قراءة نقدية لقصة “العنيكب سحتوت” للكاتب أحمد اسماعيل من سوريا، بقلم الكاتبة حنان بدران من فلسطين.

نصّ القصّة: لأحمد اسماعيل:

العنيكب سحتوت

دَخَل الْغَابَة و الْخَوْف يُلاحِقُه ، مَرَّة يُرْعِبُه عُوَاء الذِّئَاب الَّتِي تَجْعَلُه يتعرق دُونَ تَوَقُّفٍ، الركضُ عَلَى القَدَمَين خير وسيلة تخطر على باله ، لكن وقوعه أرضا…… جعل عقله في سجن مظلم، و على الفور استلم قلبه المبادرة و دونما وعي… ركض عَلَى أربعته ، وَبين هذا و ذاك شَاهَد الْعَصَافِير تَفِرُّ هَارِبَة فَجْأَة…… أصبِح قَلْبِه الْمُرْتَعِش يرقص فوق كفيه و گأن تِلْك الْعَصَافِير تُخْبِرُه باقتراب الدَّبّ الضَّخْم ، و لمجرد سماعه حفيف الأشجار القريبة بَلَل بنطاله لم يكن لديه قوة ليضبط أبسط شيء يظهر ضعفه ، كَان الدُّبُّ الْأَسْوَد ذُو الْأَنْيَابِ الْقَاطِعَة ، يَجْعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ صَدَى مُخيفاً مَنْ وَقعَ أقْدَامه عَلَى الْأَرْضِ ، واحتكاك جَسَدِه بِالْأَغْصَان ، و الْغَضَبُ الذي يُحِيط بملامحه المتغطرسة يوجهه نحو نَظَرِات سحتوت ، تَأَمَّل قزامته و الذُّبَاب الَّذِي يُحَلِّقُ فَوْقِه بِكُلِّ وَدَاعَة ، اِسْتَغْرَب…….. لِأَنَّ النَّحْل حِين تَطِير فَوْقَه لاتنفك عَن إغاظته و لِأَنَّه عَصَبِيٌّ الْمِزَاج يضربهن و يمعسهن حَتَّى لَا تُعِيدَ الكَرَّةَ ، أَحَسَّ الدُّبُّ أَنَّ هَذَا الْبَشَرِيّ مِنْ أَصْحَابِ الْكَرَامَات رغم أَنَّ أَسْنَانَهُ لَا تَتَوَقَّفُ عَنْ إيقَاعِ الِاصطِكَاك ، أَرَادَ أَنْ يُزِيلَ خَوْفُه بقهقة سَمِعَهَا كُلٍّ مِنْ فِي الغَابَةِ ، تَغَيَّرَت أَسَارِير وَجْه سحتُوت ، وَاعتَدَل فِي وُقُوفِهِ ، رَفَع قبعته بَعْدَ أَنْ طَلَبَ شَعْرُه مِنْهُ بَعْضُ النكش،فهو مندهش أيضا من أنه يفهم لغة الدب ، اِبْتَسَم للدُّبِّ ، كجواب عَلَى قَهْقَهَتِه ، حَرَّكَت الابْتِسَامَة مَشَاعِر الطُّمَأْنِينَةِ فِي قَلْبِ الدُّبِّ و مَدَّ يَدَهُ ليصافح سَحتُوت ، اِنْتَهَز سَحتُوتٌ الْفُرصَة و مَدَّ يَدَهُ للدُّبِّ ، تَسَرَّب