حوار وردة أيوب عزيزي مع الدكتور والروائي الجزائري فيصل الأحمر.

أعود إليكم اصدقائي في الجزء الثاني من سلسلة حوارات..
ضيف هذا العدد من سلسلة حوارات في عدده 21 يستضيف الدكتور والروائي الجزائري فيصل الأحمر من ولاية جيجل
حاورته وردة أيوب عزيزي
الدكتور فيصل الأحمر؛ كاتب وشاعر جزائري يحمل شهادة الدكتوراه في النقد المعاصر. أستاذ محاضر في المدرسة العليا للأساتذة في قسنطينة ـ الحائز على جائزة وزارة الثقافة عام 1996، وجائزة سعاد الصباح في الشعر عام 2002، وجائزة رئيس الجمهورية في الشعر عام 2008، وتكريم من اتحاد الكتاب في مصر عن كتابات الخيال العلمي عام 2017.
صاحب العديد من المؤلفات نذكر منها
رواية “رجل الأعمال” عام 2003، وكتاب “الدليل السيميولوجي” عام 2009، والمجموعة القصصية وقائع من العالم الآخر” عام 2002، ورواية “أمين العلواني” عام 2008، وديوان “مساءلات المتناهي في الصغر” عام 2007، وديوان “مجنون وسيلة” عام 2014، ورواية “ساعة حرب ساعة حب” عام 2011، وديوان “الرغبات المتقاطعة” عام 2017.. وغيرها من الكتب. ونشر دراسات ومقالات في دوريات عربية عدة..وصدر للكاتب مؤخرا رواية ضمير المتكلم.

نودُّ أن نتعرف أكثر على فيصل الأحمر… ما الذي لا يعرفه الناس عنك مما ينبغي أن يعرفوه؛ أنت الكاتب المشهور؟
= أعمالي وتدخلاتي الإعلامية والصورة التي أسوقها من حيث أقصد ومن حيث لا اقصد تقدم كلها صورة لكاتب مندمج في العالم، حاضر في المحافل، يتحرك وسط بهجة وإيجابية معينة، مناضل سياسي ونشط ثقافي يتدخل في الشأن الثقافي والإبداعي والعمومي، بثقة كبيرة في المستقبل وفي قدرة الكلمات على تغيير العالم…حتى قراء كتابي السيري “خزانة الأسرار” يخرجون بانطباع عام حول حياة بهيجة وإيجابية تنضح تلذذا بكل ما في هذا العالم… حياة تشبه ديزني لاند أو عالم “آليس” في بلاد العجائب… ما لا يعرفه القراء أن خلف تلك الابتسامات الإعلامية تقف هزائم كثيرة، وأن تحت تلك الثقة المنبعثة من كلامي ومحاضراتي وتدخلاتي المصورة يقبع رعب كبير من الجمهور ومن رأي الآخر… ألم في البطن لا يفارقني أبدا؛ خوف ما يتحرك بلا هوادة داخلي من الخطأ من مخالفة الصواب، من زرع شيء سيئ لا تظهر ملامحه قد يحبل بمأساة تولد بعد حين…سيقول القائل: لا مبرر لكل ذلك… ولكنني سأكون بصدد ترديد بعض الأدعية التي تمهد للكلام أو للمواجهة طكما فعل ذات مرة سيدنا موسى عليه السلام… أو سأكون بصدد حمد الله على أن الأمور قد سارت على أحسن ما يرام…شخصيا استفيد من كل ذلك في العمل الكثير الكثيف الجنوني، والتحضير لكل شيء كأنه آخر شيء أقوم به قبل القيامة… ويبدو أنه خوف ينتهي بشكل إيجابي بما أنه يعلمني التحضير والتدريب والمراجعة والحذر…
هذا سر قليلون هم من يعلمونه…ههههه

