المجنون… بقلم الكاتب على السيد محمد حزين من مصر.

كنبت شيطاني رأيته , ظهر فجأة في المكان  متكوراً تحت الكبرى الجديد,  لجواره كومة مغطاة بجوال قديم متسخ بالي .. يعلو شعر رأسه التراب الملبد بالعرق والغبار, وحومة من الذباب تحيط به.. ثيابه متسخة مهلهلة, أشعث أغبر رث الثياب والهيأة .. يبدو في العقد الخامس من عمره , غائر العينين, نحيل العود , اسمر .. تزين وجهه ابتسامة بلهاء, يوزعها على المارة .. وهو يشيح بيده ويطوحها في الهواء وكأنه يدفع عن نفسه شيء ما, يجرى خلف العربات .. التي تلتهم الشارع بأزيزها وضجيجها الذي لا يتوقف , ولا ينقطع .. يخاطب أُناس غير موجودين .. ولا يكف عن الابتسامات , والضحكات البلهاء التي يوزعها على المارة هنا وهناك ثم وفجأة , يدخل في  كريزه من الضحك الحاد, ارقبه من بعيد يكور قبضته يضرب بها طواحين  الهواء بعنف .. ثم يدخل في نوبة ضحك هستيرية مرة أخري .. وفي يحدق في إلا شيء .يرفع رأسه للسماء , يهزها هزات متتالية, برهة من الزمن, يصدر فيها اصواتاً غير مفهومه .. وهو يجهش بالبكاء .. ولا يجرأ أحد على إسكاته, ويداه لا تكفان عن الحركة , ثم يهدأ ….   

يقف , ينتفض , يقفز كالسنجاب المذعور,  يصرخ, يجرى من غير هدى , في كل اتجاه هنا وهناك كالرمح الطائش .. يستغيث بالمارة لما يرى بعض الصبية قادمون تجاهه وهم يتصايحون عليه ويرمونه بالحجارة .. يدور حول نفسه عدة مرات وهو يرتعد .. ثم يعود إلي مكانه , يقفز, يجلس, يصيح في ذعر شديد كانسان بدائي .. يجلس القرفصاء يتداخل في نفسه يضع رأسه بين قدميه بعدما يكون قد شبك يده علي رأسه , يبكي, يصرخ , يستنجد بالمارة , وما أن يشتد عليه الضرب والصياح , يقفز كالشمبانزي, والناس تمر في صمت .. مكتفية بإلقاء النظرات الغير عابئة أو مكترثة بما يحدث.. يقترب رجل وقور, فوق جبهته زبيبة صلاة كبيرة , يدفع عنه الصبية , يهوشهم بعصاه, يعنفهم , يكل لهم السباب , وأنا معه أعضض من آزره, فيتفرق الصبية عنه , أعود اليه , أربت علي كتفه بلطف , أطبطب عليه بعطف يحملق في وجهي وهو مذعورا,  يشهق في وجهي .. يهرول علي غير هدى, وهو يقفز, وهو يبكي .. ويضحك في نفس الوقت, يدور حول نفسه , والصبية قد تجمعوا خلفه من جديد , يهتفون عليه

 ـــ  المجنون  اهه ….. المجنون اهه …. الـ ………”

 ألمحه يجرى أمامهم بثيابه الممزقة المتسخة التي تكشف أجزاءً من جسده الأسمر النحيل .. يتجه إلي احدي الخربات , تلك المباني المهجورة منذ الحرب والتي أصبحت مرمى زباله .. يختبأ بداخلها, يجلس وهو خائفا .. وهو يرتعش .. ودموعه تتساقط بغزارة على وجنتيه الناتئة فاغر فاه في صمت, وهو يلتقط أنفاسه المتلاحقة, فيبدو فمه فارغاً , إلا من بعض الأسنان المتآكلة وجرح صغير غائر ينزف بجبهته, ولحيته الكثة اختلط فيها العرق بالتراب مع الدموع انتظرته ريثما يهدأ وتعود له نفسه, ويتأكد أن الصبية قد انصرفوا بعيداً عنه, فيعود إلي الابتسامة البلهاء, والضحك , أدنو منه يصافحني , يعانقني, يقبلني, ويجري من جديد, وأنا أجري خلفه, أحاكيه, اتبعه, ارقيه, أتأمله, وأنا لا ادري لماذا..؟.. ولا لما كل هذا الاهتمام المتزايد به ..؟!.. فذاك رجل غريب لا أعرفه..!.. ولا أعرف حتى  قصته..؟.. كما انه لا يعرفني أصلاً ..؟!.. بيد أن هناك شيء ما لا ادري ما هو  يشدني نحوه , ويجعلني اتبعه كظله آنّ ذهب وأهتم بأمره كثيراً.. وفي أحيين كثيرة أحضر له الطعام , وربما بعض الثياب القديمة التي لم تستخدم كثيراً, وأنا لا ادري لماذا كل هذا الاهتمام, والتفكير في حالته..؟!..والبحث في كتب علم النفس, والنّت عن هذا الأمر.. ربما يكون شعور بالشفقة ربما ..؟!.. أو ربما يكون البحث عن فلسفة العقل والجنون.!!. والعلاقة بين الجنون والإبداع .. أو ربما شيء أخر ..؟!

