حمام الرياض… قصة قصيرة بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.

‎في إحدى جهات المدينة القديمة يقع حمام بلدي كبير، فوق باب واجهته الرئيسية علقت لوحة كتب فيها بخط بارز: حمام الرياض للرجال و النساء. و بخط أقل (6 دراهم).- النساء: من 7,00صباحا الى 5,00 مساء.-الرجال: من 6,00 مساء الى 12,00 ليلا.
‎ يتوزع المجال الهندسي للحمام الى غرفتين واسعتين، واحدة ساخنة في الأقصى لا يفصلها عن الفرن الخاص بتسخين خزان الماء الاّ حائط إسمنتي مسلح، و ثانية متوسطة الحرارة واسعة الأرجاء بها صنابير المياه الباردة و الساخنة، ومرحاضان. وفِناء كبير حيث يتكوم عرام الحطب ثم قاعة صغيرة مخصصة للصلاة في زاوية منه. اما مدخل الحمام فقد صمم على شكل قاعة للاستقبال مجهزة بمقاعد ثابتة وخزانات لوضع اشياء رواد الحمام ومسند خشبي (كونطوار)ورفوف على شكل دكان صغير لبيع كل لوازم التحمم كالصابون و الشمبوان والموسى و مشط الشعر و معجون الاسنان وفوطات و كذا مشروبات لتبريد اجسام الخارجين من الحمام.
‎ باستثناء أيام الأعياد الكبرى، فإن الحمام يشتغل طول السنة من طلوع النهار الى منتصف الليل و يشهد اقبالا كثيفا مساءات ايام الخميس على الخصوص و ليلة الاعياد الدينية وعطل العمال الكادحين. احيانا يعرف الحمام حركة غير عادية حين تستأجره عائلة احدى العرائس قبيل ليلة “الدخلة”، فترافق العروس نساء و فتيات الاقارب و الجيران… و يتحول الحمام الى مسرح لعرض الازياء و الصفقات و عقد الخطوبات الأولية و ترويج اخبار الناس مع نشر الإشاعات و التباهي بالأشعار و الزغاريد… وفي الأيام العادية تستغل النساء فرصة الذهاب الى الحمام لإزالة الرضاب من رؤوسهن أو تنقية أجسادهن من أدران الحيض أو إزالة وسخ الجنابة…و عادة تصطحب النساء معهن أولادهن لغسلهم و التعريف بهم.
‎ يوم الخميس، الموعد الأسبوعي لوصول الشاحنة المحملة بالحطب الذي يتم إدخاله عبر البوابة الخلفية للحمام حتى النساء المعوزات يتجندن في حمله من الغابة المجاورة، لكن المزود الرسمي لهذه المادة الحيوية يكون قد تحصل عليه الحاج الطيب عن طريق معرفته القديمة بأحد أعضاء مكتب المجلس البلدي… يحرق”الحماشي” من الحطب في اليوم طنين.
‎من الواجهة الرئيسية للحمام كانت النساء يتقاطرن فرادى ومثنى وثلاث مختلفات الأشكال والأحجام في أيديهن قفات و محافظ وأطفالا و طفلات، وكان الحاج الطيب كعادته جالسا عند الخياط المقابل يحتسي معه كؤوس الشاي ويتجاذبان أطراف الحديث لكن العين على باب الحمام تراقب عن كثب… وتبعا لذلك لجأ الى تعليق صفيحة بغل على الباب و “خامسة” بها عين و في الداخل علق لوحة غرافيك فيها: ” هذا من فضل ربي”. و رفع في سومة الاستحمام خمسين سنتيما مرة واحدة.
‎ مــــع انبلاج فجر الجمعة غادرت مناش منزلها الوطيء المطلي بالنيلة الصفراء، في اتجاه الحمام و ورائها تتبعها ابنتها سعاد. مناش أرملة في الخمسين مات زوجها أيام الوحم قبل أن تضع ابنتها الوحيدة ذات الخمسة عشر خريفا.. تتبعها كالعادة كل صباح إلى مكان العمل. سعاد! شبه أمها في الصغر؛ مكتنزة الجسد، وجه مدور، وجنتان ورديتان ملحمتان عينان واسعتان عسليتان و شفتان تنضخان بالدم…
‎رويدا رويدا، مسافة الاستعداد، تتنسم مناش و ابنتها عطر الصباحات في الطريق إلى الحمام.
