الشجرة : جمال وجلال وكبرياء… بقلم أ. د. سمير عبد الرحمن الشميري من اليمن.

إن العراك أزلي ما بين الشر والخير ، وما بين القبح والجمال ، فالجمال يفقأ عين القبح ، والقبح يمد مخالبه الحادة لتشويه صورة الجمال والإناقة والنقاء .. فالحفاظ على البيئة والإنسان يحتاج إلى ثقافة جمالية وأخلاقية ، يحتاج إلى تهذيب واحترام للبيئة وما حولها .. فالجميل المثقف يتذوق نكهة الجمال ، ويحس بسحر المكان وتغير الأزمنة والفصول في إيقاع تراتبي متسق .لقد أندهش جار المفكر الألماني عمنائيل كانط ، من هذا المفكر الذي قدم دعوى قضائية ضده ، لأنه قطع الشجرة التي تلهم المفكر فكراً ، وتمنحه راحة وفسحة جميلة للتأمل والتفكر .إن قطع الأشجار والاعتداء عليها و على عذرية البحر بقساوة ، والتهام الجبال ، ومصادرة المتنفسات والحدائق والرمال وكل فسحة للهدوء والسكينة ، فعال غير حميدة تتقاطع مع مفاهيم الخير والحب والجمال ، وتدمر السعادة وتحطم الوجدان .الشجرة التي تحمي الإنسان من الوحشة ، وتتداخل في ألفة جميلة في تضاريس وتعرجات الزمن ، وتظلل الإنسان من سياط الشمس اللاهبة ، وتعطينا شحنة من المحبة والجمال والجلال ، تعطينا الثمرات وترقق عواطفنا ومن التخشب والتحجر ، وتدفع عنا التصحر والعطش والجفاف ، وتخصب والوجدان الاجتماعي ، وتطير بنا إلى روحية هانئة .إن الشجرة تقدم خدمة جليلة للإنسان في تنظيف الهواء حتى يستنشقه نقياً ، فهي حافظة للتربة من الانجراف ، وتنظف بصورة طبيعية ثاني أكسيد الكربون ، وتدفع إلى السماء الأكسجين ، إنها تعلمنا الوقوف بثبات أمام هبوب الرياح العاتية ، وكيف نحافظ على السمو والأنفة حتى في أحلك الظروف ، دون أن نغير مكياج وجوهنا .إن تكسير الأغصان واقتلاع الأشجار من جذورها ، هو تحطيم للإنسان واجتثاث للمساحات الخضراء وللآمال المورقة في القلوب والعقول ، فالوحشة عندما تمد يدها الغليظة لا تفرق ما بين رمل وحجر ، ما بين شجرة وتصحر ، ما بين ماء وحيتان ، ولا تعترف للبحر بالبراءة ، وتوغل في التطاول على البشر وشموخ الجبال ، وتهدم كل سمة للأصالة والتفرد ، وتعزز النزعة الذئبية الباطشة للإنسان .لقد صرخ مرة الشاعر محمود درويش ، صرخة مدوية ، حين قال ” أرفعوا أيديكم عن الشجرة ! إنه الوطن ” ، وأسترسل قائلاً : ” إن الشجر يحمل مجدين : مجد الجمال ، ومجد المنفعة ، والشجر يموت إذا حان أجله .. ولكن الإنسان البطل لم يستطع حتى الآن أن يموت كما يموت الشجر مجازاً .. الإنسان يموت واقفاً ، لأن أقدامه راسخة في الأرض عميقاً .. عميقاً.. وهذا ما نسميه بكبرياء الموت ” .فحافظوا على الخضرة والشجرة التي تعيد للعين متعتها ، ولا تدعو الفؤوس طليقة اليدين في تخشيع الأشجار والعبث بكبريائها .يجب أن نحترم القوانين ، قوانين الطبيعة والمجتمع ، فالخروج عن جادة القانون يفسد البيئة والإنسان ، ويخل بالتناغم الأزلي ، ونجوى الزمان ، والتداخل الأليف ما بين الطبيعة والبشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*