“ذكرى وفاة أبي” بقلم الكاتبة حفيظة فرحان من المغرب.

في مثل هذا اليوم خطف شبح الموت ابي إلى الأبد ،خطفه من أمام ناظري ،اصفرت وجنتاي عندما قال بشق النفس أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسوله ،وسقطت يداه أرضا ،انقطعت أنفاسي ،وزادت نبضات قلبي ،وبعد برهة تنفست الصعداء و أطلقت صرخة مدوية هزت أرجاء المنزل ،ثم انحيت ، اوقظه، وأنادي عليه والمس شعره الطويل ووجهه البارد ،قبلته على جبينه وصرخت “ابي …أبي ” وما من استجابة، مات، كلمة مات رنت كالجرس في اذني ،إنها الحقيقة ،الحقيقة المرة التي جرحت كياني.أردت أن اعانقه عناقا لا ينتهي، إيمانا مني ،بأنني لن اراه مرة أخرى ،ولكن بعض الجيران أبعدوني عن جسده الأبيض المسجى ،لغسله ووضعه في الكفن ..
بدأ ترتيل القرٱن “….الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ،الذي خلق سبع سموات طباقا ،ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت ،فارجع البصر هل ترى من فطور .ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئٱ وهو حسير ….”
وانا أكفكف دموعي ،الجميع من حولي منشغلون، أحدهم بالجنازة وٱخرون بإعداد وجبة الغداء للزوار ،كرهت العزاء ،وكرهت وجبة العزاء ، تمنيت لو أن أحدهم عانقني بقوة وهمس في أذني قائلا “أباك لم يمت “، تمنيت لو اعارني أحدهم اهتمامه ،وانا البنت الصغيرة في الدار، حتى أمي لم تسأل عني ،أخذوها من أجل ارتداء اللباس الأبيض ،إخوتي منشغلون ،اصبحت وحيدة منذ تلك اللحظة …
أيها الأب ذو القلب الكريم هل تسمعني ؟هل تسمع نشيج بكائي ؟
أحاول عبثا ،ان أستوعب معنى أن تكون ممدا أمامي داخل الكفن ،ميتا ،متناهيا وراحلا عني .وأنت كالظل بالنسبة لي لا تفارقني في أية لحظة . هل أمد يدي لافك عنك لثام الكتان الأبيض السميك ليطالعني وجهك الصبوح ،ومن يدري قد تتفتح العينان ويفتر الثغر ؟
ولكنهم هاهم ٱتون حاملين النعش الخشبي فوق ظهورهم ،وهم يرتلون القرٱن ،ثم ينشدون الأمداح ،عاقدين العزم على حملك و رميك في قبر النسيان ،سقطت أرضا، ولم اعد اقوى على الحراك ،تمزقت روحي إربا إربا ، فقدته إلى أبد الٱبدين .أحاول الوقوف واللحاق بهم إلى المقبرة ،وفقيه الدوار يجلسني في مكاني ،وينهرني قائلا : بأن النساء لا يتبعن الجنازة ،لعنته في خيالي ،وشتمته، شتمت التقاليد والأعراف ….خرجوا ،ولازلت في مكاني ،والوافدون يدخلون كالذباب من الباب الكبير ،ولسانهم لا يفتر عن الترديد “عزاؤنا واحد ” ،عزاؤهم واحد ،ولكن لا عزاء لي ،لا عزاء لي …وضعوه تحت التراب ،وعادو للأكل والشرب ،إلا انا من دفنت معه وأنا حية ..لم يمر سوى اسبوع وغادر الجميع ،أصبح المنزل موحشا بدونك ،اصبح خاليا وخاويا على عروشه إلا من أنا وأمي وفرسك الذي اوصيتنا عليه قبل وفاتك …
ها قد مرت اربع سنوات ، وكأنها البارحة ،لم استطع نسيان موتك ورحيلك عنا
الرحمة والمغفرة أيها الأب الحنون ..

5 Replies to ““ذكرى وفاة أبي” بقلم الكاتبة حفيظة فرحان من المغرب.”

  1. حتما هذه رصاصة الحزن التي تنتضر كل المخلوقات محتم الموت على درية ادم حيث هو ثمرة الخطيئة فلاداعي للحزن فروح ابوكي يغمرها السلام والرحمة .

  2. رحمه الله وأدخله فسيح جناته..مررت بتجربة مشابهة لما ذكرته خاصة على مستوى الشعور الداخلي

  3. صعب للغاية ان نجعل من احزاننا حكايات نرويها بأفواهنا ،دكريات طالما اغرورقت لها عيوننا بالدموع ،وخفقت لها أفئدتنا ،لكنها تبقى فريضة الحياة.رحم الله موتى المسلمين اجمعين ،وجمع المتحابين في الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله 🙏🙏

  4. حينما يتحدث القلب لا خيار للسان سوى أن ينطق .رحمه الله تعالى اختي حفيظة .دمت للقلم وفية

  5. جميل جميل بتوفيق
    اللهم ارحمه واغفر له واجعل مثواه الجنه يارب. العالمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*