الأزمنة السائلة… بقلم الشاعرة حنان بدران من فلسطين.

الأزمنة السائلة
تغزوني حبات العرق
على شرفة البحر
يحتلني الموج العابر
وأنا لست أنا
وأنا اتبع خطاي الكسيح
أكون هذه اللامرئية
في عالم مرتبك
وفوضوي
أنظر إلى قرص الشمس
معلقا على سطح الأفق
يذوب كشعلة أرجوانية
تغطس رويداً رويداً في الماء
في اللحظة التالية
غاصت الشمس كلها
وباتت الخطوط المتوهجة
التي خلفتها معلقة
على حافة السماء ،
وهذه أحبال صوتي المسبية
والمنفية
كشوكة في عيون القلب
أكابر
كي أسير من زمن إلى زمن
داخل مدن تلفظني
خُلقت هنا ونشئت هناك
حملني عصف الزمان
ما بين هنا وهناك
رهنا بالوقت
تسكنني الذاكرة ثم تمضي
في قطار لا سقف له
وأنا أحصد سنابل الدمع
في بستان الزيتون
ارعى بلابل الحقل على فزاعة بلا رأس
واسقيها من ذاكرة مثقوبة
كبرنا ولم نعد نذكر كم كبرنا
صفير القطار يمزق الوقت
ثم يمضي ولا يعود
خذ بيدي أيها المستحيل
قبل بلوغ النهر
مات أبي وصديقي عند القبر
وباتت اللوحة ناقصة
والعنق مزنر بقلادة العار
أسجل
صدى بصمات الشاعرة
حين زرعت حجارتها السوداء
كصف أسنان نَخِرة
في كهف عند النهر
زرعت عنبا وزيتونا
وهضاب انكسار
رغم جنون الموج اللازورد
المُظْلم عند المنفى القفر
البحر والبرتقال يناديني
وجبال الكروم وسهولٍ
وبيت فينا
وشط صخري معلوم
أين تريد أن اوجه وجهي المهزوم
وأنا لاجئة من حيث لا أدري
وبأي ساحات الغربة أحوم !
جلدك لم يصبح أرقط الظهر
وإصرار ذاكرتي أكيد ومحتوم
رغم بلوغ سن الغربة والقهر
أفكار تطير من رأسي
لتتحول لفراشات في ذاك الحقل
لتعود بقطوف دانية من هناك
قبل أن تصاب بالحمى
حين زرعتها في حقول كفي
فأثمرت كفاي
في كل شروق وغروب
تحت سحب المنافي !
يتموج الضوء وهو يرمدُ
منسحبا خطوة خطوة
والسماء السوداء تهبط من فوق
كأنها جسدا ضخما يتنفس
حشرجة صوت مسموع
تهبط لتطبق على صدري بصمت
انسحبت المدينة
من ورائي حتى استحالت
نقطة سوداء في مجرة غامضة
عند نهاية الأفق..
ما بات يفصلنا جدار أعزل طويل
خلفه المصاريع تتفتح واحداً وراء الآخر
فظهر القمر متجهما والنجوم قاسية الملامح
كأنها مناقير دميمة
انطوى الزمان يطوى
كل ما كان على الأرض تباعا
من حقول وبيوت واكشاك بعيدة
بحر وجداول وكل الاضواء
زفير القلب مخنوقا
يلقى بنفسه في موجة صاخبة
وأنا اغوص في ليل تورم
أمام قضبان الغار الأحمر
رضعت اللون من لعاب ناي
كنجمة عاجزة وقبيحة
إكليل الجبل أو زنبقة حيّة أو ميتة
أتراها تضاهي طائر بحري
أتراها تضاهي دموع شمعة واحدة
تذوب بقلب سليم ؟
اتدحرج بلا نهاية بالعجز المهيض ؟!
وأنا أرى ناصية رأسك ترتع بالقمل
حين بتُ لا أحصي خطاي المعدنية
وهي تدق بقوة
تدق.. تدق .. تدق
ذلك الجدار …!!!
حنان بدران
19يونيو 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*