درس جديد… بقلم الكاتبة نسرين محمد من السودان.

ذات نهار ممطر كان يسعى بين الديوان وراكوبة جدتي، وجهه مسود قبل البشرىخمسة وعشرون عامًا مضت، ولا زالت جدتي تذكر الحادثة كما لو أنها حدثت للتو كلما رأتنيحينذاك كان أبي قلقًا جدًّا بشأن جنس المولود القادم؛ كان يخشى النتيجة كلما سمع صراخ أمي الذي يغطي سماء القرية كما لو أنها (بِكريَّة)!.تعسر أمر الولادة، بسبب عدم توفر قابلة في ذلك الوقت. كانت القابلة الرسميَّة خارج القرية منذ أسبوعين؛ وقابلة الحبل المعروفة قد شاخت ولم يعد لديها القدرة على التوليد. هكذا قالت جدتي له وهي تلهث: عليه إيجاد مخرج آخر إن نقلَها للمشفى يحتاج إلى وقت وجهد، لاسيما أن طريق القرية يكون وعرًا جدًّا في فصل الخريف، وشبه منقطع لأكثر من خمسة عشر يومًا. ربما هذا ما أدى لغياب القابلة!خرج مسرعًا للبحث عن حل، كان فرِحًا فرَحًا مشوبًا بقلق؛ يردد في طريقه:- حتطلع راجل زي أبوك.ليس وحده من كان ينتظر صراخ الطفل، بل كل من قابله في الطريق كان ينتظر؛ يردودن ذات السؤال:- اها لسة ؟ شكلها بنية، بختك يا أبو البنيات.كان يغضبه سماع ذلك، لكنه لم يكن يملك وقتًا ليهدره في الرد كان يكتفي برسم ابتسامة ويلوِّح بيده.تساءل إن كان يمكن لسيارةٍ عبور الطريق إلى المدنية؟كانت الإجابة: لا. عليه نقلها بواسطة (بابوره) الخاص أخبر جدتي بذلك. جمعت أمتعتَهم للمغادرةسمعتُ هذه القصة برواياتٍ مختلفة؛ كلهم كان يرويها على طريقته الخاصة لكنَّ طريقة جدتي لأمي كانت مختلفة كانت دائما تقدم كلمة (الشؤوم) قبل روايتها للقصة؛ لكونها فقدت ابنتَها، أما أبي؛ قِيل إنه تزوج من بعدها بِأربعين يومًا، حتى يزرق بالذكر الذي عجزت أمي عن إنجابه لا أنسى تفاصيل تلك القصة كذلك التاريخ الذي حملت فيه حقبيتي متهجةً جنوبًا؛ للمرة الثالثة التي أرى فيه شكل المدينةكنت في الثالثة عشرة من عمري، عندما اضطر أبي لاصحطابي لالتقاط صورة فتوغرافية لأول مرة، حتى تتم إجراءات استخراج بطاقة امتحان شهادة الأساس كانت أيامًا عصيبة؛ صراع بينه وبين أساتذة المدرسة من جانب، وإخوته من الجانب الآخر كنت طالبة متميزة كما شهد الجميع وقتها كان عبور المدرسة إلى التفوق بين مدارس المحلية مقترنًا بي؛ لذلك كانوا على استعداد لفعل أي شيء من أجل جلوسي للامتحانات رفضُ أبي كان أهون من رفض عمومتي.كان القانون واضحًا مذ خُلقت الإناث في مهدهنَّ:”ما عندنا بت للقراية”.كانوا ينتظرون بلوغي سن الخامسة عشر حتى تتوج خطبتي التي عقدت في وقت لا أتذكره، لابن عمي عثمان، الذي لم أكن أتذكر وجهه حتى تلك الساعة.كلما نادتني المديرة بالدكتورة كنت أشعر وكأن صاعقة ما سقطت على رأسي.كان حلمًا عشت تفاصيله بين جدران الفصل وحقيبتي الدراسية التي كانت بمثابة طوق نجاة من الرعي وعمل البيت.