“هيفيستوس*”…بقلم الكاتبة نادين بن عامر من تونس.

أراك خلقت من نسيج العنكبوت، تعلق بك كل كلمة كل موقف و كل حركة .. تعلق بك النظرات الخاطفة و اللحظات المسترقة، لزجة لا تقبلين أن تكوني بين أيادي ملساء في غير محل و لا معربة الكلمات دون مفهمة
تهربين للصمت دون مشيئة و تكونين في حضرته مقعدة، مشلولة القوافي معدومة الازرار ، كفيفة الشفاه..
أراك تلوحين للسماء بحاجبيك تحية، و لا تغضين طرفكي للغيوم و تسمحين للطيور أن تعزف على عرفك
أراكي كطير النسيم بين الاصيل و طرفه ، تشعلين الحريق ببسمة و تسدلين الخريف بحجبها
بيني و بينك سماء و غيوم و حجاب و لا يتعدى بعدُ أيدينا بضع سنتيمترات
أراك كنجم، كبقايا نجم يضيئ بما بقي فيه من نور ..
كسراب، كسكرات الموت تزورينني في اليوم في الساعة سبعون دقيقة تلقين التحية بنقزة و تذهبين دون وداع
أراك كطيف يداعب أوراق أشجارا لا يهب عليها نسيم ..

تأسرني رائحة الحريق المنبعثة منك، فرغم هذا الصمت الذي يسود المكان و هدوئك المهيب، تحترق أشياءك داخلك بقسوة في ملحمة لا أحد يعلم عنها شيئا.. أحسدك أنا على هذا الثبات ..
طالما تميزت بأنف متذوق.. يميز الروائح و إن كانت رمادا.. تمكنت من معرفة المحترق فيك دون ان تنبسي بكلمة.. ربما كانت بقايا ذكريات تودعينها على قافلة غيمة مارة ، ربما عطري هو السبب او كلمة دون هدف ، تربيتة على كتف أو نظرة تمحي كل ما سبق..
قد يكون سؤال يراودك او كلاما تمتنعين عنه
ربما دقات تكذبينها تحرقين أثرها..
أو ربما اللاشيئ ما يحترق ..
و فعلا تجعلين اللاشي بي يحترق.. اللاشيئ المصرَّحُ الحاجبُ لكل شي .. تبدين سعيدة باحتراقي ..
لا أمانع أن أحترق ضمن لائحتك.. أحترق في سبيلك كشهيد لأجل الوطن .. ربينا أنه ما عاش في الوطن من خانه و لا عاش من عاشق اخمِدت ناره ..

لم يسبح عاجز في ملكوتك كما أفعل بالرغم من الأنوار الباهتة في زوايا عقلك.. بالرغم من الأوراق الخاسرة المتناثرة في كل جانب
أتجول فيك و كأني على حافة الموت.. الموت
أشك انك من أطفأت الأنوار و تركتني ككفيف يتلمّس بعصاه الطرق و المنعرجات.. لكن الظلمة فيك لا تخليني بل لن تعيدني.. و إن لزم الامر لاحرقن نفسي و أوراقك الخاسرة لأنير عالمك و أجعلها سمادا للاقحوان
علني أجدك في إحدى الزوايا أو نتظرين في إحدى العقد كي أحلّها أو ربما أنتظر معك كي تُحل من تلقاء نفسها..

لا أخشى على نفسي الحرق قدر ما أخشى أن تسرقك إحدى الغيوم مني و انا واقف لا حول لي و لا قوة أكثر بابك بأطراف أظافري كي لا أوقض فيك ما رُدِمَ .. لا أمانع حرقي في سبيلك فطالما هويت النيران و رسمتك برماد ما أُحرِق و كأنك خلقت من رحم هيفيستوس ، تحترق قدماك ، أعصاب وجهك البارزة كلما حطت قدماك على ديمترا .. و شقك تحت عينك اليسرى و كأن الرعد صب فيه يشعّ دون قطرة سيل واحدة .. تبخَلين علي بقطرة تريح الفؤاد و تزيح غيمه عنه و تمسح الغبار عنك..

تحترق الأشياء فينا ليولد من رمادها كل شي امتنعنا عنه.

*آلهة النار عند الاغريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*