يقولون إن أصعب مرحلة هي مرحلة البدايات ما هي أصعب مرحلة مررتَ بها؟
= لا أدري ما هي اصعب مرحلة. بدأنا الكتابة مع بداية التسعينات، نشر كتاب كان يشبه المستحيل بسبب الأزمة الاقتصادية والغلاء الفاحش للورق، كان متنفسنا هو الصحافة. في الصحافة كان النشر يجعلك عرضة للانتقاد باستمرار، يحدث أن يتعقد البعض، أما أنا فكنت أرفع تحديات باستمرار، وأطور أدواتي الكتابية. إحدى صعوبات البدايات كانت كثرة الأسماء الجيدة التي تقف أمامنا ساعتها، تصوري ان تدخلي الساحة الشعرية فتجدين أسماء شعراء شباب كانوا قد ظهروا إلى الوجود هم عثمان لوصيف ونورالدين طيبي ومحمد طيبي وعاشور فني وعمار مرياش ولخضر بركة والمرحومان حسين زبرطعي وحسين زيدان، أو احمد عبد الكريم وميلود خيزار، وغيرهم كثير… إنها قائمة تشعرك بالرغبة في الاستقالة، ولكن جوا إيجابيا خاصا سيطر أيامها بسبب التحرر السياسي وانتشار التعليم العالي على مستوى جيد فيما أعتقد كان يفتح الباب أمام الجميع…
ويمكنني أن أعدد العقبات حتى الغد صباحا، ولكن العقبات لها مخرجان دائما: الضعفاء ينتكسون والأقوياء تحركهم إرادة الحياة إلى الأمام فيدفعون أفقهم إلى نقاط أبعد.
أذكر أن قصائدي الأولى كانت على درجة مرعبة من السذاجة والرداءة، ولكن الإصرار جعلني
ذات يوم أحصل على اكبر الجوائز التي كان يطمع فيها أبناء جيلي، وجعلني أظهر متوجا على شريط إعلان أنباء الثامنة (في القناة الوطنية الوحيدة التي كانت تجمع الجزائريين جميعا) رفقة الإعلان عن أخبار القضية الفلسطينية ونيلسون مانديلا وصندوق النقد الدولي…. هههه.

كشاعر نال عدة جوائز مرموقة، كيف ترى لغة الشعر الجزائري المعاصر وكيف تقيم مضامين الخطاب الشعري؟
= الشعر الجزائري بخير. هو حقا في صحة جيدة منذ قرابة ثلاثين سنة. قلت إن هنالك ظروفا لكل هذا مثل نجاح مشروع التعليم المكثف للجزائريين جميعا (وهو مشروع الرئيس الراحل الهواري بومدين والفريق المرافق له أو الوارث لمشروعه من بعده)؛ وهو ما دفع إلى الارتقاء بالذائقة العمومية، وما يترتب عن ذلك من رفع في سقف المطالب الجمالية لدى الجميع… كما أن هنالك ظرفا آخر أساسيا يتمثل في تتالي الأزمات السياسية والثقافية والهوياتية أيضا، فقد دفع كل ذلك إلى خلق تحديات كثيرة أمام الشعراء… يبقى ان هنالك مؤاخذات على الشعر في السنوات العشر الأخيرة على رأسها الردة التي اراها سلبية صوب الشكل العمودي، ولهذا ظرف بائس أعتقد أنه هيمنة ظرف الذوق الخليجي الذي يجتذب إليه شكلا ماضويا من الشعر لقاء أريحية مالية معينة يطمع فيها الجميع… فقد صار الجميع يرون أنفسهم يحصلون على مواقع في التلفزيونات الخليجية والبرامج الخاصة بالشعر ، وجلها يحمل تصورا ماضويا لكي لا نقول تصورا متخلفا للشعر، خلق ردة كبيرة صوب ميراث شعري يعود حوالي ثمانين سنة إلى الماضي (زمن نزار وعمر ابي ريشة وسعيد عقل والمهجريين…)…