كثيراً ما قرأت مقالات من هذا النوع لكتاب عظام يشار لهم بالبنان عن الجنون والإبداع …

وعن جنون الإبداع … وإبداع الجنون … والفنون جنون … وهل هناك صلة ما بين الإبداعوالجنون …؟… أو ربما يكون هناك شيء من نوع ما يربطني به…؟… وربما سبب أخر خفي لا اعرفه,!!. وأريد إن أتعرف عليه..؟.. ما هو لا ادري ..؟!.. كل الذي أدريه أني مُولع بالتفكير في هذا الأمر ” الجنون ” ..

 وكنت اقتراب من هذا الرجل بحزر, وكل من يعرفني ينصحني ويحذروني من الاقتراب منه .. حتى لا يؤذيني, أو يبهت عليّ كما يحلو لبعضهم أن يقول لي ذلك, ارقبه وهو َيقُمْ الأرض في حيوية ونشاط , ثم يعبأ بها جيوبه تارةً .. وتارة أخري في حجره  المتهرئ , وهو يرفع عقيرة صوته بكلمات غير مفهومة وكأنه يغني , أسمع الناس يتكلمون عنه من حين لأخر .. 

بعضهم يقول:

” بأنه كان دكتور كبير وله صيته وكانت له شنه ورنة, وكشفة بالشيء الفلاني ومن أسرة مرموقة محترمة ومتدينة وغنية وفي أحد الأيام وعلي حين غفلة قام بعقله ــ ربنا يحفظنا ــ وجاء له اللطف “…  فيصحح البعض الأخر ويقولوا… “لا , لا.. بل من كثرة العلم مُخه أتلحس فيعترض البعض الآخر , وهو يكمل الحكاية .. ويقول : ” بل لوحده كده نام في الليل فأصبح لقي نفسه يا لطيف اللطف يا رب, وأهله ما سكتوش عليه صرفوا عليه دم قلبهم, فلوس كتير بالكوم, وفي النهاية مثل ما أنت شايف كده سابهم وهرب, وجاء علي هنا …”… وأخر يقول : وهو يشحط نفساً عميقاً من سيجارته كليوباترا ” ولكنهم يأتون إليه من حين لأخر, يأخذوه إلي البيت, يسبحوه, ويلبسوه, ويوكلوه الحلو كله, ويمكن يحبسوه, وبرضك يغافلهم ويهرب من تاني .. وكل مره في بلد شكل  ” …..

لكن هناك من يسمعك … رواية أخري عنه تختلف تماماً … 

” مرشد زرعته الحكومة لجمع تحريات عن تلك الجريمة البشعة التي وقعت منذ فترة من اجل كشف غموض الحادث الذي راح ضحيته أسرة بأكملها, أسرة طيبة مسالمة وليس لها عداوات مع احد .. ولا أحد يعرف من الجاني , مما جعل وكيل النيابة يتعاطف معهم ويزرع هذا الرجل .. ليتسقط الأخبار … حتى  يكشف سر الجريمة … “

هكذا سمعتها تلك الرواية في المقهى المجاور لمحطة القطارات أول البلد في ذات قيلولة ..

لكن الرواية الأشهر في القرية .. والتي يكاد يجمع عليها الجميع .. هي  قولهم بأنه  

” رجل ممسوس ومعاشر تحت الأرض جنية جميلة, لا تظهر إلا له وحده, تزوجها وله منها أولاد يعيشون هناك تحت الأرض .. لذالك هو يكلمهم بكلام لا يسمعه ولا يفهمه غيره “…

ويقسم أحدهم أنه رآه بأم عينه التي سيأكلها الدود ــ علي حد قوله ــ وهو عائد من احدي سهراته الليلية في الجنينة المهجورة التي في أخر البلد مع زوجته وأولاده, وكانت ليلة شتوية والقمر فيها محاق , وبأنه لم يري جمالاً اقوي ولا أشدّ  من جمال زوجته وأولاده, وكاد أن يقترب منهم ويكلمه لولا أنها اختفت مع أولادها تحت الأرض, فخشي علي نفسه, وفر هارباً  ولم يعقب ..” … ومنهم من قال وهو يهمس في أذني ….

