تزييف التاريخ بقلم الكاتب خالد محمد جوشن من مصر.

فى مشهد درامى مثير فى فيلم السكرية للرائع نجيب محفوظ ، يفغر عبد المنعم ابراهيم فاه مندهشا لدى رؤيته اباه السيد احمد عبد الجواد يرقص ويغنى وسط العوالم ، ويقول لنفسه من هول المفاجاة يابن الكلب يا بابا ، هو انت كده ؟؟
هذا هو حال اغلب المسلمين السنة وانا كنت منهم حتى قراءتى لكتاب الخلافات السياسية بين الصحابة لمؤلف الجميل المفكر محمد مختار الشنقيطى ، متحدثا عن الفترة الباكرة التى تلت وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم
متناولا الخلافات والصراعات التى حدثت اعتبارا من خلافة ابى بكر وعمر بن الخطاب وعلى بن ابى طالب وعثمان بن عفان ومعاوية بن ابى سفيان ، وعمرو بن العاص والزبير بن العوام وطلعة والسيدة عائشة وغيرهم كثر والى نهاية الفترة الاموية تقريبا
لنرى من خلال الكتاب هؤلاء العظام بشرا يخطئون ويصيبون تلهيهم السلطة والمجد وتتناوشهم الخلافات ، يضعف بعضهم امام القوة ويلوى اخرون عنق الحق والعدل فى سبيل امارة او ولاية
هم بشر بكل معنى الكلمة ولكنهم فى النهاية استطاعوا ان يضعوا الاساس لحضارة اسلامية زاهرة كانت مركز العالم لقرون عديدة
وللعجب فان الكتاب بتصدير احد المختلف عليهم وهو القرضاوى الذى يبدوا انه لم يقرا الكتاب وانما صدره مجاملة لمؤلفه والا لما كان موقفه الانتهازى من مصر عقب الاطاحة بالاخوان
نعود الى موضوعنا ترى هل فقهائنا ووعاظنا الذين درسوا لنا التاريخ الاسلامى ورجاله العظام حكوا لنا هذا التاريخ بحلوه ومره ،
للاسف لا لقد زيفوا التاريخ ورسموه لنا على انه يوتوبيا ارضية لقديسين عاشوا على الارض ولم تك تشغل بالهم امور سوى الصلاة والصوم والنقاب والحجاب واطالة الحى والمداومة على الذكر مع غض البصر وهكذا كانت سيرتهم فانفحت امامهم ابواب الخير من كل حدب وصوب
لقد زيف الفقهاء والوعاظ التاريخ وصوروهم لنا رجالا لاياتيهم الباطل ولم يقولوا لنا ان هؤلاء العظام اخطأوا واصابوا، ولكنهم فى سبيل بناء دولتهم كان التفكير العقلانى والدهاء رائدهم وكان الاخذ باسباب العلم وفق مقاييس عصرهم هو السبيل لبناء حضارتهم الاسلامية.
ان احد الاسباب المهمة للارهاب فى بلادنا هو هذه الصورة المزيفة لتاريخنا الاسلامى والتى تختزل الحل السحرى لمشاكلنا فى التعليم والصحة والحكم والاقتصاد وغيرها فى هدم المجتمعات القائمة والعودة الى الصورة الزهنية المزيفة لعصور الاسلام الاولى وتطبيق الشريعة وهذا غير واقعى وغير حقيقى
فلقد تمكن الاسلاميين المعتدلين منهم والمتطرفين من بسط سيطرتهم على مناطق شاسعة فى عالمنا العربى فى العراق وسوريا وليبيا وفى افغنستان ولكنها جميعها باءت بالخراب والفشل ناهيك عن القتل على الهوية والدمار والهدم لجميع مكتسبات الحضارة الحديثة

ذلك لانهم جميعا كانوا يطبقون الصورة الذهنية المزيفة المطبوعة فى عقولهم عن انهار اللبن والعسل التى سرعان ما تنهمرعلى المجتمعات التى يحكمونها بمجرد تطبيق شرع الله المتصور فى عقولهم
وهكذا مازال الاف الشباب ينزلقون الى العنف المؤدلج لاعادة هدم المجتمع وبناءه ولو عرف هؤلاء التاريخ الحقيقى لهذه الحضارة بمثالبها وروائعها وتراثها وقيمها العليا التى قامت على التسامح وفق مقاييس عصرها بل واتاحة المجال امام الرأى الاخر مهما بلغ شططه ايضا وفق مفاهيم عصرهم بل واحترامهم ديانات الاخرين وعدم التدخل فى عبادتهم
ما وصلنا الى هذا الحال المزرى من ارتباط العنف بالاسلام ، واذ انت خاطبت فقهائنا لضرورة شرح الماضى بمحاسنه وسيئاتها ليكون عونا لنا على بناء المستقبل وانه لايمكن استنساخ الماضى ابدا
لسبب بسيط انه غير موجود بالاساس فسوف تتهم فورا فى عقيدتك لتنتقل من موقف الهجوم والنقد الى موقف الدفاع عن نفسك خوفا من اهدار دمك
ليت فقهائنا يعون هذه الحقائق ويتوقفوا عن تزييف التاريخ ، وقتها فقط سيفغر شبابنا افواههم ويقولوا لهم ما قاله عبد المنعم ابراهيم لاباه فى سرهم بالطبع
.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*