حلو و مرّ… بقلم الكاتبة نريمان همامي من تونس .

” لنصنع جسرا من مشاكلنا و نستعمله لنبلغ طموحاتنا “

العراقيل تقوي و لم تكن يوما مشكلة للتقدم او الاقدام نحو الافضل ، فوجب علينا المرور بمرحلة الفشل كي نستمتع بمذاق النجاح بعد التعب.

لنتقدم و نصنع سلم مستقبلنا من صفر التجارب، لنحارب نية الفشل، لنصارع شبح التشاؤم و ألخوف لنلعب بأعصاب الكسل و لنفقده حماسه المتكاسل.

الحياة بين أمس الحلم و يوم التحقيق ، بين ارق الليالي الحالمة و بين ابتسامات التحقيق و الفرح المرسوم على الوجوه بعد أن خطت تجاعيد الالم سبلها بين قسمات الوجوه العابسة.

” ملامحك لذة نظر”

ملامحك لذة نظر ,ملامحك تعيد الحبور و الراحة , ملامحك مرآة لروحك الطاهرة , ملامحك سكينة سرمدية و اطمئنان و آمان قد عشقتها و ادمنتها .

ملامحك تباشير خير و دفء و هيام , تلك الملامح الهادئة و تلك الابتسامة الطفولية و ذاك الشعاع المنطلق من صميم قلبك الطاهر تخبرني أن  الخير لا يزال موجود , تؤكد لي أن الصدق محفور بين طيات قلبك و الوفاء ممزوج بدمائك يسري في كامل جسدك , روحك تغذي جسمك بكل خير , كم أرغب في الاحتفاظ بها في غرفتي , بين جفوني , بين جلابيب روحي كي لا أشيب و لا أخاف .

” طفولة راسخة رغم قسوة الحياة “

هل ستسمح لنا الحياة بالاحتفاظ ببراءة الطفولة و بطيبة القلوب التي صقلنا عليها منذ نعومة أظافرنا؟

سؤال يطرق نوافذ عقلي كل ليلة بعد يوم طويل متعب , تتوافد ذكريات الطفولة توافد الحجيج على البيت المقدس و تطوف بي و تعيدني الى أسس حياتي .

الطفولة أنقى و أجمل و أروع فترة و افضل مرحلة تكوينية لقواعد مستقبلي , فهي مرحلة الصفر التي تتوالى عليه الايام لتزيد من قيمته يوما بعد يوم .

لا يوجد شخص لا يحن و لا يشتاق لأيام طفولته.

طفولتنا و ان كانت قاسية الظروف إلا أنها من أسعد و انقى مراحل الحياة .

“حقيقة انثى “

كانت تلك طريقتها في التعامل مع الأمور و مكاشفة المخاوف بالمواجهة فقد تفتق ذهنها مفكرا عن مفهوم ان الهجر خير وسيلة للدفاع و خير وسيلة لصد هجوم النفس و ردع تقلباتها هو الدفاع عندها بالبوح لأن افضل الطرق لكبت جماح الهوى هو كسر الصمت و دفع العزلة و الانزواء.

ان الاستمرار في الصمت لا يولد سوى احدى الكافين اما ألكبت أو ألكبر , فالكبر يفرغ الداخل و يخفف المحتوى فتخوخ الروح و يسطح العقل مخلفا غلافا هشا قابلا للتمزق أو قشرة خارجية يسيرة التكسر عند ادق العثرات فتكون بذلك مسمارا في نعش صاحبه و سببا للفتك به .

أما ألكبت فينضب الصبر و يولد الانفجار الذي يؤدي بصاحبه لإحدى المهلكين اما “الافراط ” او ألتفريط , لكن مزاجيتها توقعك في متاهة من الافكار و تجعلك تتخبط في ثنايا عقلك بين القبول و الرفض حيث رأيك لا يستقر على حال و لا يستمر , و في كل الاحوال ستغرق فيها طوعا و كرها لكن رغم كل هذا إلا انها مسالمة سلام اليمام .

