قراءة بعنوان:” دعوة للبحث عن كنوز لا زالت مخفية في رواية بغداد وقد انتصف الليل فيها”… للروائية حياة الرايس بقلم الكاتبة سهيلة حماد من تونس.

الإطارالعام: التّاريخ الخميس 18/03/2021قراءة قدمتها بخيمة الإبداع، ضمن نشاط نادي السرد توفيق بكار، في رحاب شارع الحبيب بورقيبة، بتونس العاصمة، من ٠أمام النّصب التّذكاري لابن خلدون الواقع بين الكاتدرالية والسّفارة الفرنسيّة في ( البلاد السّوري) كما كان يطلق عليها زمن الاستعمار وبعده كما ورد في الرّواية على مقربة من (باب بحر)، …ذاك الموقع الجغرافي الذي شدّ الرّوائيّة… على مرأى من نصب “سي لَحبيب” والمقصود الحبيب بورقيبة -محرر المرأة التونسية، بعد أيام من الاحتفال باليوم العالمي للمرأة-…قراءة كان من المفروض أن تقدم منذ السنة الفارطة في فضاء دار الثّقافة ابن خلدون بنادينا (نادي السّرد توفيق بكار) بإدارة الدكتور مصطفى المدايني Abou Yosra ===================(بغدادُ و قد انتصفَ اللّيلُ فيهَا)عنوانٌ مخاتلٌ، يحرّكُ في الذّهنِ مشاهدَ عبرَ البوّابةِ الرّمزِ “بغدادَ”. بغداد كانتْ منذ القدمِ معراجًا للقصِّ، والرّواياتِ، فمنذ شهرزادَ، و منْ قبلهَا ملحمةُ جلجامشُ، و العالمُ يثبّتُ أنظارهُ على عالمٍ مفعمٍ بمادّةِ القصِّ و الحكايةِ و منجَمِ الخيالِ، الذِي كان أصلُ منبعِ الرّوايةِ من المقامةِ التي أوجدتْ السّاردَ العليمَ، إلى الأسطورةِ و فنِّ حبكةِ تأليفِ الحكيِ والمماطلةِ في كشفِ العبرةِ والغرضِ في النّهايةِ بالتّشويقِ والتّزويقِ والتّنميقِ والتّرميزِ، والتّعوّدِ على فنِّ إبداعِ إلتقاطِ أسرارِ العلاماتِ، و الرّموزِ من المتلقّي وفكِّ طلاسمِ المنطوقِ واقتفاءِ اكتشافِ المحذوفِ بتتبّعِ المذكورِ بحسبِ ضوابطِ شروطِ التّقديرِ…بغدادُ عنوانُ التمدّنِ و الحضارةِ ماذا وقدْ انتصفَ اللّيلُ فيهَا ؟أهيَ بدايةُ سردِ شهرزادَ الحكايةَ على أميرها شهريارَ؟..أم هي صفّارةُ إعلان قصفٍ على شوارعِها… الزّمنُ منتصفُ اللّيلِ… زمنٌ سرمديٌّ…سمتُه التّكرارُ …في الذّهنِ اشتعلت أيقونةُ حربِ الخليجِ، و تحالُفُ العالَمِ على قصفِ العراقِ بحجّةِ امتلاكهِ النّووي، وبدايةُ القصفِ من أمامِ نُزلِ هارونَ الرّشيدِ، الذي نقلتهُ جميعُ راديوهاتِ و تلفزيوناتِ العالَمِ …الخبرُ يحيلنا على محذُوفٍ، حالةُ بغدادُ وقد انتصف الليلُ فيها…أيّ منتصفٍ تقصدُ سيّدةُ الحكايةِ وقدْ مرّتْ ببغدادَ أزمنةٌ؟