إِلى المُمَرِّضِ بِمُناسَبَةِ اليَومِ العالَمِيِّ لِلتَّمريضْ .. بقلم الكاتب رجا الأشقر من لبنان.

قِيلْ : إِذا أَنْقَذْتَ حَياةَ شَخْصٍ فَأَنْتَ بَطَلٌ ؛ أَمّا إِذا أَنْقَذْتَ حَياةَ مِئَةِ شَخْصٍ فَأَنْتَ مُمَرِّضْ ” .
ما أَجْمَلَ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَيْكَ يَدٌّ تُمْسِكُ ذِراعَكَ بِتُؤَدَةٍ ؛ لِتََقِيسَ ضَغْطَ دَمِك ، أَوْ لِتُزَوِّدَكَ بِمَصْلٍ تَحْتاجُ إِلَيهِ ؛
وأنتَ راقِدٌ في سَريرِ المَرَضِ ؛ بَعِيدٌ عَنْ أَهْلِكَ وأَحِبَّائِكْ ..
يَدٌ تَحْمِلُ إِلَيْكَ الدَّواءَ في مَوعِدِهِ ؛ مُرْفَقاً بِعِباراتِ
اللُّطْفِ والمُجامَلَةْ..يَدٌ تُنَظِّفُ جُرْحَكَ ، فَتُنْسيكَ أَلَماً
أََمَضَّكَ ، وتَمُُّدُّكَ بِشُحْنَةٍ مِنْ عافِيَةٍ اسْتَنْزَفْتَ بَعْضَها في أَيَّامْ .. يَدٌ تُبَدِّلُ لَكَ الثِّيابَ والأَغْطِيَةَ ؛ فَتُشْعِرُكَ بِالنَّظافَةِ دَوماً ؛ وأَنَّكَ تَسْتَحِقُّ الإِهْتِمامَ والرِّعايَةَ ؛ وَإِنّكَ في أمانْ ..
وإِذْ تَنامُ مِلْءَ جُفونِكَ ؛ وَقَدْ دَهَمَكَ نُعاسٌ في غَيْرِ
مَوْعِدِهِ وَهَدَأَتْ حَرَكَتُكَ ؛ يَبقى هُناكَ عَيْنٌ يَقِظَةٌ لا
تَنامُ ؛ تَتَفَقَّدُكَ على مَدارِ الوَقْتِ، وَتُغالِبُ الكَرى تَلْبِيَةً
لِنِداءِ جَرَسٍ يُنْذِرُ بِحاجَةٍ مُلِحَّةٍ ، أَوْ يُنْبيءُ بِوُقوعِ خَطْبْ .. إِنَّهُ المُمَرِّضُ رَفيقُ المَرضى الدَّائِمِ ، ونَزيلُ
المُسْتَشْفَيَاتِ الدَّائِبِ ، وَمَلاكُ الرَّحْمَةِ الحَارِسِ ؛ لا يُغادِرُها إِلّا لِوَقْتٍ يَعودُ فيهِ أَهْلَهُ أَوْ عِيالَهُ، ثُمَّ يُقْفِلُ راجِعاً ؛ كَاَنَّما أَوْدَعَها نِصْفَهُ الغالِيَ وكُلَّ ما عَمَرَتْ بِهِ
ذاتُهُ مِنْ قِيَمِ المَحَبَّةِ والتَّسامُحِ والتَّضْحِيَةِ واحْتِرامِ الكَرامَةِ الإِنْسَانِيَّةْ ..
في السِّلْمِ تَراهُ حاضِراً بِزِيِّهِ المَعْروفِ وأبْتِسامَتِهِ
الهادِئَةِ ؛ يَتَنَقَّلُ بَيْنَ الأَسِرَّةِ مُتَفَقِّداً هذا وَذاكَ ، عامِلاً
على تَلْبِيَةِ احْتِياجَاتِهِمْ؛ فلا يَتْعَبُ ولا يَتَبَرَّمْ .. يَتَلَقَّى
الشُّكْرَ حِيناً والشَّتِيمَةَ أَحْياناً ؛ فَيُواجِهُ الأَمْرَ بِطولِ بالٍ ، وَيُتابِعُ عَمَلَهُ كَالمُعْتادِ دونَ تَذَمُّرٍ أو شَكوى ..
وفي زَمَنِ الحُروبِ ، والكَوارثِ الطَّبيعِيَّةِ ، والأَوْبِئَةِ ؛
يَتَعاظَمُ دَورُهُ، وَتَتَضاعَفُ مَسْؤولِيّاتُهُ نَتِيجَةَ الضُّغوطِ
المُتَزَايِدَةِ النَّاجِمَةِ عَنْ حالاتِ الطَّواريءِ الّتي تُرْهِقُ
الجِسْمَ التَّمْرِيضِيَّ ، في غِيابِ الإِمْكانِيَّاتِ المُتاحَةِ ، وأْنْعِدامِ الظُّروفِ الطَّبيعِيَّةْ .