أخواتي كغيرهن من فتيات القرية كُنَّ يحلُمن بحفرة الدخان والحناء والثوب الفلاني وجلسات القهوة والصناديق.كُنَّ يكرهن التحدث معي لكوني أرى كل ذلك مجرد هراء. ويرَيْن في أحلامي رماد جثتي التي ستطالها سكين أحد رجال الأسرة لا محالة إن لم أنسَ مافي رأسيصدقت نبوءة المعلمة التي أخبرتني أنني الوحيدة من بينهن من ستدرس الجامعة.استيقظتُ ذات يوم أبحث عن حقبيتي، أخبرتني زوجة أبي – وهي تضحك – أنهم أمروها بأن تستخدم الورق بدلًا عن الجاز وفعلت.لم يكن صعبًا عليها فعل ذلك؛ إذ طالما كانت ترى فيَّ الضُرَّة التي ماتت قبل مجيئها؛ كانت تغضبها سيرة أمي ، لحسن سيرتها، لم تغادر أفواه الناس حتى اليوم.لم أغضب لذلك، مضيت نحو المدرسة بجلبابيأخبرت المديرة أن تنسى أمر المحاولة، لن يجدي ذلك نفعًا. ضحكت المديرةكانت أول تجربة لوضع النقطة الأخيرة، سمعت النسوة يتحدثن عن خطورة الحجر الأسود (الصبغة) التي كُنَّ يزيّن بها أيديهن وأرجلهنفي أيام الأعياد والمناسبات كثيرات منهن طُلقن لمرات بسببها؛ كانت الواحدة منهن تخرج من دارها صباحًا تعود فجر اليوم التالي لكثرة عددهن عند (الحنانة). لم أكن أميِّز ما يقُلن وقتذاك. تذكرت كل ذلك في طريق عودتي من المدرسة إلى البيت. كانت المرة الثانية التي أرى فيها المدينة عندما أضطر أبي لنقلي إلى مشفى المدينة لينقذني من الموتأول مرة ينظر فيها لوجهي دون أن يبتئس رأيت المحبة والخوف في عينيه للمرة الأولى ولعلها الأخيرة.أتذكر كل ذلك في طريقي للمدينة التي أجهلها، أحمل آمالًا وأمنيات، مخاوف وأفراحًا.امتزجت الأحاسيس في دواخلي؛ لم أكن أميز ذلك حتى توغلت داخل مبنى الجامعة كان كل شيء مختلفًا كقروية لم يكن مسموحًا لها رؤية وجه ابن عمها؛ ها هي ذي وسط مجمع من الرجال، شباب، فتيات بمختلف أشكالهن أحدق في الأمكنة وفي وجوه الناس حتى صفعني أبي على كتفي قائلًا: هسي الجنيات ديل كان شافوا زراعة ما كان خير ليهم بدل البطالة دي؟!لم يكن باستطاعي الضحك حينها لطالما قاتل هو من أجلي ومن أجل تحقيق أمنيتي بالالتحاق بالجامعة.بعد نجاتي من الموت أصبح لا يفعل شيئًا يعارض أمنياتي.حتى و إن حُرمت من لقب الطبيبة بسبب الأمر الصادر من كبار الأسرة لكوني أول فتاة تدرس الجامعةقال كبيرهم وقوله الفصل ولا تفاوض فيه:- تبقى مدرسة تجي تدرس في حلتنا هنا وإلا – قسم بالله – في الساعة دي بسيح دمها ونرتاح من سيرتها، ده ال لقيناه من خِلفة البنات الله يقطع سيرتن..وقتها كانت أول خطواتي في المرحلة الثانويةحزنت، لكنني ذلك حققت انتصارًا على قوانينَ صارمة، لم يستطع أحد – حتى الشباب الذكران – كسرها.هأنذا في مدنية غريبة، أناس غرباء، لا أحد يهتم لأمري، لكنني أراهم يتبعون خطواتي، قليلة الثقة والكلام. الوصايا التي تركت في حقيبتي تقيدني:- بنات البندر كعبات.- ماتباري جنياتهم.