أسرار الطب البديل (قصة قصيرة) بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.

أخيرا حسم ميمون أمره وقطع الرجاء بعد طول انتظار فقرر أن يتصل بقاسم؛ الممرض في قسم الولادات بالمستشفى الحسني. سبعة أعوام طوال عجاف من العقم وعذاب الانتظار تزوج فيها ثلاث مرات على أمل أن يرزق ولدا يزين حياته، يحمل اسمه ويدخر إرثه ويتباهى به بين الناس… لم يترك طبيبا إلا زاره؛ كل من عاده من الأطباء وفحصه من الأخصائيين في الداخل والخارج أكد له عدم قدرته على الإنجاب… طبيب الشركة التي يعمل لديها في المانيا البروفيسور هيلموت كول كان أول من تتبع حالته الصحية منذ البداية ولمدة عام أو تزيد حتى قال له قبل أن يتوقف عن فحص وضعه الجيني:“Sie können leider keine Kinder bekommen !” لأن الطبيب ألماني فقالها بأسلوب لبِقِِ ولو شاء أن يكون مباشرا وجارحا لقال له بدون إطناب:” Du bist unfruchtbar:أنت عاقر وعقيم”! لكن ميمون كان مَنُوعًا عنيدا متشبثا بالأمل إلى حد الهوس! طلق الزوجة الأولى والثانية ولَم يُعِر بالاً لما قاله طبيب الشًركة … حين كان يصلي كان ينسى أَدْعيةَ المناسبات ولا ينسى تَضرّعهُ إلى الله كي يرزقه ذريّة… وإذا صادف أن قرأ إمام المسجد: “المال والْبَنُون زينة الحياة الدنيا…” (الكهف)، عضّ على شفتِه السّفلى لاعناً في سريرته حظه الندوب، وإذا سمع قوله تعالى: “إنما أموالكم وأولادكم فتنة…” (التغابن)، تذمر قليلا وقال في نفسه هذه فِتْنتي أنا، وتوقف عن تتبع القارىء… كل الأدوية التي كان يصفها له آخر طبيب من مقوّيات ومضاعِفات لعدد الحيوانات المنوية لديه لم تجد نفعا وكل الأطعمة الغنية والغالية الثمن من أسماك البحر ورخوياته ومحاراته … ومعها العسل الحر والحبات السوداء والزرقاء والريد بول والوايت هورس والكحول…لم تَفِ بالغرض. زوجته المسكينة كانت تسايره وتُمنّيه؛ تدعو له في الصلاة وتهيء كل ما تشتهيه نفسه من الأطعمة وتستهويه بالغنج وتستسلم له أن يضاجعها في جميع الأوضاع والأمكنة حسب ما يأخذه من نصائح عن عامة الناس… وبالموازاة مع ذلك كان ميمون زبون العطارين والعشابين؛ لم يترك منهم حتى الخليجيين من الكويت واليمن والإمارات والذين كان يتحصل على عناوينهم من الأنترنيت وتصله وصفاتهم عبر أسفار إكسبريس سواء في المغرب او في المانيا. ومن كثرة ما كان يمتثل لأوامر الأطباء والعشابين ويسمع إلى ذوي التجربة في مِحنة العقم والإنجاب فقد تكونت لديه ثقافة فضيعة في مجال الخصوبة والولادة إلى درجة أنه صار يتتبع بنفسه درجات تدفق حيواناته المنوية بالمليون والفاصلة ويعرف متى تزيد ومتى تنقص، وذلك عن طريق التحاليل والكشوفات المخبرية التي يجريها تقريبا كل أسبوع !. عندما قرر ميمون دخول المغرب بعد تدبير وترتيب الأمور بينه وبين قاسم الممرض وبناء على اتصال هاتفي جائه من عند الأخير، كان قد مضى على محنته سبع سنوات !