‎تفتح الأم الباب و تتجرد مباشرة من جلبابها الأخضر الذي تعلقه البنت على مشجب وراء المسند حيث تجلس فتتفقد ما بداخل القمطر وترتب مبيعات الحمام من مستلزمات التحمم، فيما تتجول أمها بين المرافق تراقب و تتأكد من اشتغال المصابيح و صنابير المياه الساخنة و الباردة، و تحصي المغارف والدلو والقراقيب حتى تطمئن من جاهزية كل الحمام لاستقبال الزبونات.
‎ تستحضر الحماشي و تفتح الباب الصغير الذي يفضي الى الفناء فتجده هناك عند خزان الماء وموقد النار، شاب أعزب طويل القامة مكتنز الجثة مفتول العضلات، وجه أسمر باسم يكاد يتدفق دما بفعل الحرارة وهو عند فوهة الفرن يدفع بالخشب إلى ألسنة النار المستعرة. أحس بمناش تفتح البوابة و تطل عليه فبادرها:
‎- صباح الخير للامناش، هذه هي القطع الأخيرة و سأمشي.
‎- إذن لا تنس أن تغلق الباب وراءك، ردت عليه و عادت الى الداخل من حيث أتت لتستقبل أول زبونة و ثانية و ثالثة… وفي حدود السابعة من الصباح تكون قاعة الاستقبال نصف ممتلئة تقريبا بالنساء والأمهات وبنات وبنون، يتنقلن وسط القاعة، يتجردن من الألبسة ويتسوقن عند سعاد بنت مناش.. وامرأة بكماء بينهن مألوفة تجري حوارات ميمية مقتضبة مع بعضهن هنا وهناك. ثم دخلت الواحدة تلو الاخرى وأخذن أمكنتهن في الحمام، كل واحدة بحسب ما يناسبها من حرارة مكان أو اتساع أو تهوية.. و كأن الأوضاع قد سطر من قبل! والواقع أنهم مواظبات ومتعودات ! .. ما أن وصلت الحادية عشر حتى كان الحمام يعج بالنساء و البخار و الضجيج.
‎ داخل المرافق أشبه ما يكون بلوحات فنية، رسومات حية متحركة، أجسام لبنين و بنات عاريات و كتل لحم و أعضاء، منها من يرتدي التبانات الواسعة و الضيقة و منها التي لا تضع حمالات الصدور فتتدلى النهود بمختلف معماراتها و ألوانها… حركات حثيثة بين مرافق الحمام، بعض النساء يحملن الدلو، بعضهن يحك ظهر بعض، يضعن الصابون الرومي و البلدي يغسلن شعورهن بالشمبوان و الغاسول، يسكبن الماء الرطب على أجسادهن فيتدحرج رقراقا كاللجين… في ركن داخل الحمام، البكماء تقوم بحركات دءوبة وهي تسابق الزمن؛ تمدد امرأة على البلاط الأملس، تدلكها و تفرك عضلاتها، تحك لها ظهرها و بطنها وصدرها و ما تحت تبانها، تضع عليها الصابون، تملأ الدلو وتغسلها.. و ما أن تنتهي منها حتى تشرع في امرأة ثانية بنفس النشاط. البكماء من عادتها أن تكسل معدل عشرة نساء يوميا ! ازدادت حرارة الحمام وصبيب الأنابيب و اللغط و البخار وتنقل المستحِمّات بين المرافق، الممر بين القاعة الساخنة و القاعة متوسطة الحرارة يشهد حركة كثيفة، امرأة تهرع بردوفها المكتنزة نحو دلو تتعثر وتسقط أرضا، أخرى تحك أطراف ولدها الصغير وهو يبكي، في زاوية، واحدة ولت وجهها شطر الحائط تحلق ابطيها و أخرى في المرحاض فرجها، تحرش هناك ومناوشات طفيفة.. ومناش تصفق وتدعو المستحمات للاسراع بالخروج من الحمام.
‎ انسحبت” البتول” تدريجيا إلى قاعة الاستقبال محمرة الوجه بفرط الحرارة و الحك، ما أجملها، سحبت فوطة و وضعتها فوق رأسها المبلل ثم توجهت الى فناء الحمام مخترقة البوابة الصغيرة قاصدة الحجرة المخصصة للصلاة.
‎”البتول” 25 سنة، معتدلة القامة، بيضاء واسعة العينين ممتلئة الأطراف، جيدها يشبه جيد رئيفة لطفت، صدرها واسع رحب عليه ذهب و جوهر و حدائق ورد و ياسمين و تفاحتان.. جسم من مغناطيس، كل من يراها يتمناها لنفسه.
