الهدرة العشرون: من أكل شكولاطتي؟ بقلم الكاتبة سونيا عبد اللطيف من تونس.

في الخزانة،

كتب، كرّاسات، طباشير، طلاّسة،

محفظتي،

وبعض الأوراق

اليوم فتحتها،

كأنّ غريبا اقتحمها

جال في أرجائها

و تسلّى بمكوّناتها وعبث

هذه آثاره

لقد أدركتها …

كلّ شيء أخرجته

وجانبا ألقيته

ملعون وملعون أبوه…

في ظهر الخزانة ثقب

لاشكّ، أنّه منه مرق

تبّا… شكولاطتي حفظتها

في رفّ داخلها

تشمّم الوقح رائحتها

سريعا هبّ يهشّ إلى أكلها

ما عاد يصلح شيء

ألقيتُ بكلّ شيء

ورحتُ أبحثُ عنه بين الأوراق

من رفّ إلى رفّ

اللّعين لا أدري من أين هرب

والشّكولاطة ما عدتُ في الخزانة

وضعتها

تونس في : 22 أكتوبر 2018

بعد هذه الحادثة بأسبوع، فتحت خزانة القسم لأتناول محفظتي وأدواتي وغطاء المكتب وميدعتي إذ بي ألمح شيئا يختفي وطرف خيط أو حبل رقيق يتحرّك… تراجعت قليلا إلى الوراء وصحت… لقد انسحب كليّا.. حدّثت نفسي إنّه الفأر اللّعين ما يزال في الخزانة يصول ويجول…

شعرت بقرف من كلّ شيء.. وعفت كلّ شيء… فرحت أجذب الأشياء باحتراس وألقي بها على طاولة جانبا.. تفطّن إليّ التّلاميذ فصاحوا: هل عاد الفأر سيّدتي؟

-أجل عاد.. من منكم لا يخاف؟ ليأتي ويخرج لي الكرّاسات والأدوات جميعها من الخزانة…

-أنا..

-أنا..

– أنا…

وتجمّع حولي أربعة تلاميذ وجعلوا كالمجانين يطلعون المحتويات من الخزانة…

قال أحدهم وقد تراجع قليلا:

-إنّه هنالك يا سيّدتي خلف تلك الكتب لقد لمحته…

-اجذب الكتب ولا تتكلّم… نريده أن يخرج أوّلا…

لاشيء… لا وجود له… اختفى… لابدّ أنّه انتقل إلى الباب الثّاني للخزانة الذي هو على ذمّة زميلتي…

مرّت زميلة من أمام القسم، شاهدتْ الفوضى، أخبرتها بما حدث فقالت لابدّ من جذب الخزانة وإفراغها كلّها والبحث عن ثقب فيها وسدّه…

جذبناها، فعثرنا على ثقبين في ظهر الخزانة لقد صدقتْ زميلتي.. ونحن كذلك إذ نلمح الفأر يهرب تحت المصطبة…

سددتُ الثّقبين باللّصق… أخرجنا المصطبة الأولى والثّانية كنّا نشاهده في كلّ مرّة يهرب من تحت مصطبة إلى أخرى… الآن عرفناه أين يوجد، لقد حاصرناه… إنّه تحت المصطبتين اللّتين عليهما المكتب وأقف أنا أيضا عليهما… لابأس…

وضع تلميذ قطعة خبز بالجبن اقتطعها من لمجته ليجرّب الفأر في شقّ بين المصطبتين فاختطفها الخبيث في رمش العين وعاد إلى الاختفاء…

بعدما أنهيتُ كلّ حصصي وانصرف التّلاميذ إلاّ اثنين استبقيتهما معي… رفعتُ المكتب وبعض الكراسي التي تعطّل حركتنا… ثمّ رفعنا المصطبة الثّالثة وأخرجناها بحيث رأينا الفأر يهرب تحت آخر مصطبة… جلبتُ مكنسة وسألتُ الطّفلين مساعدتي فرفعا المصطبة بهدوء كي أتمكّن من ضربه لكنّه كان أسرع منّا ومن حركاتنا ولا نعرف كيف ولا من أين خرج… كنّا في الحقيقة جميعنا نهتزّ ونتراجع إلى الخلف حين يظهر فجأة… وظللنا قرابة الرّبع ساعة نطارده في أركان القسم الأربعة وتحت خزانات القسم الأربعة… كنّا نجري ونلهث وراءه.. نجذب خزانة يفرّ إلى أخرى… دوّخنا اللّعين وأتعبنا… خفت إن تركته يعود إلى الخزانة… لذلك عزمت على قتله أو طرده من القسم… سكبت قارورة ماء وراء خزانة قال لي تلميذ أنّه رآه يختبئ وراءها ثم جذبناها فنطّ وجرى نحو خزانة أخرى قريبة من الباب.. قلتُ للتّلميذيْن أن يبتعدا عن جهة الباب وأنْ لا يهربا إلى تلك النّاحية ليجد فرصة للهرب..

صدق حدسي، فبعد جري ولهاث وصراخ ومدّ وجزر خرج البطل من الباب نازلا في الدّرج فلحقتُ به لأتأكّد… كان الدّرج مبلّلا بسبب المطر الذي كان ينزل طيلة الصّباح وهذا ما ساعدني على مطاردته وملاحقته بعد أن تبلّل هو الآخر إذ كان ينزل الدّرجات درجة درجة وكنت أحاول طعنه بالمكنسة المرّة تلو المرّة وأنا أصرخ وأقفز في كلّ مرّة حتّى أصبته ذات مرّة…

ارتحت واسترحت… وتنفّست الصّعداء كما يقول التّلاميذ في إنتاجاتهم الكتابيّة كلّما يتخلّصون من مشكل ” وتنفّست الصّعداء وعدت فرحا مسرورا “، وفعلا عدت مسرورة لأنني قمت بعمل بطولي، لقد قتلت فأرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*