… صلى صلاة الاستخارة وحزم حقيبته إلى مطار فلوك هافن بفرانكفورت. في اليوم الموالي وفي الزمان والمكان الموعودين تم اللقاء لأجل تسلم الأمانة! هو مع زوجته وقاسم الممرض مع مولودين توأم ذكرين طريين محنطين أحسن تحنيط! وتمت عملية التسليم والتسلم في احترافية شديدة: شيك بمبلغ سبعين ألف درهما لقاسم الممرض وأوراق رسمية تثبت الإنجاب البيولوجي للطفلين من ميمون وزوجته!… أقام ميمون حفلة بالمناسبة استدعى لها بعض الجيران وتفرغ لقضاء عطلته مع أسرته الجديدة. من عجيب الصدف أن ميمون لما عاد لاستئناف عمله بالمانيا بعد انقضاء عطلته السنوية وأودع الأوراق الثبوتية إلى إدارة الشركة لتسجيل الولدين ضمن مستحقاته من التعويضات العائلية القانونية، كان هيلموت كول الطبيب المندوب للشركة هو الذي يؤشر على الملفات من هذا النوع ولما رأى أوراق ميمون تحت عينيه تفاجىء وتذكر مشكلة عقم الأخير مما اضطره إلى استدعائه. ولما حضر إلى مكتبه وتأكد من كونه هو هو ! هنأه بصحته ومولوده التوأم وسأله عما جرى بعد لقائهما الأخير وكيف تطورت الأمور وحصل علاج العقم لديه ومن هو الطبيب الذي أشرف على ذلك؟!؟!؟ وانبرى ميمون واثقا من نفسه يحكي لهلموت كول كيف أنه بعد زواجه الثالث زار أحد الأطباء المغاربة فأعطاه بصيص الأمل وراح يتتبع أحواله البيوجينية أولا بأول يصف له فقط ماهو طبيعي من الأدوية إلى أن شاء الله فقدر وقضى… أما البروفيسور طبيب الشركة فكان ينصت له باهتمام كبير لأنه من أنصار “الطب البديل” ولأن ميمون كان يحفظ أسماء الأعشاب التي ابتلعها على مدى السنين بالأمازيغية والعربية والألمانية… وفِي الأخير طلب الدكتور هلموت كول من ميمون أن يمده بالإسم الكامل لطبيبه المغربي ومقر عمله أو سكنه. ما كان على ميمون إلا أن يذكر ممرض قسم الولادات بالمستشفى الحسني : KACEM AHLAT, Hôpital Elhassani,NADOR,Maroc. كانت هيئة أطباء ألمانيا تستعد لعقد مؤتمرها السنوي وفِي مثل هذه المناسبات تعقد ندوات وعروض يُستدعى لها كبار العلماء والأطباء والممرضين في كل التخصصات ومن كل جهات العالم… لهذا أرسل البروفيسور هيلموت كول دعوة رسمية إلى المدعو “قاسم احلاط” للمشاركة بحضوره في أشغال المؤتمر والتواصل مع أطباء المانيا لنقل الخبرة وتقاسم التجربة في مجال معالجة العقم والولادة، (الإقامة مدة أسبوع؛ نازل في أفخم أوطيل واكل شارب فابور زايدون الطيارة لارام خالص آلي روتور!!!) لما وصلت الرسالة إلى إدارة المستشفى الحسني…انتشر الخبر كالنار في الهشيم! حديث الناس في المقاهي والمدينة كلها تناقلت الخبر ! الأطباء حائرون يتسائلون: – هل يعقل أن ينال قاسم كل هذه الحظوة من الألمان وهو مجرد ممرض؟! من هو قاسم هذا في مدينة “التطبيب” بامتياز ؟! شارع يوسف بن تشفين وحده والذي لا يتعدى طوله300مترا يعج ب300طبيبا متخصصا وغير متخصص!… أما قاسم فلم يعر شأنا لما يشاع عنه لأنه شخص عملي هو لم يحضر مؤتمر أطباء ألمانيا لكنه كان مشغولا بشيء آخر… إذ لم يمر وقت طويل حتى صار نائبا في البرلمان المغربي عضوا أساسيا في لجنة الصحة والتخطيط العائلي! وكل تشابه في الأسماء والأحداث محض صدفة ليس إلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*