صحفة اللبلابي قصة قصيرة بقلم الكاتب عماد الدين التونسي من تونس.

كان الكرم منفى طيبا كريما، لولا بعده عن دار الشعب أين تعرض “الأفلام “أو قل، تعرض “الأحلام” …
كل منفى موحش، حتى لو كان فردوسا وجنة خلد….
أكرم الآباء أولادهم في اليوم الأول، وتابعوا إكرامهم في اليوم الثاني. كانوا يرسلون لهم وجبة الفطور ووجبة الغداء في صرّة مع أحد البالغين المدربين. وكان الصبية يأكلون من فضول الفطور على العشاء: جبن دسم يعلق دهنه باليد فلا يزول سوى بالصابون، مربى تين، زيتون، بيض…، ثم نسوهم في اليوم الثالث. لعلهم مشغولون بجراحات الكرامة والشرف، فجروح السنان لها التئام وجرح الكرامة ليس يلتام، لسان حالهم: أولاد، سيتدبرون أمر لقمتهم، ثم إنهم صيادون.
ولم يكذّب الصبية خبرا، نزل عادل إلى الوادي وإصطاد سمكة تزن بعض الكيلو غرامات، في الماء الضحل، بيده، ومن غير شبكة، شقّوا بطنها، وبطحوها على النار بحراشفها، بعد أن ملّحوها ونثروا عليها بعض التوابل، وتغدوا بها ، كانت طرية اللحم. المثل يقول: الضيف في اليوم الأول من ذهب، وفي اليوم الثاني من فضة، وفي اليوم الثالث من حديد. صرنا حديدا يا ليوث الله…
عذرهم عدنان: الكرم بعيد، هم معذورون، للغائب عذره…
قال الصبي الضّلّيل: لقد خذلونا. وأردف يعذرهم: لعلهم يخشون العيون والعسس.
في اليوم الرابع أمدّوهم بمؤونة، أرسلوا لهم بأوعية من الأطعمة المحفوظة بعناية السكر، أو رعاية الملح، مثل التن، والسردين، والزيتون، والهريسة، والجبن، وكيس من خبز، على هيئة هلال مضلع، فيه ثقوب مثل الإسفنج، يرش عليه الماء، فيعود طريا هشا سهل المضغ، وهو طيب. يخبزه المزارعون الذين يغيبون في البرية شهورا للفلاحة أو الحصاد، وهذا يعني أننا لن نرى أهلنا إلا كل أسبوع مرة…
لا خوف من الجوع يا أيها المتمردون، فالطيور كثيرة، ويمكن صيد السمك في الماء الضحل. أكثر ما كان يثير لوعة الصبي الضّلّيل هو السينما، فأول ما كان يفعله صباحا بعد شراء الخبز من الفرن هو الذهاب وراء شارع البلدية. هناك، مقابل المقهى القديم، المحاط بنباتات الحلفاء، التي تنبت حرُّة، وخضراء، يعلّق عمال” دار الشعب” لوحة كبيرة، على الحائط ملصق الفيلم…
فإذا كان الفيلم للحركة والمغامرة.مثل أفلام الكاراتي العنيفة، أو فيلما بوليسيا، أورومنسيا ، إزدهت الحيطان بالصوِّر الملوَّنة، ووعد صباح الغد بالسعد، وبالإثارة. أما إذا كان فيلما عربيا، إجتماعيا، إنصرف الصبي ذو القروح إلى ألعاب أخرى، فهذه الأفلام أقل بهجة….
بلغ الأصدقاء الثلاثة الخبر، غدا سيعرض الفيلم الموعود.، “سبارتكوس ” مع ترجمة وهو فيلم أمريكي من نوع الدراما التاريخية الملحمية للمخرج” ستانلي كوبريك “وكتابة “دالتون ترامبو”، مستنداً إلى رواية تحمل نفس الإسم من قبل “هوارد فاست. “الفيلم يروي قصة “سبارتاكوس” وأحداث حرب العبيد الثالثة ، بطولة “كيرك دوغلاس “بدور “سبارتاكوس” “، “لورانس أوليفر “بدور” ماركوس كراسوس”،”جين سيمونس”،”بيتر أوستينوف”، “جون “أيرلنداو “هربرت لومى” …
فيلم ، تحدث عنه الكبار والصغار والرجال و النساء في المقاهي و المحطات والمنازل والمساجد، حتى في الأكشاك، فبات للفيلم “سبارتكوس “طعم الحمص والحلوى. ، فيلم الحب والرومانسية، والثورة والحرية، صورة الإنعتاق من العبودية، تحفة السينما الهوليودية …
قال الصبي الضّلّيل: سنجد حلّا يا أبناء الكهوف.

