أيقونة البحر ودلالات الصورة الشعرية في المجموعة الشعرية”ليس البحر ما نسمعه” للشاعر رياض عمري بقلم الأستاذة منى أحمد البريكي من تونس.

المقدّمة: أصبح الشّعر اليوم كتابة لذوات تتجلّى في صور مختلفة في تماسّ مع عالم خارجيّ متعدّد؛ وقد تخلّص من القوالب الجاهزة والنّمط التّقليدي، ليغازل الحداثة والتفاعليّة وينفتح على الآخر
فيستدرجه إلى أشكال تحقّق الشّعر ومنها قصيدة النّثر الّتي لا تتحقّق إلّا بشعريّة الكشف عن الجماليات والمؤالفة والتّجريد قوامها التّكثيف والإيحاء والإيقاع وإطارها الصّورة الشعريّة، وفي هذه المجموعة للشّاعر رياض عمري تتجلّى لنا شعريّة تحقّق النّثريّة بأبعادها الوجوديّة والذّاتية دون أن تغفل النّسق الجغرافي والتّاريخي المنفتح على الآخر.
ما يدعونا إلى البحث في هذا البحر المليء بأضداد وصور شعريّة سفينتها الاستعارة والمجاز وربّانها شاعر اتّخذ القصيد شراع تجاوز وتمرّد بما هي مفارقة “تقول شيئا وتعني شيئا آخر.”كما يعرّفها مايكل ريفاتير.

1 الأيقوني والدّلالي في تأويل النّصّ
“القارئ حرّ في تأويل النّص، وعلى المؤلّف أن يموت أو يصمت بعد كتابة نصّه.”هذا ما ذهب إليه أمبرتو إيكو وتجاوزته الدّراسات السّيميائيّة الّتي ارتأت قراءة تداوليّة في نسق المدلولات وليس في العلامة بحدّ ذاتها كما تقول البنيوية مع رولان بارث الذي نادى بموت الكاتب لينهض النّاقد من رماده بإنتاج نص إبداعي جديد يتعدد بتعدد القراءات وبآليات تحقّق التّماهي مع النّصّ الأدبي باعتباره نظام علامات وشفرات تبني نسيجه الفنّي الجمالي وتضفي عليه رؤى لم يقصدها الكاتب، لكن السّيميولوجيا اهتمّت بتفحّص أنساق الدّلالات وتشريحها لسانيّا ليصبح النّاقد بمثابة شعاع ينير على فراغات النّصّ كذات مستقلّة تعيد بناء الواقع بقوانين كاشفة للأنساق المتحكّمة، فتصبح اللّغة نظاما إشاريّا مشتركا بين النّصّ والكاتب والنّاقد الّذي يؤوّل إنتاج المبدع فيكون النّقد جامعا بين السّوسيولوجي والتّاريخي والنّفسي والاجتماعي، وفي نفس الوقت يسائل النّصّ وكاتبه بالعودة إلى ذاته ونبش الواقع ف”البنيات ليست معيشة من طرف الوعي المبدع ولا من طرف الوعي النّقدي، على العكس من ذلك يمارس اختزالا باطنيّا يخترق جوهر المؤلَّف لكي يصل إلى هيكله.” كما يقول جيرار جينيت. وبالتّالي فإنّ قراءة أي نصّ هو إضافة لقارئه الذي ينتج معرفة ثانية تحايث المؤوّل وتتخطّاه حسب أنساق دلاليّة لفظيّة وغير لفظيّة طبيعيّة كانت أو اجتماعيّة تخرج اللّغة من وجودها المادّي إلى عالم أرحب يشمل وجودها الرّمزي المعنويّ والدّلالي.
وهذا ما يدعونا إلى التّأمّل في