في روايتك ” ساعة حرب ساعة حب” توجد حرب كبيرة هي حرب “حب الكتابة”… ما سرها؟
= “ساعة حرب ساعة حب” رواية تجريبية تحاول الغوص في الأسباب العميقة للعنف الذي يجتاح الشارع العربي على ايامنا متخذا السند الإسلامي دعامة له، وذلك من خلال تصوير شخصية إشكالية هي شخصية كاتب جزائري تحول أثناء العشرية السوداء في الجزائر إلى مُفْتٍ للحركة الشهيرة “الجيش الإسلامي للإنقاذ” A.I.S، وذلك بعد تكوين أدبي عال بمصر وممارسة التدريس الجامعي لأكثر من عشر سنوات كأستاذ في الجامعة الإسلامية، وبعد نشر عدة كتب منحته مكانة أدبية هامة (الشخصية حقيقية ومعروفة في الجزائر، ولكنها مقنّعة تقنيعا تاما في الرواية).
يقع زمن الرواية بعد استفادة “الإرهابي” من قانون العفو والمصالحة وعودته إلى الحياة المدنية مزودا بقلبين (حسب تعبيره)؛ قلب عاجز عن الفكاك من الماضي الذي لازال مرتبطا به فكريا، وقلب عاجز عن الدخول التام في الواقع بسبب جروح دفينة تقع في منتصف الطريق الشاق بين آلام التاريخ والواقع والعقيدة والمجتمع والحلم والنضال السياسي.
الحكاية غوص عميق في محاولة لفهم ترتيب الأشياء في قلوب الناس وعقولهم. محاولة لفهم الأسباب التي تدفع الناس صوب حمل السلاح بعضهم ضد بعض. ومحاولة لرسم الخطوط العسيرة الفاصلة في الوعي العربي بين صورة الجلاد وصورة الضحية، في اللحظة الفلسفية المعقدة التي تطرح فيها جثتا الجلاد والضحية معا على شارع دام أراد الحب فأصيب بالحرب.
حرب الكتابة كما تسمينها تكمن أساسا في ضرورة تقديم وثائق حول زمننا نتركها تركات للمستقبل… حرب الكتابة لا تظهر نتائجها إلا بعد فوات أزمنة طويلة على فعل الكتابة… وربما يفيدنا أن نتأمل طريقة الكتاب في الدخول غلى دروب الواقع؛ فالرواية تأتي على شكل تحقيق للتلفزيون يقوم به محقق يصور ويدون يوميات وكراسة تحقيق، ونتعرف على شخصية الإرهابي المثقف التائب “قيس بوعبدالله” من خلال محاورة معارفه وزملاء الكفاح السياسي والإرهابيين التائبين – أو التائبين إلى حد ما- والأهل (وخاصة زوجته ليلى بوعبد الله) وأعلام البلدة والبلاد والطلبة وحتى الكتاب المشهورين في الجزائر الذين تتم محاورتهم مبدين رأيهم في الشخصية… كل هذه التسجيلات والوثائق والصور والبيانات والرسائل تتخللها يوميات المحقق في لعبة مرايا مشوهة؛ تشوه الحقيقة بحثا عن التحقيق الناجح وتشوه التحقيق من خلال عمل الضمير فنحصل على صورة معينة للحقيقة.
ولكن “ما الحقيقة؟”
ذلك هو السؤال الذي تفتتح به الرواية وتقف على حوافه في السطور الأخيرة؛ متراوحة بين ساعة حرب لأجل حب لم يكتمل، وساعة حب تحيل على حرب صارت تشل الحياة في الشارع العربي… حرب ربما يكون الرابح الكبير فيها غلى غاية اليوم هو الكتابة…
بالمناسبة روايتي الجديدة “ضمير المتكلم” تدور حول المحاور نفسها.

في صالون الكتاب الأخير (2021) ظهرت بقوة روايتك الجديدة “ضمير المتكلم” … ما الذي تعتقد أنه قد جذب الجمهور إلى نص لم يقرأه بعد؟
= الروايات محاولات للنظر صوب الحياة من زوايا جديدة. لهذا تبدو لنا أحيانا وصفا فوتوغرافيا للحياة وتبدو لنا أحيانا أخرى تأملا في أوضاع نتعود عليها إلى درجة اننا نصبح نجهلها، فالعادة هي نوع من الجهل المقنع في الحقيقة. الروايات في عرفي هي تجديد لعلاقتنا بالحياة. وضمير المتكلم من هذه الزاوية رواية تترجم حالات ومآلات مجموعة من الشخصيات متفاوتة الأهمية والإيقاع والتوجهات والاهتمامات: كتبي، إعلامي، كاتب، عسكري مغرم بالسينما، فنان فاشل، كاتب سيناريو، مدرس لغة عربية، امرأة أعمال، ساسة فاسدين، رجال أمن متفاوتي الأهمية، بائع حشيش ومروج مخدرات، القائد الروحي الملحد لحزب إسلامي،… وكلهم تتقاطع أقدارهم بأشكال مختلفة لكي تلتف حكاياتهم حول الكاتب، وتنتهي إلى رسم جدارية كبيرة لخمسين سنة من الفشل على كل المستويات فيما هم جميعا يحلمون بغد أفضل، ويجتهدون لتحقيق حلمهم الذي ينتهي وسط أجواء جحيمية تتشكل ببطء وتفضي على الحراك الشعبي كمحاولة لتطهير البلاد، وتأهيل الجسد الكبير للوطن العربي لكي يخرج من دائرة الحلم إلى دوائر التغيير السياسي والاجتماعي.
أعتقد أن القراء يبحثون عن إجابات أو فتافيت إجابات عن كم كبير من الأسئلة في الرواية، وهذا ما يجعلهم مقبلين عليها.