هات؟ ما هو؟ الطرق مسدودة، نحن منفيون، ومراقبون، ولعل “إبن الجزار” وجماعته يترصدوننا على الطرقات. إنهم إن يظهروا علينا يرجمونا أو يعيدونا في ملتهم ولن نفلح أبدا، اللثام ليس حلا، فنحن في فصل الصيف.
قال ذو القروح: الولد “عكاض “يعشق السينما، سنكلفه بمهمة سينمائية.
ضحكوا: “عكاض “عندما يتحمس تعرق أرنبة أنفه.

نكلفه بحضور الفيلم، على حسابنا، ثم يعود في اليوم التالي، ويروي لنا قصة الفيلم.
قال عادل: فكرة معقولة، لولا أنني مفلس، نحن في البرية، من أين سنكسب، فنحن نسرق مصروفنا، من الآباء، سرقةً.
قال عدنان: فكرة رديئة، لكن الرمد أحسن من العمى.
قال أشدّهم حبا للسينما الأمريكية: عندي نصف دينار.
قال عدنان: وعندي عشرين مليما، لا يستحق الرمد أكثر من عشرين مليما.
قال عادل: هل سيرضى؟
لم لا يرضى؟ سيحضر فيلما على حسابنا. الولد مسكين، ومنتوف.

لكن المشكلة نحن منفيون خارج المدينة. والمنفى بعيد، لن يرضى سوى هذا الصبي بهذه الصفقة.
أرسل الأولاد إليه مع أحد الزوار يطلبونه، فحضر بعد ساعات، عرضوا عليه الفكرة، فقبل فورا. إشترطوا عليه أن يحفظ قصة الفيلم بالتفاصيل الدقيقة، وعليه أن يعود لهم بمنِّ القصة وسلوى الحركات، وبعض قصاصات الفيلم. لا بد من القصاصات…
قال عكاض: القصة نعم سأحفظها لكم، لكن لا أضمن حفظ الحركات، أما قصاصات الفيلم، فسأعمل جهدي حتى أجمع لكم بعضها، فهي تجمع عادة بعض عرض الفيلم…
إذا تعطل الفيلم في أثناء الدوران إضطر عامل الآلة السيد “العوني”إلى التضحية ببعض أجزاء الشريط، ثم يلصق الجزئان المقطوعان،والفضلات الفيلمية يتاجر بها الأولاد….
مدَّ عكاض قدميه، وتعرقت أرنبة أنفه، وبدأ يبتزهم: القصاصات تحتاج إلى تمويل خاص، أريد ربع دينار من أجل القصاصات، ونصف دينار من أجل الأكل، فأنا دائما أجوع قبل الفيلم عندما تنتشر رائحة “المرقاز” أمام باب “دار الشعب”، وأريد أن أتابع الفيلم في مقاعد السادة، في اللوج، حتى أحفظ القصة والحركات بهدوء….
نظر الأصدقاء الثلاثة إلى بعضهم: إبن الداهية….. تعال إركب علينا….. هذا بطر….. دائما تتأخر عن الفيلم رغبة في توفير عشرين مليما، تنتظر على الباب راجيا “العم عيد” موظف الباب، وعصاه يده حتى يدخلك بربع دينار. لم ترَ بحياتك فيلما من أوله أيها المتسول…..
غضب عادل، وطرده: أخرج من هنا. سنبحث عن غيرك. ياإبن الحرام…
فكر الصبي الضّلّيل، فعكاض أفضل من يصلح لهذه المهمة، المشكلة هي في بُعد الكرم عن العمران، سيعود الولد راجلا على قدميه، والكرم يبعد ستة كيلوميترات عن المدينة. والطريق وعر، وفيه مشكلة، عبور بيوت تجار العلف الأشداء، وكلبهم الشرس، إنها أمور تستحق التضحية.
أقترح لعكاض حلا: نعطيك أجرة الفيلم ستمائة مليم كاملة، تشتري بها تذكرة، ونصيد لك عصفورا، تبيعه من أجل طعامك والقصاصات، وأنت ومهارتك في البيع.
قال عكاض: أفكر. أريد طائرا ثمينا.. .
قال الصبي: لدينا شحرور، ما رأيك؟
وركض إلى الغرفة الطينية، وأحضر له قفصا فيه شحرور أسير ملتاع، يقفز من جهة إلى جهة باحثا عن ثغر عبلة المتبسم.
إبتهج عكاض لرؤية “زرياب ر”، وطرب، هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها طائرا عن قرب، سأل عكاض: لمَ لا يغني؟ قال: إجعلوه ينشد موّالا من مواويل الكروم أيها الأصدقاء.
قالوا: ليس مطربا من مطربي الأفراح يا إبن الماكرة، ولعله لا يغني إلا لرؤية الحبيب. لا أظنه سيغني لوجهك وأرنبة أنفك العرقاء. .. .
ماطل عكاض، فالشحرور يحتاج إلى بيع، والبيع ليس سهلا، لكنه رضي بالصفقة، بل إنه منّى نفسه بتجارة رابحة، سيرى الفيلم مساء اليوم، ويعود يوم غد عصرا ليروي لهم القصة، مع ما تيسر من الحركات، وبعض القصاصات. القصاصات، والشذرات الفيلمية يبيعها عادة إبن العيرود، وهو ولد يتيم، ينسب إلى أبيه عشمان، لكن لقبه القديم بقي يلازمه. متطوع لكنس أرض السينما مقابل الحضور المجاني ومليمات معدودة، وهو يحظى في أثناء التنظيف ببعض الهدايا واللقى، يظفر أحيانا بمليمات، أو قصاصات الفيلم التي يقصها مدير آلة العرض عند تعطل البكرة، يباهي بها إبن العيرود أقرانه، ويزهو بها ويفاخر
وضع الولد عكاض المليمات في جيبه، وأخذ العصفور الفنان الأسير بعيدا عن الكروم فإزداد الطائر أسرا نصحوه ألا يعود من طريق بيوت تجار العلف الشرسين.
عُد على ضفة الوادي.
مضى سعيدا ليحضر الفيلم في المساء في السينما الصيفية التي إزدحم عليها الفتية باكرا أمام شباك بيع التذاكر.
أمضى الأصدقاء الثلاثة يومهم في الصيد وأكل العنب، والتشاتم، إلى أن دارت الشمس دورتها ومضى اليوم مسلوخا، وإقترب العصر فبان طيف عكاض من بعيد، إنتظر الثلاثة فوق سطح دارة الناطور، وصل الولد أخيرا، وقد عرقت أرنبة أنفه. جلس تحت ظل شجرة اللوز التي لمع صمغ كثير في شقوق الجذع وعيون الأغصان.

هه. كيف الفيلم يا عكاض. بشرنا. أممتع هو؟
قال وهو يلهث من التعب: فيلم تحفة. طويل، مدته ساعتان ونصف، وفيه عديد الحركات يا ليوث الله، فيلم روعة، لكنه حزين.
لخص القصة بعد أن أبرز بعض قصاصات الفيلم، فتصارع عليها الثلاثة، وهم يرفعونها بين أصابعهم باتجاه ضوء الشمس: الفلم يدور حول قصة حياة المتمرد “سبارتاكوس “الذي ثار على الحياة غير الآدمية التي كان يعيشها العبيد في ظل الإمبراطورية الرومانية، وقاد ثورة العبيد الثالثة في تاريخ الإمبراطورية الرومانية من أجل نيل حريتهم، وكلما تقدموا في طريقهم في البلاد كلما إنضم إليهم الآلاف من العبيد من كافة أنحاء الإمبراطورية المترامية الأطراف حتى أصبحت الثورة التي كان يظن الرومان في البداية أنها بمثابة وخزات من بعض الحشرات – شوكة قوية تهدد كيان الإمبراطورية القوية، وأصبح لازما وضع حد لها مهما تكلف الأمر. .. .

هيا قلّد لنا بعض الحركات يا عكاض .
يبدأ الصبي بالتقليد، فيضحكون.
في هذه الحركة ،قال “الجنرال” والمقصود به “سبارتاكوس ” :”من قال “لا” في وجه من قال “نعم!! “”. يتابع عكاض سرد القصة، ويمضي الأصدقاء الثلاثة بخيالهم إلى حبيبتهم الآنسة عبير، معلمة النشاط الموسيقي والمصلحة الوطنية…!!
ويزيد الصبي من أقوال محرر العبيد: “من علم الإنسان تمزيق العدم، من قال “لا” فلم يمت …!!”
أول مرة يسمع الصبية بهذا الكلام النافذ .الكلمة دائما محجوبة بالصمت غالبا، بخميلة، العبيد قوم أتقياء. ليسوا مثل حالنا، ويواصل في سرد الدرر: “معلق أنا على المشانق الصباح، وحبهتي بالموت محنية ،لأنني لم أحنها ….حية”. صاحب ثأر يا ليوث الله…!!. العبيد اليونانيون أوالإغريق أكثر يقينا بالحرية منا.. .. .
راح نصف عمركم يا شباب قتل، وقبلة دافئة بين المتمرد وحبيبته .