هاهي تقترب من من سلبها رشدها و ايقظ فيها كل تناقضات شخصيتها حتى أنها صرحت لنفسها بمدى قوتها قائلة و قد ارتسم الجد على محياها :”أنت لا تعرف شيئا عني , تجهل كينونتي , لا تعرف أنني في صراع دائم بين قلبي و عقلي , بين خجلي الفطري و جرأتي المصطنعة , تجهل كيفيتي اقتلاعي للأبجدية من بين أصابعي كي يصلك حنيني و أنت غير مبال , أنت لا تعلم كم مرة تهشم داخلي ثم ترمم من جديد ؟ , قد تكون مشكلتي الابدية كامنة في حساسيتي الزائدة كما سميتها و أن عيوبي قد كثرت و اصبحت لا أطاق و لكن اعلم أن هاته العيوب هي بذات عينها مزايا في وقت كثر فيه الزيف , فقد وصل الزيف حتى النوايا التي تسكن القلوب و قد ترسخ في العقول و في الافئدة كخلايا سرطانية تنهب حياتا و تدمر خلايا الحب و الجمال فينا و أما عن هذه العيوب فأنا أعتز بها , اعلم ان الحياة تأخذنا بين مد الظروف و جزر القدر تجعلنا نختار سبلنا و على حسب صحة اختياراتنا و دقة حذقتنا اما نشقى و اما ننعم بحياة طيبة , و يا سيدي ان الخلق موجود دائما بين مطرقة الظروف و سندان القناعة أو بالأحرى بين سندان القناعة و مطرقة الاحتياج و لكنني رميت بمطرقة الاحتياج عرض حائط غرورك و رضيت بسندان القناعة أساسا صلبا أنطلق به عاليا محلقة بعيدا عن زيفكم , اخترت حريتي و بساطتي و أخذت أبحر في عالم خال من ترهات الواقع , عالم طلبت نفيي فيه بعيدا عن كل الزيف عالم جديد كله روح و ريحان و أحلام نسجت من غزل البنات الذي يضفي طفولة و براءة .

لا تخف على قلبي سأرمم دياره وحدي ففي داخله مضغة عفيفة صقلت على التسامح. لا بأس أنا امرأة معتادة على التجاوز لدي القدرة الكافية لأرفض وضعا لا يناسبني, لدي القدرة التامة على التخلي و المواجهة

مواجهة عادات كبّلت حريتي و سجنت أحلامي في قفص تقليدي معتوه .”

انتهت المواجهة و غاب وعيها عن ما حولها و كأّنّه انقسم الى اثنين أحدهما يحرّكها في سياقها اليومي تفعل و تقول و الأخر تنحى عن الطريق و اتخذ موقع المراقب يرى نتيجة مواجهتها لكنّه استغرب ممّا من تغيّر فقد تحوّلت تلك الهرّة المدللة الى لبوة شرسة كشّرت عن أنيابها مقطعّة بها كل حاجز يقف في طريق سعادتها و قد أصبحت تفتك دون رحمة و ان كان ذلك على حساب تهشّم جزء منها , ففي كل امرأة امراة أخرى تنتظر صفّارة الانطلاق لتظهر.

“دنياي”

وحدة قاتلة و غضب شديد خلق داخلي اعصارا من المشاعر المتضادة جعلتني أتخبّط في طريق مظلم قد فقدت خلاله بوصلتي التفت يمنة و يسرة لا ضوء و لا أمل كأنّني أصبت بالعمى و انا مبصرة , لا ألوان  و لا أشكال فقط ظلام دامس تسكنه طلاسم مبهمة , زوبعة الأفكار المتزاحمة تدوي دويّ الرعد ترتجف لها أوصالي من شدّة الرعب و تجعل صفّارة الانذار في عقلي ترسل صوتا قويا مشوشا لما حولي .

كلّ ما يدور حولي عبارة عن ثقب أسود يجذبني كدوّامة في وسط بحر هائج تلتهم ما حولها التهام النار للهشيم. تهشّمت أجزاء روحي و تلاشت في كل مكان حتّى عندما قرّرت ترميمها أوّل من جرح كنت أنا.