هل أنت راض عن تعامل النقد مع منجزك الإبداعي؟
النقد عندنا يعاني من غياب شبه كلي لروح المؤسسة. فالناقد إما أنه صحفي يمارس النقد على هامش مهمته الإعلامية، وإما أنه كاتب حر قد ينقد وقد لا يفعل، وإما انه صديق يجامل صديقا، والغالب أن يكون أستاذا جامعيا يراود النصوص عن نفسها (وهذه الزمرة هي الاكثر عددا)… وهذا الترتيب الهلامي للبيت النقدي لا يعول عليه، لأنه في المحصلة لولا الجهود الجبارة لبعض النقاد من أمثال الأساتذة محمد الأمين بحري ولونيس بن علي وقلولي بن ساعد لما كان لدينا شيء اسمه النقد الأدبي الجزائري؛ في ظل أن جهود الجامعيين تظل حبيسة البيت الجامعي المنغلق عموما عن القراء العموميين.
أما عن تجربتي الخاصة فيمكنني ان أقول بأنني من المحظوظين القلائل الذين لاقت نصوصهم قبولا معينا لدى النقاد. وإن كان كل ذلك لا يفي بالغرض كما أسلفت.

لك كتابان في الدراسات الثقافية، “أفق الدراسات الثقافية” و”سياسات الخطاب الأدبي”… كيف بتعامل هذا الأفق المعرفي الجديد مع النصوص الأدبية؟
= الدراسات الثقافية التي نعكف عليها منذ سنوات تعمل على تربية اليقظة من خلال التنبيه إلى تلاعب الخطابات بتجاربنا الحياتية، وكذا من خلال تجديد الوعي بالأشياء ومن خلال طرح أسئلة جديدة على تجاربنا السابقة. وحول النصوص الأدبية كلحظات فائقة في التجربة الفلسفية والجمالية للإنسان عموما.
هنالك برمجة كبيرة نخضع لها يتمحور حولها كثير من الجهد النظري للدراسات الثقافية، فنحن نتعلم في حقل الدراسات الثقافية كيفية بديعة لا قبل للمجتمع العلمي بها في إنشاء المفاهيم، المفاهيم والتعريفات لا كماهية تقوم اللغة بتمثيلها بل كوجود لا يخرج عن دائرة الاستعمال اللغوي الذي يوجدها، فالعالم في النهاية يعيش في زوبعة تشكيلات خطابية دائمة الحركة والفاعلية. الدراسات الثقافية هي طريقة معينة عند معتنقي هذا الاتجاه في الحدث عن مواضيع معينة؛ كثرت أو قلت، عوضا عن أن يكون الحقل – وهذا هو المألوف- لائحة مواضيع معينة ثابتة دالة على حقل يلملم شملها. والأدب في هذا المنظور هو أحد سندات هذا النوع من البحث غن لم يكن أهمها.

