كرسي الحلاق (قصة قصيرة) بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.

‎      كرسي الحلاق فريد من نوعه لا يشبهه إلا كرسي الإعدام الأمريكي، فحتى كرسي الحلاق يمارس قتله الخاص؛ فولاذي ضخم، آلي ثابت لا يتزحزح عن مكانه، صمم في شكل مريح؛ مسند للظهر والرأس، تكايتان لليدين وعتبة خاصة للرجلين تعلو مستوى الأرض بسنتمترات… ‎  لما استويت على ذلك الكرسي جالسا، قام الحلاق في وزرته البيضاء بحركات موزونة صار يشغل آلية الكرسي، فشعرت بالهبوط والصعود قبل أن يحكم ثبته على مستوى يسهل عليه التحكم بيديه في راسي. لاحظت ذلك من خلال تتبعي لحركاته عبر المرآة المثبتة أمامي لما أمسك صدغي الاثنين وهو يوجهني إلى صفحتها العاكسة. ألبسني إزارا وأحكم ربطه طوق عنقي ثم قال:” ما تسريحة رأسك ؟”. قلت: أنا رجل تعليم وتسريحة شعري عادي محترمة فقط … ” تشرفنا “؛ قالها وهو يضع فوطة على كتفي من جهة الظهر ثم تناول مضخة مطاطية صغيرة جعل يبلل بها شعري الذي انهمك يفركه بأصابعه العشرة. مسح يديه بالفوطة ومسح بها رأسي ونشرها خارج المحل كي تجف. ‎  أعلى المرآة إطارات زجاجية لدبلومات وشهادات مهنية وتقديرية بها صور شخصية للحلاق، وحول المرآة وأسفلها وفوق المنضدة قارورات متنوعة أشكالها وألوانها لمختلف العطور الرخيصة ومشط  وموسى ومرهمات…   ‎كنت أكتشف المكان بنقل قرنتي عيني من زاوية لأخرى دون حراك رأسي، مستعينا بصفحة المرآة أختلس النظر إلى الحلاق وأتتبع حركاته؛ تناول من فوق المنضدة مقصا ومشطة، ومن الدولاب أخرج صورة ناولني إياها وفاجأني قائلا:” قلت لي عادي… محترمة… إذن هذه تسريحتك المناسبة “. حملقت في الصورة التي بدت لي صورته الشخصية، وكمن يريد إضفاء أريحية وألفة على الموقف عقبت قائلا:” ما بيهاش تكمل الشهر إن شاء الله” ، لكن الحلاق ـ وفي سبق إصرارـ كان قد شرع في تشغيل يديه ونتفات شعري تتناثر أرضا وعلى جنباتي، مع نغمات صوت المقص يتكتك في أذني( ستاك ستك ستاك ستك) . كلما ساعفت مشطته في يده اليمنى والمقص في اليسرى فملت برأسي نحو جهة، دفعه بوكزة سيكوباتية نحو الجهة الأخرى مستعملا شاهد وسبابة يده الماسكة للمقص… ويسترسل في الكلام كمن ابتلع شريطا؛ يسأل ويجيب ويخوض في كل المواضيع. ‎  ظللت مدة طويلة مطأطأ الرأس، محاصرا من جميع الجهات؛ مشلولا بالكرسي الفولاذي وبقامة الحلاق الطويلة الجاثمة فوقي وحركات يديه المشتعلتين يسحق هامتي بأدواته الحادة … لما انزاح عني يفتش في الدولاب وأحسست بإمكانية تحريك رأسي نظرت في المرآة ففوجئت بوجه يقابلني ! ليس وجهي ولا هو يشبهني. انتابتني دوخة خفيفة لم أتمكن معها من فرز ملامح الجالس على الكرسي الفولاذي ولا التمييز بيني وبين الجالس أمامي في المرآة والواقف بجانبي والحلاق الذي ألفيته تناول موسى(الزيزوار) وراح يشحذه في حزام جلدي قصير… لم أعد أجدني، صرت غائبا في حضوري. تساءلت: أين “أنا”؟ حتى إني استحضرت قول الشاعر أمل دنقل” وجهك في المرآة .. وجهان . لا تكذب ، فإن الله يراك .. في المرآة “… وسرعان ما انقطع انشغالي لما عاد إلي الحلاق وأحنى رأسي من الخلف، أحسست حينئذ بموسى الحلاقة المشحوذ يسحق رقبتي من الوريد إلى الوريد في عملية إزالة الزغبات الفطرية الزائدة. وأنا خائف  ولا أحد فوق هذا الكرسي الشبيه بكرسي الموت الأمريكي يشبهني، ظللت مستسلما طائعا وديعا إلى أن أنهى الحلاق عمليته فتحررت من قبضته ثانية، لكنه دون أن يتركني أتمعن جيدا في وجه الغريب أمامي سمعته يقول:”إيوا دابا أرا نشوفو هاذ اللحية”. فقلت في دهشة من أمري:” اللحية، واللحية علاش”، والماثل الجالس أمامي يضحك علي. أما الحلاق الذي لا يزال ممسكا الموسى(الززوار) فقد رد في ثقة تامة:” تسريحة رأسك الآن لا تتناسب واللحية، أنا أعرف دعني أعمل شغلي”، وانبرى يشتغل. أما أنا فقلت في نفسي ـ مرغما لا بطلا ـ ” لم لا أجرب وأترك وجهي تضرب فيه الشمس ولو مرة واحدة بدون اللحية؟”