعبر النص القرآني سنجد أن ما كان لسيدنا يعقوب وأسرته ليس مجرد ابن ولكن حياة بكل ما بمعنى الكلمة …،
هنا كان لنجاة حصة البئر – يوسف عليه السلام – من مصيرها المحتوم – الموت – نجاة مستقبلية ليعقوب عليه للسلام وأسرته – أخوة سيدنا يوسف الأسباط – من هذا الجدب الذي عانت منه ديارهم وولوج لأرض عامرة بالخير والعيش في رغد وأمن وسلام …،
وأيضا نجاة لإخوة سيدنا يوسف من عذاب الضمير لمَا كان منهم في حقه ونحاه ليعقوب عليه السلام من الألم الذي كان يأكل وجدانه على فلذة كبده …،
هنا تكون الحصة ليست مجرد ابن ولكن مستقبلا وأحلاما بالنجاة من جدب وقحل الحال في تلك الأيام ونجاة من معذب نفسي ضميري …،
وهنا يكون للفظ ” ضحكة الشمس ” التي تعنى سيدنا يعقوب وهنا الشمس تناص واضح على حلم سيدنا يوسف وكانت الشمس به رمزية لسيدنا يعقوب وضحكة الشمس تعني شروقها وهنا مع لفظ ساحر هو ” بشفاه الحرير ” يكون المعنى هو رد البصر لسيدنا يعقوب عقب تنسم قميص يوسف …،
هنا وقفت أصفق كثيرا لهذا التصوير والتناص المتلاحق في وحدة شعرية متحدة الأركان تخدم المعنى المراد من النص …،
هنا يكون الإسقاط واضحا في فكرة النص على حياة تعج بمثل هذه المعاني من الشتات النفسي والتغريب وهذا الانتظار لمَا ستتمخض عنه أرحام اليوم من غد في مغية الغيب ….،
” هربت مني جداولي إليكَ “
هذه الصورة الشاعرية المحلقة بقصيدة وحدها …،
هذا التجسيد للجداول والتي هي تشخيص مادي للمشاعر التي تعتمر الفؤاد
يجعلنا أمام لوحة عارمة بالصورالتي تلد صورا جديدة من أرحام الصور …،
الله الله يا ريم الحرف ..
ضربة البداية في هذا الزخم التصويري تلك الغيمة التي تنهمر في دون منهج معين ولكنها تهطل في كل الأماكن لتروي خمائل ومراتع الحبيب وكأنها أنامل طفلة تعبث بأركان وجه والدها …،
فخلقت هذه الصورة مشاهد درامية متلاحقة وكأننا في معية مشاهد سينمائية متقطعة ومدموجه بسرعة نغيها ولكن نظراتنا المتلاحقة تلهث خلفها …،
فشعرت بالحركة تهرول بين السطور …،
هنا كان الحبيب جزءا من مشهد وجزءا من التأويل …،
النص بهذه الكيفية جعلني أشعر أني بين أجرام سماوية أحاول سبر ماهيتها وكلما قلبت فيها أجد نفسي في معية صور وكيانات تأخذني أكثر وأكثر لخوض غمار التأويل وهذا من روعة وقوة النص …،
دمت يا ريم الحرف بكل هذا الألق …
لا أجد ما يمكن أن يفيك حقك يا نبتة الرقراق ..،
مودتي وضوع من نسمات نيل دياري أيتها المبدعة ريانة التحليق نبيلة الوزاني ..
هشام صيام ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*