دِفْءٌ شَدِيدٍ مِنْ سحتُوت إلَى قَلْبِ الدَّبّ ، وكأنه يعرفه منذ زمن بعيد، لم يكذب ظنه وَطَلَبَ مِنْهُ أَنَّ يَقُومَ مَعَهُ بِجَوْلَةٍ فِي الغَابَةِ ، يَعرِّفُهُ بِهَا عَلَى جَمَالِهَا و مَا تَحتَويه مِنْ حَيَوَانَاتٍ كَثِيرَةٍ و كَيْف أَنَّهَا تطمع فِي سِيادَتَها ، و أَشَار فِيمَا قَالَ إلَى الْقِتَالِ الْمُسْتَمِرّ بَيْنَهَا و عَدَم اسْتِقْرَارَهَا عَلَى رَأْيِ ، هُنَا تَوَقَّفَ سَحتُوتُ وَطَلَبَ مِنْ الدُّبِّ أَنْ يَجْمَعَهُ مَع زُعَمَاء الْحَيَوَانَات ، كَان الْهُدْهُد بِالْجِوَار ، أَشَارَ إلَيْهِ الدَّبّ بِأَنْ يَجْمَعَهُمْ ، انْطَلَق بِسُرْعَة وَخِلَال أَقل مِنْ سَاعَةٍ اجتَمَعَ بِهِمْ ، و عَرَّفَهُم بِنَفْسِه و أَخْبَرَهُم بِأَنَّهُ وُجِدَ الْحَلُّ الَّذِي سيعم فِيهِ السَّلَامُ فِي الغَابَةِ ، لَكِنْ بَعْدَ تَنَاوُلِهِم الطَّعَامِ فَوْقَ شاحنته الضَّخْمَة……. ترجم الدب ماقاله سحتوت فتعالت الصيحات و فَرِح الْجَمِيع دُون أَي تَفْكير ، و صَبُّوا كُلّ جَهْدِهِم فِي الطَّعَامِ ، كَان شَهِيِّاً لِدَرَجَة أَنَّهُمْ لَمْ يحسوا بالمنوم الَّذِي كَانَ قَدْ وَضَعَه سَحتُوت ، و الَّذِي كَانَ يَسْتَخْدِمَه كُلَّ لَيْلَةٍ قَبْلَ النَّوْمِ لإزاحة الأرق الَّذِي كَانَ يداهمه مِنْ أَصْوَاتٍ الْحَيَوَانَاتِ المرعبة و كوابيسها التي تتفن في حالة القتل التي ينتهي بها، رأسه بين أنياب الضباع و أطرافه وجبة دسمة لقطيع الذئاب، و قلبه منزوع من جسده عاليا بيد الدب و هي تسيل من الدماء وووووو……. قَيَّد الْحَيَوَانَات بَعْدَ تَأَكُّدِهِ مِن اسْتِغْرَاقِهَا فِي النَّوْمِ و هو يقبل كل واحدة من رأسها ، لم يحط أحد فرحته و هو يبيعهم لمالك حَدِيقَةِ الحَيَواناتِ، حيث الأقفاص التي تبعدهم عن الخلافات، و الزوار الذين يستمتعون بصمتهم، كانت الراحة لا تفارق قلبه و هو يفي بوعوده للحيوانات. و بعد ان حل مشاكلهم، عَادَ سحتوت للغابة مغنيا ( خبطة قدمكم ع الأرض هدارة…..) و هو بصحبة منشاره الآلِيّ ليحتطب الْغَابَة عَلَى أَقَلِّ مِنْ مَهْلِه .