هل معنى هذا تحول ضروري للعلامات الجمالية إلى علامات ثقافية؟ ماذا يبقى من جماليات النصوص؟
= إن واقع دراستنا للأدب يجعل سلطة تقاليد الذوق المتوارثة أقوى من تجربتنا الخاصة الجديدة معه. النصوص تحمل تاريخا جماليا يهيمن على تجربتنا. وهنا خلل كبير لأننا نستعيد تجارب سابقة تحت مسميات “كلاسيكيات الأدب” أو “المختارات” او “الروائع” أو “عيون الأدب”…الخ.
ما أراه أجدى هو تغليب القراءة اليقظة الانتقادية والتي تجدد عقد الوعي مع هذه النصوص بعيدا عن استبداد الأحكام الماضية. وهذا ما يجعلني مؤمنا بأن اتخاذ النصوص علامات ثقافية (وهو ما تفعله الدراسات الثقافية) أهم بكثير من الاستمرار في التعامل مع النص كعلامة جمالية.
اللغة ميدان لفضح الإنسان وإلقاء الضوء على وعيه وما وراء وعيه أيضا، وليست ميدانا للجودة والفصاحة والبلاغة وصحة القاعدة فقط، بل إن هذه العناصر تصبح غير مجدية تماما مع مرور الوقت وتكرار الملاحظات.
اللغة تقولنا، والنصوص تختزل تلاعب العقل بالعالم، تخترق اللامقول بطرق عديدة، اللغة مرآة ذكية كثيرة المناورات… وإذا كان لا بد من تمثل فلسفة عملية للغة من خلال الوعي بالأدب كظاهرة ثقافية فإنها فلسفة سيكون عليها النظر بالدرجة الأولى في أعمال جمعت التخييل إلى التدليل، خطابها متعلق في الواقع بطريقة النظر إلى الحقيقة؛ أي في الميكانيزمات العميقة للوعي بالعالم، في ترتيب افكارنا، في طريقتنا غير الواعية في فهم عالمنا وتشكيل الواعي لخطابات أدبية حوله. أي بتجربة الوعي عند الإنسان وبخصائص مدارج حدوث المعرفة (وكذا التذوق) على مستواه.

كيف تُقيّمُ الكتابة النسوية في الجزائر وهل أنت ضد هذه التسميٌات الأدبية_ أدب نسوي _ وأدب ذكوري؟
لا أومن كثيرا بهذا التقسيم، وإن كنت في كثير من المناسبات أدعو الجميع إلى الاهتمام بالأدب الذي تكتبه المرأة لأنه يقول شيئا جديدا من زاوية جديدة لا قبل لنا بها، تماما مثلما نهتم بمذكرات رجال الثورة، أو كتب يكتبها أهل المهن؛ فكل هؤلاء ليسوا هامين بسبب القيمة الأدبية لنصوص يحدث ألا يكونوا كاتبيها –أصلا- ولكن الشريحة المتحدثة يغلب عليها ان تحمل إضافة ذات بال. وهذا هو الأهم.
من هذه الزاوية تحديدا أرى بضرورة تقليب صفحات كتب النساء، رغم تحفظي الشديد من الناحية المنهجية على التقسيم الكلاسيكي إلى أدب نسائي وآخر رجالي أو لست أدري كيف نحدده؛ بسبب أن الرجل في عنجهيته الوجودية قد انشغل بتحديد أطر لأدب المرأة فتناسى تحديد أشيائه هو، ولربما تكون الحقيقة البائسة هي أنه لا شيء يحدد ما للرجل (ولو كان نصا ادبيا جميلا) إلا أشياء المرأة.
يروقني شخصيا من نصوص النساء ذلك النمط الذي يعلن مباشرة عن غياب وجهة النظر النسائية عن النص. تروقني النصوص الجميلة التي تنسيك إن كان كاتبها رجلا أم أنه امرأة.

هل نستطيع أن نقول أن هناك نخبة ثقافية قادرة على احتواء المشهد الثقافي في الجزائر ومن القادر على حمل مشروع مثقف برأيك ؟
لا يوجد هذا الشيء الذي تتحدثين عنه. يوجد جو ثقافي يفرض نفسه، توجد أقلام حققت وجودا لا بأس به. ولكنه لا يوجد تكتل كاف أو التفاف حول شخص كاتب بعينه، فكل الكتاب الذين كبر حجمهم يبدو ان هنالك جهات معينة تعمل على تضخيم صورتهم في المخيال من خلال التكريس الإعلامي، وكل ذلك ينتهي بأن يجعلهم يؤدون دور الواجهة الثقافية لا النخبة الفاعلة. وكل ما يقوم به أصحاب الأسماء الكبرى ممن تجاوزوا الستين عندنا هو تقديم خدمات للبلاد وللنظام خاصة من خلال لعب أدوار معينة في ما أسميه الدبلوماسية الثقافية.
النخب أراها شخصيا بصدد التشكل منذ انطلاق الحراك، وهي نخب أمشاج في الوقت الحالي، ولا يمكن الحديث عنها كشيء موجود مكتمل.