أنا, من أنا ؟ انا المتهمة و الضّحية , أنا الطيّبة  الشريرة , أنا الكاذبة و أنا أيضا الصادقة , انا كلّ تلك التناقضات .

وحدة جعلتني أتمرجح بين أفكاري و مشاعري , لا أقترب و لا أبتعد , وحدة حرمتني الألم و الأمل , حرمتني الإبصار و النظر و جعلتني لا أنظر بعمق و أحكم على الأشياء من الظاهر .

دموع غسلت وجهي و محت ملامحي و اردتني ميّتة و أنا على قيد الحياة  قبلا كنت أشعر بدقّات قلبي و لكّن هذه الوحدة قد وضعت كاتم صوت لها جعلتني أرتدي الأسود حدادا على احلام قلبي  وعلى عذرية مشاعري

فقد فقدت عذريتها على يد الألم و الكذب اٍذ أنني قد طمحت بالحب الّذي يفضي بكارة مشاعري و لكن ليس كل ما نطمح اٍليه ندركه .

” عشرينية بقلب عجوز “

العشرين عمر الزهور هو الفتى الوسيم و الفارس المقدام الّذي يحضر على جواد أبيض و يخطف احلام العّذارى .

عشرينية تلك الفتاة الجميلة ذات الحجاب الوردي, تلك الحورية ذات

 الطّلة البهية , عشرينية معطاءة ,فراشة العشرون ربيعا تحوم و تحلّق من زهرة الى أخرى , تتنقل من زهرة الدين الى زهرة العلم , قد أخذت من كلّ شيء قدرا كافيا لتكوين شخصية مسلمة متعلّمة حيث اتخذت من مبدأ ” لا إفراط و لا تفريط ” عمودا تتأسس به حياتها و استرقت من حياة العجائز ومضة فأخذت من قلوبها الطيبة و الحنان و دفء الاحاسيس منها ففي قلوب العجائز فراديس الدنيا و جنان الحب و قصور ندية بعبق ساحري يعيدك الى شقاوة المراهقة و رجفة الحنين , عشرينية بقلب عجوز تجلس قرب مدفئة الذكريات تستشعر منها حبور الحب و أسرار عفة العقول قبل الاجساد فالعقول و القلوب لم تقاس و لن تقاس بعدد الأيام و لا السنون .

” حلو و مر”

بين حلو الخيال و مرّ الواقع , بين حلاوة الأيام و مرارة الأقدار و بين حلاوة الحياة و علقم الظروف تتساقط أحلام لتزهر أخرى و تنمو من جديد على فتات المضمحلات , حياتنا تتواتر بين أيام حلوة مشرقة كشمس الربيع الدافئة و أخرى مرّة مرارة العلقم في الحناجر و لكّن كلّ ما نمر به في هذه الحياة له تأثير على عقولنا .

الحلاوة تعزز الأمل و تنشّط العزيمة على التحمل , أما المرارة فهي تعلمنا الصوم , الصوم على احتياجاتنا من الحياة و تدرّبنا على الصبر , الصبر على الفرح , و بين حلاوة و مرارة تصقل أجنة أرواحنا حتى يأتي فرج الله و تنتهي أوجاع المخاض بولادة روح متوازنة محاربة و صابرة لا تخشى شيء .

“عظيمة هي الحياة”

عظيمة هي الحياة مع العائلة , الأصدقاء و الاحبة , عظيمة هي الحياة مع الرضّا , عظيمة هي الحياة مع التسامح و الرفق و اللين .

عظيمة هي الحياة مع وجه جميل و بسمة حلوة , عظيمة هي الحياة مع دعاء غريب , عظيمة هي الحياة مع عبق مسك و عبير حب مذاب في الهواء .

الحياة مزيج من الألم و الفرح ,الهدوء و الثورة , الحب و الكره و هذا المزيج متجانس ففي الألم نجد الفرح , و في الثورة نجد الهدوء , و في الكره نجد الحب , في كل التناقضات نجد التكامل و لا تمضي هذه الحياة و تستمر  دون التناقض ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*