” زوجته هي السبب, جعلت برج من عقله طار فأصبح يا حوا الله بيكلم نفسه يا ولداه … تزوجها منذ سنوات عدة, فطلعت عين أبوه, وطيرة برج من نفخوه , فتلطش في مخه … إنسانه ــ أعوذ بالله ــ نكد .. وعينها طالة .. مش عايشه عيشة أهلها, وناسها طيبين , وفقراء علي الله .. وهي عامله بينت باشا  وبيه.. تطلب منه حاجات  فوق طاقته .. وبرغم ضيق ذات اليد, كان يحاول أن يلبي لها كل ما تريد, حتى دفعته لمد الأيدي للي يسوي واللي ما يسوا ش .. ولما كان يقول لها ” إني العين بصيرة واليد قصيرة “.. كانت تنكد عليه عيشته , فطلقها ليستريح من وش الدماغ , ونكدها, وقرفها.. فاشتكته في المراكز والمحاكم, ورفعت عليه قضايا متلتله , أيشي نفقه , واشي قائمه , واشي ماخر صداق , واشي حضانة , واشي سكن عشان الحضانة , واشي نفقة .. واشي … واشي … حتى صار يكلم نفسه وهو ماشي ,  والناس ليس لديهم سيرة إلا هو وزوجته .. وكلما مر بهم يتغامزون , ويتلمذون , ويتضاحكون, وبخبث يسألونه .. : ” عملت إيه معك الولية امرأتك , أم العيال … ما هو لو أنت كنت بسطها .. ومديها وجبها وحقها مضبوط ما كانتـ ش عملت معك اللي عملته ده , أنت ما بدلعها ش كتير ولا ايه ههههههه ..”.. مما جعله يتوارى من الناس, ويختفي عن العيون حتى لا تراه , فينهشونه بألسنةٍ حداد, واختفي فجأة فترة من الزمن , لا يعرف أحداً أين ذهب .. منهم من قال هرب من الأحكام الصادرة عليه … ومنهم من قال هو في السجن .. وتنسي الناس أمره حتى ظهر فجأة في المكان بعد عشرون عام أو يزيد ..” ….

أرقبهُ وقد أعتلي محطة القطار … يقف علي الرصيف… يسلم علي الناس والابتسامة العبيطة , لا تفارق تجاعيد وجهه , الذي بدت عليها بصمات الزمن واضحة .. وزحف الشيب على رأسه والشيخوخة علي منحنيات وجهه المستطيل, يقف يُحييِ الناس بيده ويسلم عليهم, وتارة أخري يلقي بنفسه في جوف العربات .. ثم يقفز من باب العربة الواقفة أمامه.. ويجري وهو يقفز ويضحك, فيضحك بعض الركاب, والبعض الأخر تظهر في عينيهم نظرات الشفقة,وموظفي السكة الحديد يطلبون منه الابتعاد عن القطار حتى لا تنزلق قدمه تحت القطار , فيضحك لهم ويجري, ولما يصفر القطار, يمسك به عم” صابر “عامل النظافة بالمحطة حتى لا يجري خلف القطار كعادته , وربما أعطاه كيس به بقية طعام احد المسافرين الذي تركه بجواره وصعد القطار لتوه, يطبطب عليه بعدما يأخذه بيده, وينزله تحت المحطة ليتجول في موقف العربات .. والباعة الجائلين الذين يقفون تحت سلم المحطة .. المح بائع العصير .. وهو يدفعه بعيدا عنه .. حتى لا يراه احد الزبائن فيتقزز منه , ويقرف من منظرة , ولا يشرب من عنده بعد ذلك …    أما  بائع الحلوى يعطيه قطعة من البسبوسة وهو يضحك في وجهه .. ينصرف يقترب من عربة الترمس , تحت الشجرة بجوار المبرد , يمد يده يكبش ملأ يده, وهو يضحك لصاحب العربة .. يصن صنت خفيفة .. وكأنه يفكر في أمر ما عنا له .. يرمي بالترمس  في المتنزه الخلفي .. يمد يده مرة أخري .. ليقبض علي الترمس بيده .. فيصيح في وجهه الرجل .. فيبكي وينصرف وهو يجري .. ثم يخالفه ويعود مرة ثانية للمبرد .. يعبث بالماء المتسرب من الحنفيات .. يمسح فمها بجلبابه المتسخ فيبتل يضع فمه في الماء .. يغسل طرف جلبابه .. يأخذ من الماء بيده ويرش علي العربات الواقفة .. فيصرخ فيه السائقين .. فيجري أمامهم وهو يقفز ويصرخ , فيتضاحكون عليه, وهم يتظاهرون أنهم يجرون خلفه ….

