بورتريه عن الشاعرة المغربية نبيلة الوزاني بقلم الكاتب بولمدايس عبد المالك من الجزائر.

  1. بين صفاء الفكرة و نقاوتها و بهاء الكلمة و جرسها تنحت لوحاتها الجمالية ، مستخدمة مهاراتها الفنّية البلاغية و تنوّع ألوان ريشتها القزحية السّاحرة بتفنّن و احترافية و بتحريك لظلال رموزها المتدرّجة فتدفعنا دفعا للولوج إلى عوالهما الجميلة ، و السياحة في مجاني حروفها الباذخة الوارفة الحالمة ..تحدوها عاطفة جيّاشة كبركان أهوج دافق ، و حبّ متلاطم الموجات لا يهدأ له حال..و ما القصيدة في عالمها إلاّ مهربها الأخير و ملجأها الآمن حيث تنعكس في هيآت و شخوص معنوية و مادية مستلهمة من الطبيعة نفسها و هذا الوجود الحافل الذي يعجّ بالصوّر و الخيالات.. و كأنّي بها رئيسة جوق من الطراز العالمي بألحانها العذبة و إيقاعاتها الموسيقية الفاتنة …
    و تتقمّص القصيدة عندها أدوارا شتى فها هي هنا تأخذ صورة:
    ” شجرة مكسورة الرّيش
    بأصابع صيّاد
    يمتهن الطقطقة ..”
    لتعلن للوجود و البشرية رسالتها الإنسانية ..
  2. هي قارئة جيّدة للطبيعة ، منسجمة معها إلى حدّ التماهي و الاندماج و كثيرا ما تلتجأ إلى استنطاقها عبر حوارات ماتعة في شكل تساؤلات تقريرية ..فنراها تستنطق الضوء ..طفل النهار كما يحلو لها أن تناديه لتشكو عبر إشعاعاته غربة الانسان الغارق في ظلمات ليل جاثم على طريقة أمرئ القيس و ما النّهار منك بأمثل..
    “أفعلتها ثانية بدوني
    و سبقتني لمعانقة الشمس”
    تحاور الصباح و الحيرة تسدّ عليها أفاق الرؤية ، فإن كان نهار دنيا النّاس قد طلع فنهارها لم يشرق بعد و لا تزال تسفّ الظلمات سفّا ..و كثيرا ما هرعت إلى “النّسيان” كمنقذ بطولي لمعاناتها و تقرّحاتها لتستحيل مفرداته إلى ليل ممتد طويل فلا وجود لزخّات غيمات تغسل بها حروفها الملوّثة بظلم الانسان و يتسنى لها اختيار قدرها المحتوم ..
    ” بعدما قدّمت لك استقالتي
    حقنت زيفها في جسد الحكاية
    و اخترت الهروب إلى القصيدة “
  3. و للحبّ في عالمه شخوص و أشكال ..و ككلّ مرّة حين تضيق عليه الدنيا بما رحبت تتحصّن بدفاعات الطبيعة المنيعة تنتقي منها بعض الأنفاس أملا في مواصلة دربها المشحون و رحلتها الشّاقة ..
    “كم رسمت
    من عصافير صدري
    حسب زقزقة مزاجك
    و بلابل الحبّ في صوتي
    تبحث عن فسحة في قلبك “
    لتلعب كطفلة صغيرة بريئة مع الكلمات و الأشواق لعبة الغيّاب مدّا و جزرا ..
  4. هلاوس مشروعة هو عالمها الخاص المسجون في غيابات الثّلح ..
    ” للحلم قصّة و بداية
    أكتبها شما و قمرا
    … زيتونا …
    و نخلا يتهاطل “
    حلم تجتمع فيه الإنسانية جمعاء على صعيد واحد و على قلب رجل واحد ..فمثل هذه الهلوسة المجنونة تعدّها مشروعة أين تكتب حروفها بمداد أشّعة شمس ضاحكة و حبر أنوار قمر باسم ..و لغص الزيتون التي تحمله بين جوانحها حمائم السلام حكاية أخرى و لثمار نخيل أمتها الكبيرة تحنّ روحها الفياضة الحالمة الملوسة و تشتاق لزخات بلح وطنها الموؤود.. فالإنسانية قصتها الخالدة في البدء و في الختام .
  5. نبيلة الوزاني التحرر و الانعتاق تدرك بأنها الوجه الثاني للإنسانية و بأن رسالتها استمرار للإنسان نفسه موجهة حروفها بقوة و جلاء و تحدي..للتاريخ ..للرجل..للوجود ..للبشرية ..
    ” سجّل..
    لا تفتح لي نافذة
    هواؤها من بقايا زفيرك
    لا تختزلني اسما
    على مقاس بحتك “
    فقد رضعت منذ ولادتها من حليب أمها الحرية و التحرر و لا يزال طعم حليب أمها يسري في شريانها ليلعب أدوار البطولة التي خُلق من أجلها.
  6. القصيدة عندها إنّما هي قيتارة رهن الانتظار لكنها من نوع خاص و مميّز ..قصيدة تنتظر دورها البطولي بشغف و حبّ و شوق ..
    “أنا قيتارة ثقيلة الآه
    أحضن أناي..
    أسترق حلما..
    أخضر المزاج
    من ذاكرتي الهزيلة”
    قيتارة تبحث عن عازف أصيل لا دعيّ مخادع مرواغ..عازف يتفنّن في تحريك أوتار الإنسانية ..يحسن استمالة الأنغام ..يغنّي للحب و للجمال و للإنسانية و للمثل الفاضلة.. ترانيمه العذبة تملأ فراغها الضارب في أعماق ذاتيتها.. لتشرق في سماواته شمس تعرب عمّا يختلجها بفم و لسان و شفتين بقصيدة عصماء..فتتوافق الأنغام المعزوفة مع حروف روحها المنضوجة ليشرق ليل البشرية و يعمّ السلام و الوئام ..
  7. و في ثنايا حروفها تتراءى جروحا نازفة و تشوهات متقرّحة جرّاء سيول الدم الجارفة من أجزاء متعددة لأمتها الموعودة و قد أصاب عقلا ها الذهول و قلبها الآلام ..
    ” يحدث أنّ الوجع
    يشتكي من ثقله”
    فتهرع “نبيلة الوجع” إلى محراب صلاتها تختصر مسافات الحب و تقرّب الأبعاد ..
    ” على محراب الأمل
    لله تصلّي..تبتهل أمانا
    تتضرّع انعتاقا من شفاه الغدر
    يا الله ..
    افتح ينابيع السّماء..”
    “نبيلة الإنسانة المعذّبة ” و أمام شدّة ضربات الليل الجاثم و ظلم الانسان لأخيه الانسان و استباحة روحه فتلقي بأحرفها مغتسلة بغيوث غيماتها الحبلى لتلتجأ بعدها إلى ربّها تسأله الأمن و السّلام من عتوّ الانسان ..تصلّي..تدعو ..تتضرّع ..رجو من بيده الفتح أن يفتح ينابيع الرحمة و الأمان على هذه البشرية لينعم بالبرد و السلام ..
    بولمدايس عبد المالك
    الجزائر في 11.01.2021

One Reply to “بورتريه عن الشاعرة المغربية نبيلة الوزاني بقلم الكاتب بولمدايس عبد المالك من الجزائر.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*