تحدّثني أميّ طويلا عن الله..! بقلم الشاعرة نسرين المسعودي من تونس.

تحدّثني أميّ طويلا عن الله
فتترقرق عينيّ كنجمتين
تنفلت منها شهب
تشعّ في هبوط منزلق فوق خديّ.
تحدّثني عن وجهه و عن صوته،
عن فنونه و أسراره و بين ذراعيها تسافر بي،
الى المروج اليانعة تأخذني
ومع الأيائل، في البراري،
تعلمّني الركض و الفوز
فوق سحابة بيضاء، حبلى بالضوء،
تسرّح لي أميّ شعري ،بمشط من ياقوت أحمر
و تهمس لي في أذني:
عرس الماء، اليوم
فلنمطر بنيّتي
فوق البحار المالحة و المسطحات المائية العذبة؛
نذرف الدموع الحارقة
و نولد من جديد نورسين
يحمل كلّ منا، في جوفه،
مشكاة مضيئة…
تحدثني أميّ طويلا عن الله
فتتدفق من ساماتي الينابيع
حارقة كعين حمئة سوداء
فتتبخر من صدري الأسماء الموجعة
و تحترق في داخلي الوجوه الذابلة
تتعرق من قدميّ المتعبة الدروب الطويلة المائلة
و تتقصّف أظافري من الرطوبة
فتنفث سجائري أغبرة المسارات العصيبة الحالكة.
تحدثني أمي عن الله محدقة في وجهي
كأنها تسحب أنفاس السماء من تجاعيدي
كأنها تمدّ يديها للجياع و الثكالى
لتخرجهم عراة من هالاتي.
تحدثني بسلاسة و طلاقة
وكأنها تقرأ أسطرا منحوتة فوق جبيني
فترتجف عروقي هلعا
و تهتزّ أطرافي كالاوتار النديةّ
و تتموج من تحت جلدي التباريح و التناهيد.
من ثغر أميّ يخرج اسم الله مشعا مبتهجا كقوس قزح
فأستنشق ألوانه كالعطر القديم فيّ
و أملأ ألحانه من شفتيها
أرصّفها في جيوبي و كفوفي
كنايات و كمنجات.
من ثغر أمي تخرج أجمل الترانيم،
و تلوّح لي السهول و الجبال
من ثغر أمي تفوح نسائم القرى
و حقول الخزامى…
يرنّ في عناقنا خلخال جدتي
و يبرق من قرطها الحنين الدفين
فنتوهج كالقناديل في ليلة عشق مقدّسة.
أضع رأسي الثقيل فوق حجرها
كحفنة من الرمال؛
ألهث كصحراء عطشى،
أقرأ لها قصيدا لافحا كالغروب
تصمت أميّ طويلا
تعتدل في جلستها
و تقبض بيديها على قلبي
تقول بصوت كأنه من جوف الكهوف:
اللهم اشف صغيرتي من البكاء
و من الحبر و السهر
و ارقها من أوجاع المفاصل
و من مخاض الأشعار
و مسافات المجاز
و اصفح عن شقاوتها و روعاتها
و عافها من ادمان احتساء الكلمات.
فأضحك و تضحك أميّ
و أسمع الله يضحك معنا
بصوت عال….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*