‎عرفها الحماشي صدفة ذات فجر ولأول مرة لما وطأت قدماه الحي النيلي الذي تسكنه مناش. ذات يوم كان الحماشي قد أضاع مفتاح الباب الخلفي للحمام، و لما أراد أن يستعيره من مناش، طرق بابا غير بابها فإذا بالبتول، جارة مناش، تطل عليه فتخترق حياته مرة واحدة و تستقر في ذاته مع غريزته. كلمات قليلة:
‎- اسمحي لي هل هنا تسكن للا مناش التي..
‎- لا يا أخ، ها هي ذي الباب لونها أزرق.
‎- اسمحي لي إذا كنت قد..
‎- لا ليس هناك مشكل، أطرق الباب عسى أن تجدها إذا لم تكن قد خرجت.
‎كانت هذه الكلمات القليلة كافية لربط المصير بينهماالعلاقة بينهما، و ستتوطد الحميمية شيئا فشيئا و تدخل في نسيج حياتهما اليومية، فالحماشي سيزورها سرًّا في منزلها والبتول ستتفقده من حين لآخر في الحمام عند خزان الماء حيث الحجرة المخصصة للصلاة.
‎ مناش والكسالة البكماء لا تعرفان التوقف عن الحركة، تجمعان الدلو و الشباشب، تنظفان مرافق الحمام وبالكراطة تزيحان الأوساخ وبقايا أشياء الحمام المستعملة من فتحة قناة صرف المياه… تتسلمان قطعا وأوراقا مالية و تستودعان النساء ولا يجلسان إلا قليلا. وسعاد، بنت مناش، وراء منبرها كلها حيوية ونشاط، ترتب المبيعات وتتسلم بدورها أوراقا و قطعا نقدية.
‎كانت سعاد كأية فتاة بالغ، تتطلع إلى أن تكون… وترغب في اكتشاف الجنس الآخر و قد حرضتها رغبتها الجامحة على الاقتراب من أقرب رجال محيطها الصغير. والحماشي الذي ألفها و ألفته، كان يدلعها دلعا فيه شبقية وتهييج؛ قال لها ذات مرة:
‎ـ هؤلاء النساء لا يشبعن من النكاح، إنهن هنا دائما في الماء مثل الضفادع. و هي تفهم ما يقول. حتى أنه كان يختلس أحيانا ضربها في مؤخرتها حين تمر من الفناء الى الدكان عبر البوابة الصغيرة، و هي لا تمانع…و فجأة انقطعت عن المجيء إلى دكانها.
‎ مضت أيام و أيام و متجر سعاد يتيم لا يجلب الأنظار كما قبل. كانت مناش و البكماء تمران من حين الى آخر وراء المنبر الخشبي لتلبية رغبة الزبونات. سألت مناش إحدى النساء:
‎- ما لي لا أرى الحجلة ابنتك، أترى زوجتها و أنا لا أعرف شيئا؟
‎و لم تتفاجىء مناش، فقد كانت تتوقع أسئلة النسوان عن ابنتها ولاسيما بعد فعلتها. لذلك وفي قليل من الحرج أجابت:
‎- اسكتي اسكتي يا أختي، لقد نزلت علي مصيبة، تصوري فتاة تصير حاملا دون أن يمسها رجل!
‎- كيف ذلك؟ استفهمتها الزبونة بمزيد من التطفل.
‎- لقد اصطحبتها الى طبيب فقال لي بأن المني يمكن أن ينتقل بطرق كثيرة وليس فقط عن طريق النكاح والإيلاج ! و ما كادت تنتهي من كلامها حتى قاطعتها المرأة مستدركة:
‎- إيه، نعم، لقد حدث في مولاي يعقوب أن حملت إحدى الفتيات بمجرد أن لبست سليب أخيها – الله يحفظ – و كان السليب ملطخا بالحيوانات المنوية. ثم أردفت مناش:
‎- بل إن إحداهن قد حملت لأنها نامت عارية في سرير ساخن!
‎ـ …
‎لم تمر على هذا الحوار ليلة حتى شاع في أرجاء المدينة خبر أن سعاد بنت مناش صارت حاملا بسبب امتصاص فرجها لحيوان منوي بقي على بلاط الحمام من حصة الرجال!.
‎ كل الناس صدقوا إلا مناش أمها التي اكتوت في صمت بنار الفضيحة. و كان لذيوع النبإ أثر سلبي على زبانية الحمام إذ قل عليه الإقبال و لاحظ الحاج الطيب ذلك.