…فالزّمنُ المعطَى إيقاع غيرُ معرّفٍ زادَ في التّظليلِ كما هو الحالِ، الذي يعرّفُ بالحواسّ، موضع خلافٍ لاتّهام هاته الأخيرة بالنّسبيّة لمن عايشَ الوضعَ وتابعَ الأحداثَ في نفسِ الزّمنِ …على ما يبدُو هي مشاغبةٌ و مشاكسةٌ لذهنِ المتلقِّي وإعلانُ إرسالِ خبرٍ سِمتُه ظرفٌ زمكاني ليتشظّى حالاتٍ وانفعالات و ملاحمَ في ذهنِ المتلقّي، تحيلنَا على نظرياتٍ التلقِّي التِي بدأ البحثُ فيها منذُ إعلانِ عهدِ الحداثةِ إلى ما بعدَها…عنوانٌ ورد في شكلِ جُملةٍ اسميّةٍ مركّبٍة ينبىءُ بمحتوًى مركّبٍ …(بغدادُ وقد انتصف اللّيل فيها )روايةٌ احتوتْ على 240 صفحةً صدرتْ عن دار ميارة سنة 2018 .تضمّنت: تصديرا للكاتبةِإهداءً ومقدّمةً غيريةً وفاتحةَ شهيةًروايةٌ تدخل في باب االسّيرِ الذاتيّةِ والاعترافاتِ الغيريّةِ لبعض الذّواتِ. حيثُ لعبتْ تقنيّاتُ السّردِ بأنواعِها إلى جانبِ اللّغةِ والأسلوبِ والذّاكرةِ والتّشظِّي والمشهديّةِ دورَ البطولةِ، من الألفَ إلى الياءِِ موقّعاً بإيقاعِ الحذفِ والتّكثيفِ، والمفارقةِ، معَ أنسَنةِ المواقعِ الجغرافيّةِ وأسمائها وتطورها عبر الأزمنةِ ببثّ الرّوحِ فيها والاستنجادِ بكلِّ الفنونِ وكلّ العصورِ … كما لعبَ الحوارُ والمونولوجُ دورًا استراتيجيّا مخابرتيّا، في دفعِ الحكائيّةِ للسّيرِ بالرّوايةِ نحوَ التّشويقِ وتوليدِ الأحداثِ، لمشاغبةِ المتلقِّي وكسرِ كلِ توقّعاته، من دونِ أن تفلتَ منهَا غرزةٌ، أو تنشِّزَ في الآداءِ، وقدْ قسّمتْ حياةُ الرايسَ، روايتَها إلى عدّةِ فصولٍ بلغت الثّمانية وعشرين فصلا ، حتّى تضمنَ عدَمَ ملل قارئها، لذلكَ كانتْ الفصول، متنوّعةَ المواضيعِ متداخلةً في بعضِها البعضِ بشكلٍ مذهلٍ لشدِّ هذا الأخيرِ، فاسحةً لهُ المجالَ لهضمِ المعروضِ. اختلفَ طولُ الفصلِ علَى حسبِ الغايةِ والمادّةِ المتوفّرةِ، فقد بلغَ طولُ فصلِ (شياطينِ الجامعةِ)، صفحةً وسطرينِ ونصفاً وكأنّها أرادتْ أن تنبّهَ المرسل إليه، إلى لحظةِ ميلادِ أديبةٍ و بدايةِ مكابدةِ رحلةِ الكتابةِ ” الشّيطانُ أظنّهُ حينَها دخلَ عالمِي وقلمِي وأوراقِي وسكننِي وصارَ مُلهمِي الأبدِي” لتُعاضد بذلك الميتاسرد في ص86 فصلٌ كانَ أوّله هزلا وآخرهُ جدًّا…وقد شهدنَا لحياةِ الرّايسِ أربعَة تواريخَ ميلادٍ: الأولُ؛ كانَ لحظةَ ميلادِها على يدِ وحيدة بالحاجِوالثّانِي؛ لحظةَ وصولِهَا بغدادَ، والثّالثُ:؛ ميلادَ أديبةٍ،والرّابعُ؛ ميلادَ ما بعدَ قصفِ المفاعلِ النّووي ببغدادَ.افتتحت فصولها ب “ساعة الوداع”كما عنوت الفصل الرّابع عشر ” خليّة النّحل”والفصل الأخير “عروس المربد” عناوينَ الفصولِ تكشف عن رحلةٍ وجوديّةٍ لمحطّاتِ مسيرةٍ وكينونةِ حياةِ ذاتٍ…طبعا هذا في قراءةٍ انطباعيّةٍ سيميائيّةٍ للعناوينِ قبل الدّخولِ في تفاصيلِ الفصولِ …عناوينٌ مخاتلةٌ انبنتْ على إيقاعِ تّكرارِ معانى- الأوّلِ، والحبِّ والحربِ والأمِّ- والتّكثيفِ والمحسّناتِ البديعيّةِ وثنائيّاتٍ ومفارقاتٍ جمعتْ الأديبَ بالفيلسوفِ، حضرَ القرآنَُ عبر التّناصِ، كذلك المسيحُ عبرَ المسيحياتِ، وبغدادُ، والعراقُ، وتونسُ، وباريسُ الحلمِ، والمقدسُ عبر المقدسي، والحنينُ عبر بُرغلِ أمّي والأسطورةُ والفلسفةُ والرّغبةُ والبعثُ والحبُّ والحربُ والحرُّ كمَا حضرتْ الحروفُ الأبجديّةُ… عناوينٌ مثيرةٌ اشتغلتْ عليهَا الرّوائيّةُ وكأنّهَا جمعتْ بهَا كلَّ أدواتِها لتتوِّجَ بهَا فصولها . محتوًى دسمٌ مكثّفٌ جدليٌّ مثيرٌ لمجتمعينِ، يحملُ كلٌّ منهمَا صورةً مشوّهةً عنِ الآخرِ نتيجةَ انغلاقِ السياساتٍ، غرّبتهمَا عن بعضهِما البعضِ، عمّقهَا الاستعمارُ وغذّاهَا اختلافُ الرُّؤى والتّطرّفُ الفكري والدّينِي والسّياسي، في محيطٍ جيوسياسِي متضاربِ المصالحِ تطغَى عليهِ تجاذباتٌ دينيةٌ، حضاريّةٌ، ثقافيّةٌ، و سياسيةٌ، يتأرجح بين نظامين الأوّلُ رأسُماليٌّ متغوّلٌٍ، والثّاني نظامٌ شيوعيٌّ بدأ يتقهقرَ لصالح النّظام الأوّلِ بعدَ أن أثبتَ عدمَ قدرتِه على الصّمودِ والمقاومةِ…روايةٌ تتعالقُ معَ الذّاكرةِ الإنسانيّةِ والتّاريخ، ما بين مقدّمةِ جليلة الطريطر، والفصل الأوّل (ساعة الوداعِ الحارقةِ)يقع نصّ غرائبيّ شكلا، من الصّفحة 11 إلى الصّفحة 16، يأتي امتدادا للعنوانِ وظلُّ ظلالِ ذاكرةٍ، ذاتُ “الأنا”، ولذواتٍ تاريخيّةٍ، تحملها الذّاكرةُ الإنسانيّةِ، لذواتٍ في حاضرِ وواقعِ الرّوايةِ، تُوقِّعُ بصمتَها، لتكونَ رافدًا، ومرجعًا، تنتسبُ إليه النتائجُ، ومنصّةٌ تعيدُ طرحَ أسئلةٍ، تفتحُ نوافذَ على التّاريخِ، تعيدنَا بغرضِ تأريخِ البداياتِ، لربطِ أسئلةِ الحاضرِ مع نشأتِها، ومرجعيّتِها، في الزّمنِ السّابقِ، لمعرفةِ أصلِ الظّاهرةِ، والتّعرفِ على فصلِها، ونسلِها، حسبِها، ونسبِها، ومنبَع الأزمةِ، وجذورَها التّاريخيّةِ، للمقاربةِ بغرضِ زعزعةِ ورجِّ المتلقِّي، للتأمّلِ لإعادةِ قراءةٍ جديدةٍ، لأحداثٍ ووقائعٍ تاريخيّةٍ بعد إعادةِ تركيبِها، بإدخالِها لعوالِمِ الرّوايةِ، بتسليطِ الضّوءِ على مَناطقِ الظلِّ، وبعضِ المسكوتِ عنهُ، وانعكاساتهِ علَى الذّواتِ لاختبارهِ في واقعٍ تجريبِي، يعبقُ من الحقيقةِ والتّخييلِ، يفرضُ نفسهُ على القارئِ حيثُ تتقارعُ شخوصُ الرّوايةِ، ليدافِع كلٌّ عن نفسهِ بصوتهِ وبلغتِه وبحسنِ تقمّصِه للدّورِ، عبرَ منطقِ وحبكةٍ، كان فيهَا الإيهامُ السيّدَ، ولسانُ البيانِ، للإيقاعِ بالمتلقِّي بعدَ التّأثيرِ عليهِ، لإقناعهِ لتصديقهِ، وهكذا صارت الرّوايةُ التي بين أيدينا بحرُهَا السّردُ وكلُّ أنواعِ الفنونِ، وأدواتُها اللّغةُ وريشتُها الحروفُ ، وألوانها