إغـــتـراب… بقلم الكاتب محمد الزارعي من تونس.

كنتُ في بعض الأحيان أحاولُ التغلّب على شعوري بالوحدة والإغتراب، فأمضي إلى الناس صادقاً كلّ الصدق برغبتي في سحق عزلتي، ولكن شعوري بالإغتراب كان يزداد حينئذ بشكل يصعب عليّ شرحه، ويصبح أكثر شراسة وأنا بين الناس.كنت مع الآخرين أبقى صامتاً غالباً، وهذا ما يجعل تواصلي معهم أقرب إلى الإستنطاق. ليس لأنني قليل الكلام، بل لأنني فعلاً لا أجد ما أقوله. هناك نوع واحد من الأفكار والحوارات التي أخوضها شغوفاً بها حقاً، حتى أنني أستطيع الكلام في صددها بلا انقطاع ،وبلا انتهاء. إنه ذلك النوع الذي يغوص عميقاً في أغوار النفس الإنسانية، وما يخشى الناس إظهاره، فيتجاهلونه. ولكن هذا النوع هو بالتحديد ما يتفاداه الآخرون، إذ ليست الغاية منه الترويح عن النفس كمعظم الأحاديث اليومية، بل العكس تماماً، إنه يُثقل على النفس بطريقة أو بأُخرى بالنسبة لكثيرين، وإنما من أجل ذلك يتجنّبونه دائماً.لست أقلّل من شأن الأحاديث اليومية، ولكن ليس لديّ فضول لتقصّي تفاصيل الغرباء أو التطفّل على خصوصياتهم. أقصد لا تهمّني معرفة ما ينوون فعله، أو ما فعلوه في الماضي. لا تهمّني معرفة كم يتقاضون من أجور، الأعمال التي يمارسونها، الشهادات التي حصلوا عليها، البلاد التي يودون السفر إليها، اهتماماتهم، ألوانهم أو وجباتهم المفضّلة، بل أشعر بضيق لا يطاق، وتغمرني الكآبة خلال هذه الأحاديث. وهذا الأمر ما يجعل الإهتمام الذي أبديه حولها، وكذلك الإنفعالات التي تظهر على وجهي في خضمّها، أشياء مفتعلة ومزوّرة، أشياء حقيرة وغير أصيلة أكرهها في نفسي. أنا أعرف أن هذه التفاصيل تكاد تكون محور الحياة كلّها بالنسبة لمعظم الناس، بل ويستاؤون كثيراً عندما يشعرون بإهمالها أو تجاهلها من قبل الآخرين، وأنا لا أفهم هذا حقّاً، لا أفهمه بالمرّة، لماذا يجب علي أن أعنى بمثل هذه الأمور؟ فأنا لا أشعر بالغضب حين لا يسألني أحد عنها. لا أشعر حتى بالإستياء حين لا يزورني أحد في مرضي. برغم هذا كلّه، أجد نفسي مضطّراً -بدافع الدماثة لا غيرها- أن أمارس هذا الدور الغبيّ المزيف كل يوم، وكان من شأن هذا التزييف أن يدفعني في كلّ مرة أكون فيها بين مجموعة من الأشخاص، للشعور بأن ذاتي بكاملها يتم سحقها وتدميرها.وهكذا صرت بعد كل تواصل يحدث بيني وبين الناس، أعود لغرفتي مضطرباً ومُحمّلاً بشعور من الخزي إلى جانب شعوري الثقيل بالإغتراب، شعور بالخزي من نفسي ومن الآخرين، حين أعيد التفكير بالكلام والإنفعالات التي صدرت عني في الخارج، ردّات الفعل التي كانت جميعها كاذبة ومزيّفة.إن هذا الأمر متعب، وشديد الوقع على نفسي، إنه يحدث كل يوم في حياتي، ولا سبيل لدي إلى الخلاص منه.إنني أعتزل الناس، ليس لأنني أرغب بذلك وحسب، بل لأنهم مُتعبون بالنسبة لي كالرغبة الملحّة بالنجاة من الموت، ولأنني مُتعبٌ بالنسبة لهم كحقيقة أنّ هذا الموت واقعٌ على كل حال.

Peut être une image de une personne ou plus, personnes assises, chien et lac

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*