ما الغباء؟ بقلم الشاعرة بثينة هرماسي من تونس.

ما الغباء؟
هو ان تحمل حزنا صغيرا ضالا
وجدته يوما يموء على اعتابك،
ويتمسح باقدام قلبك ، يلعقها .. ويرتعش من الجوع والضمأ .
حزن ضئيل تفهم من موائه المتواصل انه حزن مسكين وحيد
متشرد يتيم فقد امه
فتحمله على كف قلبك برفق ..
وتفحصه بنظرك فيتراءى لك أشعثا أغبرا يرتجف ..
فيتفطر قلبك لبؤسه
وتقرر أن تتبناه
وتنقذه من التشرد او ربما الموت .
فتدخله عندك
وتاخذه الى الحمام وهو يتلوى ويرفض وانت تبدا بسكب ماء عليه برفق وحزم في نفس الوقت
دون أن تعير اهتماما لرفضه ،
فتغني له وتداعبه كي يطمئن لك ولا يهرب.
ثم تطليه برغوة صابون لا يؤذي عينيه فيهدأ وينصاع لك مطمئنا ،
بعد ذلك تشطفه بعناية فائقة الى ان ترى لونه الداكن يضيء يلمع ..
فتاخذه الى حضنك وتبدا بتجفيفه برقة
الى ان تشعر بنعومة فروته ودفئه يسري من على جلده الى دمك .
.عندها تأخذه بحب كبير وتضعه على حجرك وتقوم باطعامه وسد رمقه،
بعد ذلك تأخذه بين ذراعيك بحنان غير معتاد .. وتهدهده ليغفو وينام
ويحلم وانت مبتسما وفخورا بصنيعك وبنبع الحب الذي تفيضه على ذاك الحزن الصغير .
وتستمر عنايتك به على نفس المنوال والوتيرة
والسهر عليه كأنك انت من انجبه .. وكأنه ابن دمك ..
وتمر الأيام في سكن..
الى ان تتفطن ان حزنك
كبر و ويفع ولم يعد يحتاج لعنايتك ان ترعاه ..
ولم يعد يسعه السكن اليك .
فتراه يتخطى الباب و يغادر وحده.
في الاول سترى الامر عاديا وسوف لن ترى مانعا في ذلك..
فهو يحتاج ان يتنفس في الخارج
والى مخالطة أبناء جنسه بعض الوقت..
ثم سينتابك القلق حين يصبح تدريجيا يعود آخر النهار الى البيت مترنحا ..
مرفوقا بكل حزن جائع يعترض طريقه ليطعمه ويأويه عندك .
و قد ينتابك القلق اكثر حين يصبح كلّ من حولك يشير اليك بالاصبع ..
والجميع يتهامسون خوفا ورعبا من عواء ندماء و خلاّن حزنك وصخبهم .
وقد تدافع عن زوار حزنك متعاطفا معه
بانهم قطط بائسة ضالة يحتاجون إلى مأوى.
فتصبح عرضة لتذمّر بعضهم وسخريتهم فينعتونك بالغباء ..
او الى شفقة ممن يقدم لك النصح بفحص نظرك .
وقد تقرر أن تتبع نصيحة من اشفق عليك
فيتبين بعد الفحص الطبّي لعينيك
انك ضعيف النظر بشكل مفزع وانه يلزمك نظارات سميكة لتعديل ذاك الخلل.
ويوم تضع النظارات على عينيك اول مرة ستشهق حتما من الهول
حين تدرك غبائك وغبنك كل ذاك الوقت ..
فذاك الحزن الصغير الذي تركته يدخل وتبنيته ليكبر عندك ذات يوما
ظنا منك انه قطّ وديع متشرد..
ها هو اليوم اصبح وحشا دميم الخلقة يتظاهر برعايته لك وولائه فيحضر لك كلما عاد آخر النهار من الغصص الوانا يمدها اليك بلؤم
كي تطعمها و تعظم جهامتك ..
فتأخذها عن طواعية وتقتات منها دون أن تتفطن لمرارتها..
حزنك الصغير الذي مازلت تظنه بسذاجتك وغبائك انه قطّ حنون جاء ليؤنس وحدتك
و الذي مازلت تؤمن وتستكين لوداعته ،
ها هو اليوم يفع واصبح بالتدقيق ذئبا مفترسا يتضوّر جوعا
يتأهب في مكر
للفرصة السانحة
كي ينقض عليك ويبتلعك
بثينة هرماسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*