ذكرى ساعة رحيل… بقلم الكاتب الناصر السعيدي من تونس .

لن تُمْحى صورتك من خاطري يا أمّي و من خيالي و أنت تضمّينني إلى صدرك المرتعش وقد اغرورقتْ عيناك بالدموع فداعبتْ أنفاسك اللافحة وجهي تصدّني عن الرحيل. نعم… أذكر أنكِ قد تسمّرتِ في مكانك لم تبرحيه تلوّحين لي بيدك بينما تمادتْ حافلة السفر صوب الأفق البعيد وقد اقتلعت من أحضانك وحيدك لترميه في المجهول. لطالما ناديتني : ” لا ترحل يا ولدي… لا ترحل يا كبدي”…و لطالما قلتُ لك أن لا مفرّ من يوم تُزال فيه البذرة من التراب لترى النور و يغادر الصغير حضن أمّه الدافىء ليخطو أولى خطواته في هذا العالم الرحب المتموّج كزبد البحر. و رحلتُ يا أمي … و يمرّ الزمان و تمر الأعوام  تشتهي أن تحرق الأمل الأخضر فيّ… و يهزني الحنين إليك… إلى قبرك…إلى قبر أبي… إلى إخوتي…إلى بلدتي … و لا تدق أجراس العودة . و تعلّمني الحياة أن الأيام حرقة و غربة و لوعة…و أنا ألتحف بصخب العاصمة أعي جيدا أن مغازات الشارع الكبير و مقاهي نهج شارل ديغول و حانات شارع باريس و مكتبة الكوليزي  و تمثال ابن خلدون المنتصب في شموخ يخاطب في صمت الكنيسة وهي تحاكي ومضة من تاريخ غابر و أبواب المدينة العتيقة وهي تتعطر برائحة البخور و صدى آذان الصوامع المنتشرة في أرباضها لا تضاهي أبدا دكاكين و أكشاك و بيوت الطّوب في بلدتي الصغيرة وقد انتصبت أهراما بين الأجداد و الآباء و الأبناء و الأحفاد لم تنحن لسوط المحن و الأتراح و العواصف الهوجاء وقد بنتْها و رفعت قواعدها السواعد المفتولة. أمّي … إنّ أملي في العودة أكبر من الأرض التي تفصلني عنك و عن قريتي…حتما سأعود يا أمي لأدفن رأسي في حضنك فأنتشي بعطرك الشذيّ و أقرأ سورة الفاتحة على قبرك أين تنام روحك الطاهرة… الآن فقط أشعر وكأنّ قطار الزمن توقف عن المسير ، وكأنّ الكلاب و الذئاب و السباع هجرتْ العالم فأضحى نقيّا صافيا لم تدنّسه الآثام والأدران ودماء الجرائم . من أجل هذا سأعود ، و من أجلك ستدقّ قريبا أجراس العودة تحاكي أجراس الكنائس البعيدة تردد مع العنادل أناشيد الغروب … نعم…صدقيني هذه المرة…لن أكذب عليك مثلما تعودتُ و أنا صبيٌّ … سأعودُ حتما سأعودُ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*