2 أيقونة البحر.
إذا سلّمنا بأن علاقة العلامة بالموضوع علاقة ثلاثيّة تجمع بين الرّمز والقرينة والأيقونة ، فالأيقونة
في قصائد رياض عمري هي “مجموعة استعارات ذات دلالة” بتعبير بورس لأنّها تمثّل شيئا موازيا لها في استحضاره كنموذج لموضوع مشابه وبذلك يكون “المعنى نتاج تفاعل الإشارات الآتية من النّماذج الّتي يقدّمها الواقع وبين العلامات.”1
فللبحر صورتان، الأولى ظاهرة وطبيعيّة ومباشرة والثّانية متخيّلة انبنت معانيها من التّشابه بين صورته وموضوعه لأنّ العلامة الأيقونيّة كما عرّفها أمبرتو إيكو”لا تملك خصائص الأنموذج الّذي تمثّله بل تعيد إنتاج بعض شروط إدراكه.” ونلاحظ أنّ الشّاعر قد أخرج الأيقونة (البحر )من بعدها المدرك إلى أبعاد تعتمد الخيال وتعيد تركيب صور مختلفة رغم انطوائها على جوانب نسمعها أو نراها أو نلمسها أو نشمها.
في تمازج عجيب بين الأنساق الدلالية الطبيعية وأنساق دلالية اجتماعية غير لفظية كالحواس والأشياء لتفرز نسقا خاصا بالبحر كأيقونة دالة ومميزة تبرهن أن لا هيمنة للغة إلا بما تتيحه تلك الأنساق بما هي وسيط بينها وبين المعنى وبقدرتها على إبراز الأنساق غير اللفظية.
فالعنوان واللوحة التشكيلية المؤازرة له على الغلاف اختار لهما أن يكونا بمثابة نص مواز يصوغه القارئ؛ وهو يغوص بين دفتي الكتاب متنقلا من قصيد إلى آخر فيسمع صدى يراه بعينيه ويلمسه بوجدانه فكلما “ارتبطت هذه الصورة الحسية باصطلاح معين بين الأفراد المشتركين، نشأت العلامة.2
وقد اعتمد الرمز في وظيفة استعارية تعطي للغلاف صورة مركبة تستجيب لتأويلات تخرج صورة الحروف البسيطة والمتناثرة من جمودها لتصبح أيقونة بحد ذاتها من خلال تعدد القراءات والمقاربات لها فتعزز الرسالة اللسانية وتدعمها في ذهن المتلقي بما هي”نص ككل النصوص تتحد باعتبارها تنظيما خاصا لوحدات دلالية متجلية من خلال أشياء أو سلوكات أو كائنات في أوضاع متنوعة.” 3
فالصورة بعد انطباعها على شبكية العين ووصول ذبذباتها إلى الدماغ،
تخاطب الشعور فتحدث الانفعال الإيجابي أو السلبي على حد سواء ضمن سيرورة سيميائية تعتبر حاسة البصر قناة تواصل مع المكتوب تحفز التفاعل وتنطلق من الأيقونة بما هي شكل من أشكال العلامة اعتمادا على صور شعرية نابعة من قريحة الشاعر وحاملة لمعان تجعل المشابهة بينها وبين الواقع مجرد مسار دلالي، فتتجاوزها إلى الرمز والإيحاء، فيصبح بتعبير رياض عمري “الغرق أمنية طيور أرضي التي تحط فوق أهداب شمس الأبيض”ولا “تضع الحرب أوزارها”إلا حين “نشق المدى.. سابحة مراكبنا في صدر الجبهة”وحين تستوي قامة الرحلة ويعم الطوفان يخرج عباس شيخ الحضرة ليقص منامه ويقول “كأننا لم نغرق”وهو يعبر بلسان الرجاء”علني أظفر بقشة
تعبر هذا الموج الأحمر.”رغم أن “هذه الأرض عليها ملوك يبيعون البحر والسماء من أجل أسرتهم الناعمة”بينما ” البحارة المهرة يفتلون الحبال بكد وعلى الشاطئ قارب وحيد يمتلئ بالشباك.”في حين “تشدو النوارس خلود الشاعر.” وتقول الساحرة واصفة حالة الشاعر”تنهض يا غريق النخوة على لوح مشمش الله.” “وتأخذ بثأر من درسك الجدل أيقونة وأجراس وتمائم”
“مزروعة على نهر السينغال”
ويبدأ الشاعر رحلته باحثا عن “مواعيد في ملاه على أكتاف البحر”و “ينبجس الخيال كالنبع حينما ينهمر”وتتغير المدلولات لتكون “المحبة هي العاهرة”و”قشة في مياه الآسن تنتفض” ويختم بالقول: “أفسر الرؤى بالماء.”و”كزور

منى, date d’envoi : Hier, à 21:44
و”كزورق أشتهي الرحلات في أجساد البحار باحثا عن حب.. أنتظرها.”ويأمر ساحرة جوبيتر أن “أغرقي الخيانة بآلاء أبي البحر!
أدخلي ماءه العارم في أفواه فجواتهم وفجري قواك العاصفة!..” “لنملأ المتوسط حين تشربه الضفة الشمالية” ملحا أجاجا.

وهذا ما يدعونا إلى البحث في الصورة الشعرية بما هي محاكاة مختلفة عن المحاكى (البحر )رغم المشابهة التي تظهر في الاستعارة والمجاز كأدوات اعتمدها الشاعر للتعبير منطلقا من صور حسية واقعية في انزياح إلى صور أخرى تحيل إلى معان ومداليل مطابقة لنمط ثان لكنها غير مطابقة للمرجع في بعده الفيزيائي.

