أقُلتَ “زميقري”؟ قراءة في رواية ميلانين للكاتبة فتحية دبش.بقلم : الصادق أحمد عبيدة.

١-عدسة ثلاثية الأبعاد :
سوف لن أغامر بالإدلاء برأي نقدي، ولا بالحديث عن نظريات نقدية. ولن أتورط في الكتابة عن عتبات النص والانساق الأدبية. وبعيدا عن مناهج النقد السيميائي والبنيوي وغير ذلك من تقنيات متروكة لأصحاب الشأن من النقّاد المتخصصين الذين وجدوا حتما في هذا النص المتميز كنزا ثمينا، ونبعا صافياً، يعج بكل ما يبهج النفس ويسر البال…
أود فقط في هذه القراءة المتواضعة إلقاء الضوء على بعض الجوانب التي تهمني بصورة شخصية.
فأنا كقارئ عبر المنصة السودانية لمناقشة الروايات أستطيع القول بان رواية ميلانين للكاتبة التونسية الفرنسية فتحية دبش، الصادرة عن دار ديوان العرب للنشر والتوزيع ببور سعيد في العام ٢٠١٩ تخاطبني بصورة خاصة جدا. ذلك لأني أعيش في باريس، وأتجول في ذات الحارات، و أجوب يوميا ذات الشوارع التي تصفها الرواية.. بل والتقي بشخصياتها يوميا في المقاهي والقطارات والأسواق والحدائق العامة…أراني طورا متسكع مع (أنيسة عزوز) على ضفاف نهر السين بعد يوم طويل من التحقيقات مع اعضاء الجاليات العربية المستقرة في ضاحية سانت دوني وأرجنتوي .. نتحدث عن البطالة، العنصرية، وتحقيقات الهوية التي يتعرض لها العرب والأفارقة يوميا ..وتارة اجدني اُجالس (رقية) وسط المسافرين على خط الميترو رقم واحد الرابط بين محطة اللوفر حيث تعمل كعون صيانة موسمي، ومحطة الشانزليزيه كليمنسو، ومنه الى الخط رقم ١٣ الموصول بمحطة بازيليك دو سانت دوني حيث تقطن.
وبحكم عملي كمسئول عن قسم الترجمة بمحكمة بوبيني، وهي اكبر المحاكم الفرنسية وتغطي اداريا اكبر رقعة جغرافية تتمركز فيها الجاليات العربية المهاجرة من شمال أفريقيا ، مكونة ما أسمته الكاتبة (بالمغرب الصغير) ، وهي الضاحية التي تقع فيها شقة (رقية) بالطابق الثامن من العمارة ١٥٠ في حي قامبيتا ببوبيني صفحة 46. ولا ابالغ انني ذهبت بحثا عن ذلك العنوان ليس بعيدا عن مكتبي، ثم استدركت انه وإن كان موجودا على الطبيعة، إلا أن الرواية وأشخاصها ليس الا محض خيال ادبي. بحكم عملي اقضي نهاري بالمحكمة في مساعدة العشرات من هؤلاء المهاجرين أمام مختلف أقسام المحكمة..يعيشون على هامش المجتمع، هدّت الغربة قواهم، وتقوست ظهورهم بفعل سنوات الإغتراب الجافة، ولا يزالون يحتاجون لمساعدة مترجم امام المحكمة كما يحتاجون لابنائهم المتعلمين يرافقونهم امام بقية الدوائر الحكومية والمستشفيات. تنقصهم اهم مقومات الاندماج في المجتمع الذي انتخبوه وطنا ثان وهو اللغة “بوبيني مركز المخدرات والجريمة، تلك كانت الفكرة التي تروج لها الأخبار والصحف” ص 45 …أصبحت بحكم عملي جزأ من حياتهم.. اتقاسم همومهم وآلامهم.. تؤلمني أتراحهم.. ويؤسفني تشردهم وجوعهم وبردهم وعطشهم ..أتجرع معهم مرارة الغربة والإغتراب …أوصل صوتهم للسلطات الفرنسية متأرجحا خلال النهار بين لهجاتهم بموسيقاها وعذوبتها التي تزاوج ما بين لغة الضاد ولغة موليير (وخا.. وبرشا ..وبالزاف)
لذلك وانا اتصفح هذه الرواية اجد نفسي كمن يشاهد فيلما سينمائيا بنظارات البعد الثالث التي تقذف بالمشاهد داخل المشهد فيتحول من مشاهد جالس على أريكته، الى بطل من ابطال العمل الفني وكأنه يمشي بقدميه داخل الرواية.
