فوضى مرتبة..! بقلم الكاتبة نادين بن عامر من تونس.

طالما كانت امي تتذمر من الفوضى التي أحدثها في غرفتي و تصفني بالفوضوية و المستهترة و كانت دائما ما ترى نقصا في افعالي و لا ترى غاية ترجى إن حاولت ارضاءها

فهي لا تعلم أن الفوضى التي أحدثها ليست الا مرآة ارى نفسي خلالها
هي ترتب الفوضى في غرفتي فمن يرتب الفوضى داخل رأسي؟ من يرتب زوايا نفسي و ينظم أبعادها؟
هي لا تعلم أن غرفتي هي عالمي الذي ألجأ إليه، عالم بالمعنى الحرفي للكلمة
غرفتي انتمائي، هي المكان الوحيد الذي أكون فيه بجميع حالاتي و هي المكان الوحيد الذي ارى فيه ذاتي و ارتب ذواتي
هي لا تعلم انها بافراغ غرفتي من مقتنياتي، سريرى و ملصقاتي و الطلاء الذي يجعل لعالمي لون ، انها تعرفني من محتوايا، و تسحب مني رخصة الولوج لعالمي من جديد
لم يكن الانتماء ابدا مشكلة بالنسبة لي فعلى غرار الانسانية ككلمة متصلة بنوعي البشري، لا أنتمي إلا للسماء او الفوضى في غرفتي و ها قد حرمت منها
امي لا تعلم أن الغرفة التي تراها هي سقف و قاع و اربع جدران و طلاء و فوضى.. يفوق ما تستطيع العين أن تراه
فكل زاوية تروي قصة من حياتي و كل ذرة غبار عاشت معي تقلباتي

امي أرادت أن تغير زجاج النافذة في غرفتي لاني في وقت ما كسرته و تشقق نصفه
انا حين انظر الى شقوق الزجاج ارى شقوق نفسي التي تلتئم يوما بعد يوم

هي تريد أن تتلف أحد المصابيح في غرفتي بحجة أنه لايضيئ ، أمي!! لو ترين حجم الظلمة داخلى فهل يكون مآل نفسي الاتلاف كما المصباح؟؟
طالما أنار المصباح جزءا من الغرفة كذلك انا قبل انطفائي ثم اصبحت مجرد كتلة تاخد متسعا من الفضاء ، كذا يقول علماء الفيزياء، لكن الحق و الحق يقال أن الفضاء لا يتسعني ، هو فقط يراني كعبئ يتنفس الهواء فضلا
كيف لي أن اتعايش في فضاء لا يشبهني منظم كثيرا، مرتب ، متمازج الالوان.. الالوان لا تناسبني ، الالوان كذبة ، فهي مجرد خدعة بصرية تحاول أن تظهر جمال الاشياء كأقنعة بشرية تخفي تخلفا نفسيا

أمي تخبرني بأن غرفتي الجديدة جاهزة!!
يا لفرحتي هه و و هل تستطيع ان تشتري لي روحا جديدا .. هل تستطيع !!
و توصيني أن احافظ على الاثاث الجديد كما أحافظ على نفسي ..ههه
اسمعها و كل عضو داخلي و كل قطرة دماء تعبر قلبي و كل دمعة احاول امساكها و انا نضحك.. نضحك بصوت كالرعد إذا سمع و كالزلزال إذا تحرك
سأحافظ على الأثاث الجديد لا تقلقي امي ،، لكن ليس كنفسي.
و توصيني ايضا بألا اعبث فيها ..بأن لا اجعلها فوضى كما غرفتي القديمة
هي تريد مني الكثير و توصيني بأكثر من هذا بكثير .. فجل ما تراه أمي انا ارى نفسي في عكس ما تقوله و ما أقوله تراه أمي تمردا و استهتار و فوضى و ترجع ذلك لهوسي بهاتفي و انغلاقي على نفسي في غرفتي

هي تشك .. هي مهووسة بالاسئلة و غارقة في الشك تريدني ان اخبرها بشيئ غير موجود
هي تسمعني حين أتحدث الى نفسي في المرآة، تسمع صراخي و تسمع جدالي و عتابي لنفسي
هي تسمع الصوت الذي يخرج من غرفتي فتوصيني بان ألزم الهدوء لاني لست في الشارع لاصرخ و لا مجنونة لاتكلم لنفسي
هي تسمع الاصوات الخارجة من اعماقي ازعاجا لراحتها هي و أخواي
هي لا تسمع وقع الكلام حين يقال و لا تشعر بنبرة الصوت إن احتدت
انا لست في الشارع لاصرخ.. و في الشارع هل كنت لاصرخ ؟؟ بالتأكيد لا .. فكنت أضطر لكبح صراخي ..
و في كل مرة كنت اخسر..كنت أخسر حبلا من صوتي حتى اصبحت بلا صوت …

امي اصبحت تتذمر من صمتي و ترى في صمتي ريبة تفسرها هي كما تشاء
امي ترى صمتي وقوع في مصيبة و تصر على السؤال فلا أجد ما أجيب .. كيف أجيب على اتهام باطل ؟

امي ترى في انعزالي تكبر و غرور و تخبرني كل مرة أن احط بقدمي على سطح الارض و أن أكف عن التحليق في الفراغ..
أمي لن تعلم فهي لا تعرفني.. أنا أحيانا لا أعرفني…!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*