، ناسيا أن هذه اللحية كانت تشكل ملمحا أساسيا لشخصيتي وأن من يعرفني ـ بمن فيهم زوجتي ـ يعرفني باللحية منذ عهد سالفادوراليندي و تشي غيفارا إلى ما بعد انهيار جدار برلين وغزو الشيب لتضاريس وجهي… على أية حال، كان الحلاق قد شرع في ضرب الصابون بواسطة فرشاة الحلاقة (أي البليرو بالفرنسية)، ووضعه على كامل شعر وجهي قبل أن يبدأ سحقه بذلك الموسى المعلوم، وأنا العبد المطيع سلمت رأسي وحناكي لأمره وحركات يديه إلى أن وضع الموسى على المنضدة ورشني بماء معطر بارد أيقظني من سنة كادت تأخذني، وكأني سمعته قال “بالصحة “. ‎  تحررت من الكرسي ووقفت مشدوها أمام المرآة مندهشا أحملق في وجه جديد يشبهني ولا يشبهني، أمررت راح يدي أتحسس فقرات وجه لا شيب يعلوه، لا لحية ولا شوارب، أبيض أبلق عشرون عاما إلى الوراء، ورأيت إلى الحلاق أمامي (عبر المرآة) فألفيته نسخة لي إلى درجة أني قد قرصت فخذي حتى أتأكد من وعيي وذاتي، ولولا شعوري الداخلي بإنيتي وهويتي… لما كنت أديت له مستحق خدمته، وانصرفت . ‎  في طريقي نحو بيتي ،كنت أحث الخطو على أمل أن أستعيد الاتصال بذاتي، كنت أتلفت للناس هلوعا كمن يلبس تهمة  وبدون بطاقة التعريف يخاف أن تلفق له جريمة في ظروف حضر التجول. لا أحد يعرفني في الطريق، ومن يوجه لي تحية لا أعرفه. ‎  أدركت البيت. سمعت زوجتي اصطفاق الباب ورائي فجاءني من المطبخ صوتها:” شكــــون “، وبصعوبة خرجت من فمي كلمة (أأأنــا)، وما كادت طفلتي الصغيرة تسمع صوتي حتى أقبلت إلي مسرعة كعادتها، لكنها فجأة، أحجمت وأدبرت تحملق في بتحفظ بريء، ولم تدن مني إلا بعد أن أريتها قطعة حلواها المفضلة. وارتحت لذلك حتى ظهرت أمها التي كادت تخرج عيناها من شدة التعجب والاندهاش فقالت: ‎ـ من أنت يا هذا ؟ ‎ـ أنا زوجك لا تهتمي بالمظهر ولا تزيديني هلوسة. ‎ـ أبدا، لست زوجي ولا أنت شبهه، زوجي خرج قبل قليل وسيعود كما عهدته، أنت غريب. ‎ـ غريب و الله غريب. ‎ـ انتم معشر الرجال منافقون ممثلون مصابون بانفصام الشخصية. هكذا قالت ورجعت إلى المطبخ. ‎  انسحبت من البيت خارجا ، وكلام زوجتي يطاردني. عدت أمشي… لا أحد ممن أعرفه يتعرف علي وأشعة الشمس تلفح وجهي الجديد وتدفع ظلي ورائي…لاح أمامي شخص في عمري؛ لحية مشيبة، تسريحة محترمة هندام أنيق ومحفظة لا تليق إلا برجل تعليم. قلت في نفسي لا شك أن هذا الرجل ينتحل شخصيتي… سرت أتبعه وأتبعه، حتى إذا بلغ جهة الحلاقين فقدت أثره وغاب عن ناظري ولم أعد أجده وسط زحمة الناس كلهم متشابهون. لكن محفظته أوحت إلي احتمال أنه يقصد الكلية حيث أشتغل. ‎  في الكلية المفاجأة؛ كان الحلاق على منصة المدرج يلقي المحاضرة والطلبة على الكراسي محاصرين بالأفكار والمذاهب والنظريات.

2 Replies to “كرسي الحلاق (قصة قصيرة) بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.”

  1. استاذي و استاذ الأجيال و الجيل الذهبي خصوصا، الأستاذ أحمد السقالي و هو نار على علم، فقد تعلمنا من أدبه قبل علمه و اغترفنا حتى ارتوينا من سواقي علمه و معرفته لله الحمد.
    تحيلني كتاباته و أسلوبه الراقي في سرد الأحداث و الوقائع إلى أسلوب الاديب العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله من خلال كتابه وحي القلم الزاخر و الحافل بمقالات و قصص مماثلة ذات مغزى عميق.

    • أوافقك جدا قارؤنا الوفي الأستاذ عبدالله لزهر تعرفت على الأستاذ الكاتب أحمد السقالي من خلال موقع الإبداع الفكر والأدبي فقد أرسل لي بعض نصوصه السردية فوجدت فيها ما يروق للقارئ من مهارة فائقة في الحياكة والوصف وخدمة سامقة للمواضيع التي وان استمدت من عمق الواقع فهي ترقى لطرح إشكالات ذات طابع فلسفي يمس الإنسان في عمقه وعن قرب ….أشكر صديقي مرورك وتفاعلك على صفحات الموقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*