3 دلالة الصورة (البحر نموذجا) :
أخرج الشاعر الأيقونة من بعدها المدرك إلى أبعاد تعتمد الخيال وتعيد تركيب صورة مختلفة رغم انطوائها على جوانب ندركها بمختلف الحواس
فكانت الصور الشعرية “إبداعا وخلقا بقدر ما يتوافر على عناصر التشابه والتماثل يتوافر على عناصر الاختلاف والتمايز.4
بما يصاحبها من قرائن ورموز دالة، ولا تتجلى أيقونية البحر إلا من خلال إدراكنا لها في قصائد رياض عمري كرسائل ذات معان وجدانية أراد إيصالها إلى القارئ بصور شعرية رومنطيقية كانت عناصرها طبيعية وقد تزينت ببلاغة الرمز والاستعارة وجمال الصور الحسية وصاغها بتكثيف وأساليب جمالية تنطلق من الواقع نحو مستوى تخييلي اعتمد الانزياح وتلفعت كلماته ببلاغة أسلوبية تكتفي بالإشارة إلى المعنى الذي يؤوله المتلقي لأن”اللغة ليست أبدا بريئة فالكلمات ذات ذاكرة ثانية تظل تلح على مثولها من خلال المعاني الجديدة.” 5
فالبحر ليس ما نسمعه فقط بل يجب علينا خوض أمواجه متسلحين بكل حواسنا لنستمتع بجمال الصور الشعرية السابحة
على سطحه لأن مونوفونية النصوص وانطلاقها من الذاتي المحض لم يمنع استيعابها عدة أصوات أخرى دعاها الشاعر إلى التأمل باستعمال حواس أخرى أهمها العين فقد طرح علينا عنوان مجموعته كإحالة متورطة ومتواطئة مع الحواس في جملة إسمية في صيغة النفي بناسخ فعلي ورغم أن الإسم معرف إلا أن الناسخ الفعلي سلبه قوة التعريف لصالح الخبر “ما نسمعه” فتغييب حاسة السمع يقتضي أن تعوضها حاسة أخرى تخبرنا عن البحر كإثبات حالة ونقل الذات عبر دلالات مقاربة الجسد بمختلف بقية الحواس وخاصة البصرية
وقد تعمدت تضمين كلمات الشاعر أعلاه وصغتها في عود على بدء دون الإشارة للصفحات كدعوة مني لكم للبحث عنها بأنفسكم في هذه المجموعة الأنيقة التي لا تتجاوز ال94 صفحة، وتماهيا مع الشاعر حين ترك للقارئ مهمة البحث في العلامات اللغوية بتمظهرات رمزية مختلفة، التي تستند إلى السياق الذي أوجدها لتدخل في سياق جديد يتولد في ذهن المتلقي ويخاطب رؤيته الخاصة كما فسرها رولان بارث.
وقد كتب نصوصه في جمل مقتصدة تعتمد التكثيف والإيحاء، رغم بعدها الحكائي في بعض مقاطعها
وانفتاحها على المسرح التجريبي في البعض الآخر في سردية شعرية تعبيرية كما في قوله”قوارب الشك تزحف بالمياه الى الشاطئ../
البحر يتلو الدهشة تلو الشهقة/.
ما يرى في رحلة الموج محض خلق ص13/أرسمك على الصخر ذاكرة ص17/أن تتبختر عارية إلى الشطآن ص21/البحر دائما يربت على أكتاف العشاق ص 28 يحلم بزرع الرحلة والعقل العبقري في حقل من الجثث ص44/
ترسم بدمعة مشتعلة بحرا وقارب نجاة مشتهاة/ تشدو النوارس خلود الشاعر ص 73″
ونجد في قصيده “تراتيل” ص31 الكتابة بالحواس تتجلى بأبهى المفردات وأجمل الصور، و في تراسل الحواس خدمة للعلامة وارتباط بها كما في قصيدة”الأيادي الحمراء” ص45
التي جاء السرد فيها أفقيا رمزيا منبثقا من شعرية تزينت بغلالة النثر، وجعلت الحواس محركات للعاطفة وللتفكير في آن في مشهد هو بمثابة “تقنية يقوم فيها اختيار المواقف المهمة من الأحداث وعرضها عرضا مسرحيا مركزا تفصيليا.6
فنرى بالعين المجردة ما لا يمكن الاكتفاء بسماعه في مشاهد سينوغرافية رسمها الشاعر في عدة قصائد.
فكانت الصورة السينوغرافية خطابا بصريا ذي علامات دالة يحللها المتلقي لمعاضدة فهم الخطاب في كليته من خلالها كجزء هام في العرض المسرحي تماهيا مع الطرح الأرسطي الذي يعتبر”صناعة المسرح أدخل في تهيئة المناظر من صناعة الشعر.”
وهذا يحيلنا إلى ركوب هذا البحر، بحر الحياة والوطن في رحلة تحقيق كينونة فردية ومجتمعية أيضا يؤثث فيها العمري مسرحا تسقط فيه الأقنعة مهما تعددت ويعلي القيم التواصلية بالأساس.
وبعدة أساليب بلاغية عبر الشاعر بصور مستمدة من الواقع لكنها سابحة تحت “سقف النجوم”
كما حاور الآخر حينا وأحيانا حدثنا عنه معتمدا تقنيات السرد والإيقاع والحوار في تكثيف نوعي ذي محورين هما الذات والآخر
دون أن يغفل أهم ما يميز الصورة الشعرية وهو “الحياد بالكلمات عما وضعت له أصلا. “بحسب تعبير أدونيس
وهذا ما يعزز الطبيعة القصدية في النصوص ضمن سيرورة تواصلية تدعو القارئ إلى التفكي، وهي بمثابة ضربات إزميل على صخور شواطئ المعنى وسباحة في عوالم الجسد وحركاته المنضوية ضمن حقول سيميائية تواضع عليها الباث والمتلقي تعيينا و تضمينا وتقريرا و إيحاء.
فكانت مجموعة قصائد رياض عمري جمعا في صيغة وحدة مفردة أضفى عليها الشاعر النفس الملحمي والحوارية لتوطيد العلاقة مع الأشياء واستبطان الواقع نحو عالم متخيل يستحضر حكمة الأجداد كما في قصيد “بياض” الذي ختمه بمفارقة مدهشة قطعت مع متنه حين تحول الرمز من تشكيل استبدالي إلى آخر دلالي.
“ابني احترس من الصديق
ابني انظر معهم من نافذة واحدة ص75″
ليبني جسور ومناخات تعايش مع الآخر.