القراءة النقدية للكاتبة حنان بدران:

من العنوان نبدأ العنيكب وهي عائدة لمعنى عنكبوت والعنكبوت لغويا ” عنكبوت : حشرة تنسج من لعابها خيوطا تتخذها بيتا لنفسها أو مصائد تصيد بها بعض الحشرات، جمع : عناكب وعنكبوتات.” وواضح من التعريف الخطة الذكية التي اعتمدها الكاتب لرسم الصورة المدهشة لشخصية بطل القصة من أنها حشرة صغيرة الا أنها لها عسلا ينسج خيوط الترصد لتصنع شبكة صيد متينة . برغم مظهرها البسيط والضئيل إلا أن خبثها الماكر عظيم . قراءة بعمق النص =========== بلغة رمزية بحته اخذنا الكاتب برحلة من داخل الغابة وانطق الطير والحيوانات لنا كما في القصص الخيالية كانها قصة من كتاب كليلة ودمنة وللوهلة الأولى تظنها من أدب الأطفال مع ولكن كلما تصاعد النسج الدرامي تصل بك إلى انزياحات وتلميحات هي أكبر من أن تكون لأدب الأطفال حتى وإن كانت بفئة عمرية معينة . سرد جذاب ورائع وطناسات وانزياحات بالجملة من هنا كان الكاتب ا.احمد إسماعيل يخاتل القارئ في لعبة للأوطان التي باتت غابة مرعبة وتحتاج إلى براعة شديدة بالتعامل مع واقعها المنهار والمزري والذي يعتمد على القوي يأكل الضعيف فيها .. فما كان من سحتوت الا أن يروض الدب الضخم ويأخذه بالحيلة حتى يضعه بالأسر . وهذا ما ذكرت سابقا انزياح لواقع مأساتنا العربية في أوطاننا العربية . من هنا تبدأ الحكاية التي نسجها لنا الكاتب فالحيلة الخبيثة في القصة ليجعل الدب يستسلم لطلباته بعد زرع الطمأنينة بقلب الدب الضخم ليأخذه بعدها على حين غرة. بعد أن افرغ الغابة من الحيوانات التي باعها للتاجر ونجا من أحلامه وكوابيس روحه التي كان يهذي بها وضمن صمتهم للإبد بعد أن كانوا ملوكا باتوا بلا صوت أو قيمة سوى أنهم للأستعراض فقط . وبعد أن قيدهم ووضعهم في سجون انفرادية وجعل كل واحد لا يختلط بالآخر من باب فرق تسد … وكان يتغنى بمجدهم التليد والقديم حيث كانت خبطت اقدامهم على الأرض هدارة عندما كانوا اصحاب قرار .. وهكذا كان الجزء الأول من المؤامرة التي لم يكتفي فيها بأن باع الحيوانات بل ورحل ليعيث في الغابة بعد أن افرغها من ساكنيها فسادا وليستغل كل ما بقي فيها بعد فرغت الدار وأصبحت نظيفة تماما من الذين ممكن ان يكونوا حراس أشداء على أرض الواقع ولكن حتما عاد ليقطع شجرها ويبعيه بثمن بخس ليزداد تضخما . ومن هذه النقطة اخذ المنشار الآلي ليكون المستفيد الأول والأخير في القصة ولا عجب أن يعمل بكل هدوء بعدها . من هنا علي أن الكاتب غمز ولمز باشارات وانزياحات جميلة جدا وكأنها سككاين تتكلم عن واقعنا العربي المنهار. ومن الالتقاطات التي ممكن أن تخرج منها هنا ✓✓كما يقول المثل الحيلة تغلب الشجاعة .؟ ✓✓طناس الهدهد الرسول الأمين في الغابة كما كان في ملك سليمان . ✓✓ وهناك مثلا آخر في الحيلة تغلب القوة وهو يقنعهم بالغداء على ظهر الشاحنة ويكون ارتاح من عناء نقلهم . ✓✓الاشارة الذكية التي اعتمدها الكاتب في “دس السم بالعسل” كما يقولون بالامثال بأن وضع المنوم لهم في الطعام .. هنا إشارة لتلاعب القوى المسيطرة على المشهد القاتم فينا أن الاقوى هو المتحكم بقوت الشعوب المخدرة. ✓✓ الأشارة الأخيرة وهي أن القوى المسيطرة حين تتحكم منك تسلبك ارادتك وقوتك وتنزع عنك قرارك وتجعلك سجين الصمت وحدك . كما أنها ترحل لتقتات وتحتطب على كل ما بقي منك وفيك . رؤيتي من زاوية حادة ============== لو سألتوني كناقدة بعيدا عن كوني كاتبة ما هو موقع القصة في فعل تغير العالم من حولك ؟ لقلت لكم أن تغيير العالم ليس سهلا ولن أكون طموحة بحلم ارعن أو مستحيل لان التغيير طموح الانبياء والفلاسفة والمفكرين والشعراء ..والمجانين ..!! ولا أنكر أن كل كتابة مبدعة قصة قصيرة او رواية أم قصيدة هي بنظري.. نسيج من خلايا حية تحمل في رحمها ديناميت الثورة ورؤية خاصة لعالم أفضل . ومن هنا قد يكون هدف الكاتب ابسط من هذا ولكن عمق الكتابة تأخذك لبعد آخر ومن هنا تأتي أهمية القصة القصيرة كأداة تحريضية ضد القمع ، وضد الاستلاب السياسي والاجتماعي والروحي والجنسي أن حق التعبير أي ضد كل ما يشوه تكامل انسانية الفرد والعيش في مناخ من العدالة الواعية المسؤولة. تحياتي لك ا.احمد اسماعيل ودام نبض القلم العميق والحكيم والملتزم بقضايا الأمة وهمومها . بقلم حنان بدران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*