اليَوْمَ نَعودُ إِلَيكَ ؛ والوَباءُ على الأَبْوابِ لِنَشْهَدَ أَنَّنا
ظَلَمْناكَ وَلَمْ نُوَفِّيكَ حَقَّاً كانَ واجِباً حَتّى في سَاعاتِ
الشِّدَّةِ وفي الوَقْتٍ كانَتْ فيهِ سَلامَتُنا مُهَدَّدَةٌ ، وكُنَّا في رِعايَتِكْ ..
أَيُّها الجُنْدِيُّ المَجْهولْ الواقِفُ على حُدودِ وَباءٍ يَضْرِبُ
في كُلِّ صَوبٍ ؛ وأَنْتَ تُقارِعُ الخَطَرَ غَيْرَ هَيَّابٍ مِنْ
عَدوى قَدْ تَتَسَلَّلُ إِلَيكَ خِفْيَةً؛ فَتُهَدِّدُ حَياتَكَ، وَتَقْضي
على مُسْتَقْبَلِ مَنْ هُمْ في عِهْدَتِكَ مِنْ عائِلَةٍ وأَهْلٍ يَنْتَظِرونَ عَوْدَتَكَ سَالِماً ، معافى ..
اليَوْمَ يَضيقُ عَلَيكَ الخِناقُ وأَنْتَ مُحاصَرٌ بَينَ وَباءٍ لا
يَرْحَمُ وَعُقوقٍ يَسْكُنُ الضَّمائِرَ المَيْتَةَ؛ تُغالِبُ وَجَعَينِ
اثْنَينْ : التَّعَبُ وَهَمُّ العائِلَةِ مِنْ جِهَةٍ؛ وَغُبْنٌ عُمْرُهُ مِنْ عُمْرِ المِهْنَةِ مِنْ جِهَةٍ أُخرى ؛ يدومُ ؛ ولا أخالُهُ يَزولُ بِكَلِمَةِ شُكْرٍ مَمْجوجَةٍ ، وَوَعْدٍ لا يَسْتَقيمُ ، وَوِسامٍ لا يُسْمِنُ ولا يُغْني مِنْ جوعْ ..
أَيُّها الموُغِلُ في إِنْسانِيَّتِكَ حتّى حُدودِ التَّضْحِيَةِ ،
وَنُكْرانِ الذَّاتْ .. لِيُبارِكَ الرَّبُّ جُلْجُلَتَكَ، ولْيَفُكَّ عنكَ قُيودَ الإِسْتِغْلالِ ، ويُبْعِدَ عَنْ طَريقِكَ عَثْرَةَ العَوَزِ ،
وََذُلَّ المَهانَةِ ؛ لِتَعِيشَ حُرّاً ، عَزِيزَ الجَانِبِ ، مُكَرَّماً ، ولِيُطاوِلُ خَيْرُكَ كُلَّ النُّفوسِ المُعَذَّبَةِ ؛ فَتَسْكُنُ أَوجَاعَها ، وَتَشْكُرُكَ على حُسْنِ صَنِيعِكْ ..
خَيْرُ الخِتامِ صَلاةٌ نَرْفَعُها على نِيَّةِ المُمَرِّضينَ ،
والمُمَرِّضَاتِ في لُبنانَ ، وفي العالَمِ العَرَبِيِّ ، والعَالَمِ الّذينَ يَتَحَدّونَ المَوتَ بِشَجاعَةٍ نادِرَةٍ، وَإِرادَةٍ صَلْبَةٍ لا تُقيمُ وَزْناً لِمَخاطِرَ قَائِمَةٍ ، ولا تَحْسَبُ حِساباً لِدَيْنٍ مُسْتَحِقٍّ ، ولا لِشُكْرٍ خَجولٍ يَتَداعى عِنْدَ انْتِهاءِ المَرَضْ ..
في الخِتَامِ نَقولُ لكْ : أَنْتَ خَيرُ رَسُولٍ لِسَلامَةٍ
نَحْتاجُ إليها اليَومَ ، وفي الغَدِ ، وفي كُلِّ وَقْتْ ..
لَكَ كُلُّ المَحَبَّةِ، وَلِرِسالَتِكَ كُلُّ التَّقْدِيرِ والإِحْتِرامْ ..
12/5/2021 رجا الأشقر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*