ما مشاريعك المؤجلة؟
انا كاتب/ ورشة… لي دائما مجموعة من الأعمال تتشكل وأخرى قيد الطبع وأخرى في حالة أمشاج… أعتقد انني سألتفت إلى كتابات غير روائية في العامين المقبلين. ديوانان أعمل عليهما منذ سنوات، وبعض النصوص في الأدب الجغرافي، وكثير جدا من النصوص ذات الطابع السيرذاتي التي من شأنها استكمال “خزانة الأسرار”.

ماهي أهمية الذاكرة في عملك الإبداعي وماذا تختار للقرّاء من “خزانة أسرارك” ؟
الذاكرة كل شيء. الكتابة لا معنى لها في غياب عمل الذاكرة. دعيني أهدي القراء الأعزاء هذا المقطع من نص عنوانه “أذكر”:
” أذكر شعوري الغريب بالحزن إزاء كل شيء جميل قابلني. أذكر قراءتي الدقيقة في عيون النساء ومعرفتي للتي تعاني العزلة، للتي هي مشتاقة للحنان… للحاقدة…للغيورة ولكل واحدة جذبها شيء ما فيّ انا…يقال في صوتي رنة مثيرة…ويقال في عيوني شيء آسر…والأكيد انني قد مُنحت سلاسة في الحديث إلى النساء تسهل عملية غزو قلب امراة بنسبة تسعة أعشار.
أذكر الشعور بالغرابة بعدما شاهدت بعض الأفلام القوية التي هدهدت شبابي: فلم “ثمانية ونصف” لفيديريكو فيليني. قلت: هل يعرفني فيليني. وفلم “ليلة الايغوانا” مع ليز تيلور وريتشارد بيرطون وديبوراه كير، تمنيت نفسي مربوطا مكان البطل تتنازع أمري جميلتان. وكذا فلم “المتابعة الرهيبة” لأرثر بين، قلت: هل يمكن للواقع أن يكون بهذه البشاعة. وبعد فلم “قلب الليل” لعاطف الطيب، قلت: هذا ما اريد كتابته. هذا اجمل نص يمكنني أن أحلم به. بعد “الفاتنة الغبية” مع أنطوني بيركنس وبريجيت باردو، قلت: ما أروع أن يعمل الانسان جاسوسا او محققا. حدث لي الأمر نفسه مع أفلام أمير كوسطريتشا…يا إلهي…هل يمكن للسنما أن تكون بهذه الروعة؟…مؤخرا شاهدت فلما كان له أثر هذه الاعمال القديمة؛ فلم “كلاود أطلس” cloud atlas للأخوين فاشوفسكي الشهيرين بفلم ماتريكس…انتهى الفلم وظللت أتفرج على لقطات الفلم داخلي لمدة أسبوع كامل. جمال خلاب وتركيب غير معهود. سحر مقطر مادته اللقطات الصغيرة التي تخترقك في نسيج عام لا يبقي ولا يذر.
أذكر باستمرار قلقي على العصفور الذي وضعناه كريم وأنا داخل القفص.
أذكر بكائي لأنني كنت أقوم بتجربة مريعة: القي بقطرات من الكحول على عيني قطة كانت تتحبب إلي… تراه صوتي أو لون عيوني أم أنها كانت تستمع إلي وأنا أتحدث؟
أذكر كل كلمات أغاني ام كلثوم.
ولا أنسى شيئا…انا الذي لا يذكر شيئا من مرحلة ما قبل الثامنة. كم غريب أمر الذاكرة هذا.”

رسالة لابدَ أن تُقرأ لمن يوجهها الدكتور فيصل الأحمر؟
سأوجهها لأختي وردة التي ماتت رضيعة قبل أن أولد أنا بثلاث سنوات، ويبدو انني ورثت الفرح الممزوج بالحزن الذي خلفته وردة في والدتي إثر وفاتها بالحصبة ، أمي التي ظلت تشعر بالذنب لأنها لم تحافظ عليها… أو شيئا كهذا… أعتقد إن رعاية كبيرة وحنانا لا ضفاف له قد حظيت بهما، الفضل الكامل فيها لأختي الملاك وردة. شكرا وردة.

كلمة ختامية
هو هايكو من ديواني “قل … فدلّ” الحاصل على جائزة رئيس الجمهورية عام 2008:
الجدار الذي يتهاوى
يقيه السقوطَ
سقوطُ جدار

Peut être une image de 1 personne et texte

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*