‎ لما كان المؤذن يؤذن لصلاة العصر حسب توقيت الرباط وسلا و نواحيها، كانت جل النساء قد غادرن الحمام، وبقيت مناش جالسة إلى المسند الخشبي للمبيعات، في صورة غير مألوفة، تبدو مربوطة عند حبل تفكيرها، رأسها متكىء على قبضة يدها، جبين مقطب حزين و عينان زائغتان… سرحت تفكر في شكايتها لدى السيد القائد من الحماشي الذي لازال يصول في الحمام و يجول و يزني مع البتول، و في الادارة التي تتماطل في خدمة المواطن، و في مستقبل ابنتها الوحيدة وما يتناسل في رحمها. راحت تستعيد شريط حياتها معها حتى لعنت تلك الليلة المشؤومة، ليلة استفاقت من النوم على صوت أحات سعاد وهي تتقيأ في المرحاض، إذ نهضت أمها و فهمت من الأعراض أن ابنتها حامل و لما تأكدت من ذلك باعترافها، لم تتمالك أعصابها فاندلعت تضربها و تجرها من شعرها و تلطم فخذيها و خديها و تصيح: يافضيحتي يا ويلتي ، و في حركة آلية انتزعت جلبابها من المشجب وأخذت منديل رأسها ثم انطلقت نحو الحمام. كان في المنزل المجاور، منزل البتول، ضوء باهت يتسرب بين فتحات الباب.
‎- ماذا تنوي الآن أن تفعل يا الحماشي؟. هكذا باغثته مناش وهو يلقي بقطع الخشب إلى فوهة الفرن. فأجابها دون ارتباك كمن لا يعرف و لم يفعل:
‎- لاشيء للامناش.. الرجاء في الله. ثم أضاف: لقد بكرت اليوم، هل أصبت بالأرق؟
‎- لا لقد أصبت بمصيبتكما أنت و سعاد، و يجب عليكما أن تجمعا أشياءكما عاجلا..
‎و قاطعها الحماشي محاولا الحسم في الموقف بعد أن فهم قصدها:
‎- اسمعي للامناش، إذا كانت سعاد قد حملت من الحمام فهذا قدرها، و إذا كان غرضك أن تلصقيها في أحد فابحثي عن غيري لأني لا أصلح للزواج أصلاً. لم تضف مناش شيئا بل فضلت الانسحاب من الفناء والقيام بعملها الاعتيادي داخل الحمام حتى جاءت الكسالة البكماء فانصرفت هي الى مقر القيادة لتنتصب في الطابور مع المواطنين و المواطنات. في اليوم الموالي، عادت رفقة ابنتها ليحقق معها السيد القائد.
‎ عند القائد، مكتب فخم و كرسي متحرك آخر موديل و صورة كبيرة لرمز الأمة. كان هناك الحاج الطيب جالسا الى جانبه. لما دخلت مناش و من ورائها ابنتها، هرعت هذه الأخيرة الى الحاج و انحنت على يده تقبله، قال لها:
‎- من فعل لك هذا؟.
‎- الحماشي اسيدي الحاج.
‎- و أين؟.
‎- في الحمام اسيدي الحاج جرني الى بيت الدين.
‎- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ثم تدخل السيد القائد فأخبر مناش بأن الحماشي يتبرأ من التهمة المنسوبة إليه و أن الأمر يتطلب إحضار تقرير الطبيب الشرعي الذي يثبت أن الجنين هو جنينه و أنه في وقتنا الحالي لا يمكن إلقاء القبض على أحد ما لم تثبت إدانته.
‎والسيد ممثل السلطة يتكلم، لم تكن مناش تفكر إلا في الانسحاب من تلك القاعة لأنها ليست في مستوى الإنصات الى دروس في القانون و حقوق الانسان بقدر ما هي في حاجة إلى أب شرعي للجنين الذي في رحم ابنتها سعاد.
‎ خوفا من الحبس، هرب الحماشي خارج المدينة و لم يترك وراءه أثرا، فحتى مناش التي علمت بخبر اختفائه قد دبرت أمر إجهاض ابنتها (!).أما الحاج الطيب… فقد أغلق حمامه لمدة شهر و نصف عمل خلاله على إجراء إصلاحات وإدخال تعديلات جذرية في الحمام حيث قسمه إلى حمامين و ألغى تلك القاعة المخصصة للصلاة، كما أصبح يملك حماما للرجال بمدخله الأصلي، وحماما للنساء مدخله في الواجهة الخلفية.

One Reply to “حمام الرياض… قصة قصيرة بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*