قبلة!!
أقسم عكاض: قبلة معفرة بالثلج. فسدت أخلاق العبيد، يا ضراغم.
يتابع عكاض رواية الحكاية لقد ضحى بحبيبته من أجل قضيته ، ولقدعان “الجنرال”الويل لكنه وحد معاناته مع أهل جنسه حتى كون جيشا جرارا حارب به أكبرإمبراطورية عبرالتاريخ ثم في النهاية يموت لكنه هوا من زرع مكان الخوف شجاعة ورغبة في التحررمن كل براثن العبودية ،لقد مهد لحقبة تحررالإنسان من أخيه الإنسان .
هل يمكن أن نضحي لبعضنا بالحبيبة ياليوث الله كما فعل “سبارتاكوس” !!

مستحيل.. “سبارتاكوس”أحمق.. ترهات. الواحد منا يحارب الدنيا من أجل حبيبةه… .. .
الأصدقاء الثلاثة يحبون معلمتهم الآنسة عبير، ليسوا وحدهم، فكل تلاميذ القسم يحبونها، بل لعل كل شباب الحي يعشقونها، حتى رجالها يحبونها، يحلمون بها، المدير هو الذي يفوز بها، ويراودها عن نفسها في الإدارة مع ثالثهما الشيطان، ثم إنضم المتفقد إلى جبهة اللذة. نحن مستعدون لقتل بعضنا من أجلها. لم تعجبنا رواية عكاض للأحداث، وهو لا يجيد تقليد الحركات، ساعتان ونصف لخصها بسطرين…. .. .

الحركات صعبة يا أبناء الداهية…. .. .
عكاض باع كل طناجر الدار، الطنجرة البافون التي ثمنها عشر دنانير، سحقها وباعها بنصف دينار ليدخل بها السينما، سرق القمح والنحاس وبيوض الدجاج… لم تعجبهم طريقته في سرد الأحداث، هناك أمور مفقودة في القصة، غير المعقولة، أتلفتَ القصة، وظلمتها، أضعت التفاصيل، أين القبلة، صف القبلة… بئس الراوي أنت، لا بد من إعادة البضائع الفاسدة، هذه بضاعة مزجاة.

إعترف يا عكاض، بكم بعت زرياب؟
بلع عكاض ريقه: بخمس دنانير.

أصدقنا القول.

أقسم.. بتسع دنانير فقط. ثم إنفجر ضاحكا، حينها تقدم عادل قائلا : “وتضحك ،يا صحن “اللبلابي!!… “
لم أستطع إمساك نفسي من الضحك …ومن لهفتي على “صحفة لبلابي!!”
سحل الأصدقاء الثلاثة الصبي إلى الوادي ، وترجَّاهم: “التوبة يا شباب.. ثيابي.”
قالوا له: لا تخف، ستجف بربع ساعة في الشمس أيها الغشّاش.
أمسكوا به وهزّوه، وراحوا يعيدون على سمعه ما قاله سابقا له :

“المجد للشيطان، معبود الرياح، من قال “لا”في وجه من قالوا “نعم””.
ثم قذفوه في آهات النهر الأخيرة الضحلة.
صعد الثلاثة على الأشجار وغنّوا أغنية لم يسمعوها سوى من فم عكاض:
“: “من علم الإنسان تمزيق العدم، من قال “لا” فلم يمت وظل روحاأبدية للألم” . . .” !!
لكنني بعد العودة إلى الديار ، سارعت إلى تناول صحفة “لبلابي ..”..وأنا أضحك تارة على عكاض وطورا من شدة لهفة على صحفة اللبلابي،وهو عبارة عن أكلة تذكر كتب التاريخ الغذائي التونسي،أنها قادمة من تركيا إلا أنها أصبحت في وقت وجيز إحدى الأكلات التونسية المغذية والسهلة الإستهلاك والتأثير على المعدة..
وهي مكونة أساسًا من الحمص وقطع صغيرة من الخبز الكمون، ويمكن أن يضاف إليها عادةً أحد أو كافة المكونات التالية: بيضة، زيت زيتون، هريسة، قبار، تونة، زيتون.
كما تعتبر أكلة شعبية في العراق فهي موجودة أيضاً وتحضر من الحمص مع الماء المحمض، ويتم بيعهُ في الأسواق والشوارع العامة في العامة …
لكن رغم الكبر مايزال اللبلابي موجود لكن دون نكهة الأصدقاء والضحك ….والتمرد!!…

عماد الدين التونسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*