- إت غريبة هناك خلي بالك على نفسك.لم تكن تلك الوصايا إلا خوفًا على غشاء قد يكون انفضَّ منذ سنوات؛ وقت كنا نتسلق الشجر والحمير حين كنا نختصر المسافات بتسلق الجدران. وربما لم يخلقه الله من الأصل، لكن عليَّ المحافظة على نفسي جيدًا.صراع بين الأمس واليوم كل شيء يشبهني هنا، لكنني لا أستطيع الانتماء إليه. “هذه ضريبة الاختلاف” كما تقول صديقتي التي تقاسمني وحشة الأيام هنا مختلفة عني، كما يقال، متحررة الأفكار، تحمل فكرة حزب ما كثيرًا ما طلب مني بعض الأصدقاء الابتعاد عنها حتى لا تقودني إلى التهلكة. كنت وقتها على مشارف الوقوع في خطأ أعظم، عندما اتبعت جماعة كنت أرى فيهم محبة الله، كل أقوالهم تجذبني إليهم، ربما هي نتيحة متوقعة لكوني خرجت من قوم يدعونه ليلَ نهار.في ذلك الوقت كان يصعب على التفريق بينهم على الرغم من العداوة التي غرست بيني وبين صديقتي تلك لم أر قط كل ما قيل عنها كانت كثيرًا ما تستيقظ قبل الفتيات لصلاة الفجر كن يمازحنها وفي قولهن جدٌّ:- خلاص الامتحانات قرَّبت، عرفتي ربنا؟!كانت تضحك لهن دون الالتفات لما بعد ذلك كانت بمثابة طوق نجاة لي أذكر ما قاله ابن خالي ليجعلهم يتراجعون؛ لكونه – من بين أبناء جيله – وحده من درس الجامعة. أخبرهم عن الفتيات وما يفعلنه مع الشباب وكيف تعود إحداهن حاملة في أحشائها جنينٌ بدلًا عن الشهادة.ضحكت وقتها، وحده الذي يدرك ما تخفي لو أنه نسي ما فعله بي من قبل؛ سيتذكر في الثانية عشرة من عمري، كنت في الباحة الخلفية للمنزل للدراسة استعداد للامتحان القادم حيث لم يكن يزعجني أحد.كان يتبعني، وجدها فرصة مناسبة المنزل خال، الجميع منشغلين بعقد قران ابنة عمي لم أكن أميِّز ما تفعله يده في جسدي حينذاك، لكن كان ذلك غريبًا.فعلت ما بوسعي لمقاومته لكن ذلك لم يكن يجدي نفعًا؛لولا نحنحة جدي من الديوان لأخذ ما كانوا ينسجون الوصايا لأجله.مر كل ذلك، وأنا أحدق به كان يقف بثبات وسط المنتدى الشعري الأسبوعي للجامعة لا أملك الشجاعة التي تجعلني أقف هكذا أمام الملأ أقرأ ما لديَّ من القصص التي ملأت بها الدفاتر التي خصصت للمحاضراتكان. يلقي القصيدة التي كتبها البارحةكنت أول من سمعها، لكن الدهشة بدت على وجهي؛ كأنها المرة الأولى، كالمرة الأولى التي أبدى أعجابه بيوددت لو أنني أسطيع فعل ذلك أيضًا هو في السنة الثانية وأنا على عتبة التخرج لم يكن ما بيننا حبًّا لكنه شيء مميز. كان ملهمي ودليلي في الكتابةصغيرٌ، لكن عقله يضاعف عمره مرتين محظوظة هي التي سمَّى ابنتها باسمي. تمنيت لو أن شيئًا ما يشبهني هنا لكي أعيده معي في رحلتي القادمة. كانت القصص تملأ دور النشر، وهأنذي، على كرسي حديدي أمامي منضدة خشبية مليئة بالكتب والكرسات، يقرع الجرس ليبدأ درس جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*