٢- “الإنزياح” أو مستويات اللغة الإبداعية :
بحكم مهنتي وعشقي للكلمة، طبيعي ان تلفت اللغة انتباهي بمفرداتها الرصينة، واقتباساتها الرشيقة، وجرسها الشعري المميز. فإذا علمنا ، وفقا لدراسة تطبيقية قام بها الدكتور ثائر زين العابدين تحت عنوان ( في دروب السرد)، ان النصوص الأدبية عموما تقوم على مستويين لغويين:
المستوي الأول وهو الأساسي الفصيح والثابت في اللغة، وتحافظ اللغة بواسطته على بنيتها ولا تقوم بغيره. وهو مستوى يتشكل من سنن وأساليب صارمة تضبط تراكيب اللغة.
و”المستوى الثاني” وهو مستوى الاستعمال الخاص. ينطلق من المستوى الأول ويرتكز عليه، ويُستعمل استعمالا خاصا يهدف الى غرض معين وهو غرض فني جمالي خاص بالكتابة الإبداعية، ويطلق عليه احيانا “الانزياح” وتأسيساً عليه نلاحظ:
أولاً: ان رواية ميلانين حققت المستوى الأول من خلال التزام الكاتبة بقواعد وضوابط الكتابة للمحافظة على الهدف الأساسي من اللغة وهو سلامة وسلاسة الاتصال…حيث يغلب على لغة الكاتبة التفصيح الذي عملت عليه واشتغلت بجهدٍ يماثل الجهد المبذول في اركان البناء الروائي بصورة لا تقل عن وصف الأماكن وتصوير الشخصيات..
من أمثلة التفصيح وانتقاء المفردات قولها في وصف الحنين الذي يعصف بها وحيدة في باريس صفحة 110: ” باريس اليوم ليست باريس التي كنت أعرف…تتحول في الليل الى شبكة صيد ثمين تنصب فخاخها (للمنبتّين عن ارضٍ بعيدة أو جذور واهية أو رغبات عربيده)..فالمُنبَتْ هو : المنقطع عن أصحابه في السفر وفي الظهر أي الدابة .. والكلمة تُرجِع الى القول المعروف “كالمُنبَت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى ..ولعل اصل القول هو حديثٌ قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لرجلٍ إجتهد في العبادة حتى هَجَمَت عيناه، أي غارتا، فلما رآه قال له : {إن هذا الدين متينٌ فأوغِل فيه برفقٍ، إن المُنْبَتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى }
من أمثلة التفصيح اختيارها (للتحبير) بدلا عن لفظ (الكتابة) ص 120: ” قرأت قصاصتك الأخيرة. لا أدري متى (حبّرتها) عوضا عن كتبتها.
ثانياً: حققت الرواية المستوى الثاني. إذ استطاعت الكاتبة عن طريق المجازات اللغوية وانتقاء مفردات نادرة وجريئة ان تبرز بصمة لغوية خاصة بها تميزها عن غيرها. وليس ادل على ذلك من استخدام الفعل (أثّثَ) في اول جملة من الإهداء ص ٤ ” الي الذين (يؤثِثونَني) وينثرون …فهو استخدام للكلمة لافت للإنتباه وغير شائع.
من ملامح بصمتها اللغوية المميزة اختيارها مفردة (التبرعم) للدلالة على التوالد والتناسل البشري في قولها صفحة 69 في حديث الراوية عن أصول جدها الصحراوية التي تعود الى بلاد السودان وقد نسيته القوافل في الجنوب التونسي وهو صغير..” تشققت أقدامه من الهرولة في المزارع والواحات إلى ان وقع تزويجه من إحدى الفتيات ومنهما (تبرعمنا)…الخ.
كذلك انظر الى الشحنة البلاغية الكامنة وراء عبارات مثل ” تنط (كالقط) المشاكس الى عنادي (فتلعقه) توسلاتك بالحياة وانتشلك من ضياعك وترميني الى (غياهب جب) يصل بين الغربة والإغتراب…الخ” لاحظ كيف أفضى الحديث عن القط المشاكس الى توسلات بالحياة (تلعق) العناد كالقط..وانتقاء (غياهب الجب) ودلالاتها في سورة يوسف.. كل ذلك يتم في سلاسة دون تعقيد للمعني. ويتكرر هذا الأسلوب مرارا فيضفي على النص نكهة ابداعية خاصة بالكاتبة تميزها عن غيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*