الخاتمة
رسم الشاعر مشاهد شعرية درامية متحركة ومتراوحة بين الماضي والحاضر في إحدى وأربعين لوحة منفتحة على اليومي المعيش والهم الجمعي والعشق بمختلف وجوهه، حقق فيها بلاغة لغوية تشاكلت بالفكرة المتخيلة رمزا وإيحاء مع التزام كثافة العبارة واتساع المعنى بخرق النظام العادي للقواعد اللغوية وتحقيق إيقاع الأضداد وإسناد الأفعال إلى غير فواعلها الأصلية في انزياحات تركيبية تحقق شعرية كانت المفارقة أحد أجنحتها فنقلتها من الواقع الى عالم دلالي بامتياز كلما كسرت توقعات القارئ وقدمت موقفا مفاجئا.

منى, date d’envoi : Hier, à 21:47
أرجو أن أكون قد أضفت إلى المعاني المخاتلة والعميقة التي لم أمسك بها ، فأنا لست غير قارئة أغرتها القصيدة فسخرت من موريس بلانشو الذي يدعي أن”أكثر ما يهدد القراءة هو واقع القارئ وشخصيته وتجنبه التواضع وعناده على البقاء كما هو أمام ما يقرأ.” وفي تقديري أن النقد مساءلة للذات وغوصا في مدركاتها، قبل أن يكون جرأة على تأويل إبداع يغويك بارتشاف كأسه فترغب في التلذذ بالنص وما الإبداع إنتاجا أو نقدا إلا نرجسية، ويبقى أصعب القول ما تقوله عن قول آخر.

الهوامش
1 أحمد يوسف، السيميائيات الواصفة.ص 126 المنطق السيميائي وجبر العلامات.
2 عبد السلام المسدي ،ماوراء اللغة،بحث في الخلفيات المعرفية، ص53
3 سعيد بنكراد، الإرسالية الإشهارية، التوليد والتأويل، مجلة علامات العدد 5 ص 59، 1996 المغرب.
4 الطاهر رواينية، سيميائيات
التواصل الفني، مجلة عالم الفكر ،ع3،مج 35، 2007 .ص 274.
5 إحسان عباس ،اتجاهات الشعر العربي المعاصر، ص 140
6 آمنة يوسف تقنيات السرد.
ص89

♧♧ ليس البحر ما نسمعه
تأليف:رياض عمري
الطباعة: دار الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع
المنستير
سنة النشر: 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*