هي أمي ….خيلائي… بقلم الشاعر صلاح داود من تونس.

لـعِـبَـتْ بالـعـُمْـر أحـْـكــامُ الـقـضــاءِ
وغــزَا رأسَ الـدّجـَى بَــدْرُ الـسّـمـاءِ
وأنـــا الـسّـاجـي لأشْـــواق اللـيـالـي
ورفيـقـي فـــي الأعَـاصِـيـر وَفـائــي
فـــاح عِطْرُ الودّ فـي الـوَرْد المُعَنّـى
مستفـيـضـا مـــن بَـهـاهـا بـالـدّعــاء
ملَـكـوتُ الـكـونِ لا يَـكْـفـي رضـاهــا
حـمـلـتْ ثِـقْـلـي وهـامَــت بـعَـنـائـي.
مِـــن لـيـالـيَّ الـوجـيـعـات ارتــــوتْ
بـسـهــادٍ.. وارتــقــــابٍ.. وبــكــــاءِ
هـدهــدَتْ روحـــي وسـقَّـتْـنـي رُواءً
أيّ ُ سُقْـيَـا.. يــا إلـهـي كـرُوائــي !
إنّـنـي الطـفـلُ وإن مَــدّتْ غـصـونـي
رحـلـة ُ الدنـيـا بـأيّـامـي الـنّـوائـي
أسْـفـلُ الأقــدام منـهـا فـــي الـعَــلاء
جـنـة ُ الله انـتـشـاءٌ فـــي انـتـشـاء.
هي نبـضُ القلـب في الأضلاع أمّي
دُرّةُ الأزمــان فــي عِـقْـد النّـسـاء
دثِّـــريــنــي أمَّــتـــا إنـــي قَــريـــرٌ
فــدُعــاكِ الــحَــرُّ دفءٌ لـشـتـائـي
تُـرْهِــف الـنـفــسُ لتهـلـيـلِـك أمّــــي
وأنـــا الـحــادِي بهـمْـسـاتِ الـثـنــاء
إنّــنـي أمّـــــاه أسـتـشْـعــرُ ذاتـــــي
وضياعي فـي ازدحامـي فـي الخـلاء
فاض كاسُ الحبّ مـن غَمْـر نَـدَاهـا
لَــمْ أزل أشْـــرَبُ مَـلْـئِـي واكْتِـفـائـي
علّمَتْـنـي كـيـف مَـرْقـــاةُ الأعـالـي
وتَمَلـِّي الـعِـزِّ فــي خـفـْــق الـلّـواء
وأرَتْـنـي كـيـف يَخْضَـوْضِـرُ عـشْــبٌ
فـــي بـــلاد مَـهْـرُهـا بـــذلُ الـذَّمــاء
علّمَـتْـنـي أفْـصِــدُ الـعِــرْقَ لأحْــيــا
مستـهـامـا فـــوق هــــامِ الـغـرَمــاءِ
أرشُق الطاغوتَ رجْمـا مـن جحيمـي
وأعَــضّ الـشّـوك مــن دون ائـتـذاء
ويـظــل الـنّـُـور نـبـْراسـا لـعـِرْضــي
مستحـيلٌ.. هَــوْنُ نفـسـي وانحـنـائـي.
هــيَ أمّــي تعْـتـلـي عـــرْش الـبَـرايـا
تــاجُ مَـجـدي .. وبــلادي كـبْـريـائـي
فارْتَعِي في فـُـسْحة الرّوح بصدري
واسكـُنـي بـيـن رمـوشـي فــي هـنـاء
حدّثـيـنـي ..
حدّثـيـنـي ..آهِ أمّـــي.. كــمْ حــنَــوْتِ
تمْسَحِيـن الطيـنَ عـن وجْـه حـذائـي
كـم رتَقْـتِ جـوْربـي المثـقـوبَ أمّــي
وسهـرتِ الليـلَ فــي غــزْل ردائــي !
حـــدّثــــيـــنـــي..
حــــدّثـــيـــنـــي..
آهِ أمِّــــي ..كــــم تـبـعـثـرتُ فـكـنــتِ
لَـــمَّ شـمْـلـي .. وجـهــادا لِـبـقـائـي !
آهِ أمِّـــــــــــــي ..
حدّثيـنـي.. عــن ســراج دون زيـــت
وعُقـيْـبـاتِ شـمــوعٍ فـــي انـطـفــاء
عـن نعاسـي فـوق كُرّاسـي و كُـتـْـبي
ودروســي لـــم تـــزل دون انـتـهـاء
واحْمليـنـي فــي ارْتـِفـاقٍ لـِسـريـري
وبـلـُطـف.. سَـحِّـبـي فـوقـي غـطـائـي
هدْهديـنـي ..أنـــتِ بِـشْــري ويقـيـنـي
واسْنِـديـنـي.. أنــــتِ دعْــــمٌ لِـبِـنَـائـي
ذكّريني.. هـل سأنـْسـى؟ أنـت نهْجـي
وسِجِـلّـِـي ..أنــت عـنـوانُ احتـوائـي
حدّثينـي حدّثينـي .. هــل سأنـسَـى؟
ذكّـريـنـي ..آهِ أمّـــي.. يـــا سـنـائــي
يـا لَذكـرَى عـن صبـاح ..عـن مسـاءٍ
عــن سِنِـيـكِ المستديمات الـعَـنـاء
إن أنـــا وفَّـّـيْــتُ أمّــــي دُونَ قــــدْر
فــأنــا يـا ربِّ ضـيّـعــتُ انـتـمـائـي
وأنا الضالّ ُ المُدَجِّي في المَهَـاوِي
وأنـا الموجـوعُ فاستعجـلْ شفــائـي
لـيـس شِـعْـرًا بوْح قلـبـي أو هُيـامـا
أو تـهــاويــــمَ غـُـــــواةِ الــشّــعـــــراء
بِرّ ُ أمّــي هـزّنـي فــوْق احتمـالـي
فيـه صَعْـقٌ فــاق صـعْـقَ الكهـربـاء.
صلاح داود. تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*