وفي الليل يأوي إلي كومته .. يعمد إلي ثوبِ بالي .. يكنس به الأرض .. يفرشه ويطويه أكثر من مرة .. يستجدي أحد المارة سيجارة .. فيشيح في وجهه ولا يعطيه .. أنتهز الفرصة أقترب منه أعطيه أنا سيجارة مشتعلة .. أجلس لجواره بحذر ,  أحاول أن أتكلم معه : ” أنت اسمك إيه .. ؟  “.. يضحك .. فأغير السؤال ..: ” طاب أنت من أين ..؟ “.. يحملق فيّ ويعاود الضحك وأنا أعاود سؤاله من جديد ..: ” طاب حكايتك إيه .. ؟ “.. يشحط نفساً عميقاً من السيجارة ..  وينفخ في وجهي الدخان .. يمد يده إلي دوائر الدخان في محاوله للإمساك بها وهو يضحك .. فأبتسم في وجهه.. أسأله مرة أخري ..” طاب كلمني رد علي ..؟ “.. يضع رأسه بين رجليه .. ويدخل في نوبة من البكاء الحاد, أسمع بعض المارة وهو يقول لي ..” ما لك بيه يا أستاذ..؟ .. عايز منه إيه …؟! .. دع الملك للمالك ..!!.. وتسيبه في حاله حرام عليك …؟ “.. أبتسم للرجل الذي نصحني , ولا انبت ببنت شفه بعدها, انسحب في هدوء .. فيشعر بي .. يرفع رأسه يطلب مني سيجارة أخري فأعطيه , يضع يده في جيبه, يخرج كيساً من الطعام المتداخل , المتشابك يدس قليلاُ منه في فمه يمضغه , ويلوكه .. وأنا واقف علي رأسه أتأمله , وأفكر .. يمد لي يده بكيس الطعام .. فأهز رأسي شاكراً .. وأنا ابتسم في وجهه .. ثم أنصرف ببطء .. والأفكار تعصف برأسي, تسحبني قدامي المتثاقلة , إلي البيت دون أن أدري.. من قابلت في طريقي ..؟.. أو من أي طريق عدت..؟.. أو ماذا أكلت اليوم ..؟.. أو ماذا شربت …؟…

 صعدت إلي غرفتي .. وليس في رأسي شيء سوء هذا الرجل الغريب , الذي لا اعرفه .. وطابور من الأسئلة في رأسي يدور “ما الذي جعلني اهتم به هكذا..؟!..وما الذي جعله هكذا..؟!  وهل هو بالفعل كم يقولون عنه انه مجنون..؟.. وما الجنون..؟.. وكيف يكون..؟.. وما أسبابه.؟ وما الحد الفاصل بين العقل والجنون ..؟.. ولماذا يرفض المجتمع المجانين..؟.. ومن هو المجنون ..؟.. أو ليس من الممكن أن يكون هذا المجنون أعقل من الناس جميعا …؟!!..      وما مقياس الجنون …؟.. أمن أجل بعض التصرفات الشاذة والغريبة … والغير مألوفة يصير مجنون .. ؟!.. ويحكم عليه الناس بالجنون …؟.. ومن من الناس ليس له تصرفات غير عاقلة, أو مسئولة ..؟!..  ومن منّا ليس لديه مسحة من الجنون … ؟ وأسئلة أخري كثيرة محيرة .. تقتحم رأسي .. وتلح عليّ عقلي لتعصف به, ولا أجد لها إجابة مقنعة ..؟!..  صنعت كوباً من الكر كتيه ..  أخرجت بعض من الكتب المتعلقة بالجنون .. قلبت في بعض الصفحات ..  ثم طوحت به بعيدا عني .. تملكني القلق , والأرق … أطفئت  المصابيح .. استرخيت على فراشي في محاولة أخيرة في استجداء النوم .. ولكن هيهات , هيهات .. ففكرة الجنون المسيطرة علي رأسي .. والحد الفاصل بين الجنون والعقل جعلني لا أنام …..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*