الشّاعريّةُ والبلاغةُ والمشهديّةُ، عبر المجازِ، للإيحاءِ بقصد الانزياحِ، والإبداعِ، والإيقاعِ، للعزفِ على أوتارِ الذّاكرةِ ودغدغةِ الذّهنِ، بحثًا عن لحنٍ مشابهٍ، ونغمٍ لذيذٍ، تنتشِي لهُ ذائقةالقارئِ، بحسنِ التّأثيثِ والوقفِ عند التّفاصيلِ، لإدخالهِ في بيئةِ النصِّ، باستحضارِ أشيائِه، بحيثُ تقلّصَ الواقعُ الحاضرُ للمتلقِّي، فاسحًا المجالَ لأبطالِ الرّوايةِ لاكتساحِ فضائِه محولًا إياهُ ركحًا لاحتواءِ شخوصِ الرّوايةِ بأدواتِهم وأثاثهمْ، ولباسهمْ، ولغتهمْ، ومنطقهمْ وروائحهمْ وأحلامهمْ وطموحاتهمْ، لآداءِ أدوارهمْ وفقَ تفضيّةٍ مدروسةٍ، وبحثٍ مسبقٍ تلَى فكرةً سكنتها، فهل أخفقت أم وُفِّقت؟ وهل يمكن اعتبارها نجحت في تخطي الوقوع في خطإ تقنِي ينقصُ من قيمة روايتها باعتبارها روايةٍ تاريخيةٍ، كالخطإ مثلًا في ذكرِ تواريخَ مفصليّةٍ؟ أو عدمِ الاعتناءِ بمُوضةِ العصرِ، للرّوايةِ المرجعِ، وكلُّ ما لهُ علاقةٌ ببيئةِ الحقبةِ التّاريخيّةِ والاجتماعيّةِ والعمرانيّةِ والثقافيّةِ والفكريّةِ السّائدةِ التي ستؤثرُ حتمًا على شخوصِ الرّوايةِ في ثنائيّةٍ ضدّيةٍ حتى تقضِي على المللِ؟ …استخدمت تقنية التّشويقِ عبرَ المخاتلةِ تأخيرا وتقديما استرجاعًا وقفزًا وتوقّفًا لسبرِ أغوارِ بعضِ الشّخوصِ، معَ الحرصِ على كسرِ أفقِ انتظارِ المتلقِّي للمتعةِ لمنحِ القارئِ فسحةً لملمةِ بناتِ أفكارهِ ليتعالقَ مع النصِّ لتحصلَ الفائدةَ من الجدلِ…كانت هذه بعجالةٍ، دعوة بالمختصر المفيد لتحفيز القارئ للاطلاع على الرّواية، بقصد الغوص في تفاصيلها بكلّ دقّة وعناية لاستكشاف بقية كنوزها…علما أن هذا التقديم هو جزء من دراسة مطوّلة سأنشر بقيتها في قادم الأيام على صفحتي.تعرضتُ فيها لبعضِ أبعادٍ رصدتُها ورأيتُ أن أتناولَ كلَّ واحدةٍ في مقالِ لئوفِيَ الروايةَ بعضًا من قيمتِها الأدبيةِ الحداثيةِ العاليةِ والرّصينةِ، في إطارِ ملامسةِ الرؤيَا، بحثًا عن الأديبةِ من خلالِ أثر أُعتُبرهُ سيرةً ذاتيةً، ذاتِ خصوصيةٍ متفردةٍ في منهجية العرضِ والطّرح واللّعبِ على مفرداتِ اللغة، بحرفيّة، مزجت بين الأدبِ والفلسفةِ، في عرسٍ عربي إقليمِي كسرَ الحدودَ منفتحٌ على الآخرِ وعلى كل أشكالِ الفنونِ وفقَ مدٍّ وجزرٍ في التاريخِ…خدمت رؤية الأديبة في إطار مقاربةٍ بين الهنا والهناك المنفتحِ جغرافيا…بحثا عن إنسانيةِ الإنسانِ …من خلالِ العلاقاتِ التي تربطُ الأفرادَ بعضها ببعض.وفي الختام أشكر حسن انتباهكم واستماعكم …تاريخ إنجازها مارس 2020 زمن الحجر الأول( للكرونا -كوفيد 19- الجائحة المستجدة ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*