ليس من سمع كمن رأى..! بقلم الكاتب خالد لسود من تونس.

و أنا بصدد كتابة فصل عن ” الحرقة ” ضمن روايتي الجديدة ” فرنسا … أمّاه ” احتجت الى شاهد ليكون الوصف دقيقا بحجم المأساة التي يعيشها الشباب التونسي .فاتصلت بأحد الناجين من حادثة غرق إحدى سفن الموت التي راح ضحيتها أكثر من ثمانين من خيرة شبابنا . جاء به أبوه ليحدثني و أثناء سرده رأيت آثار خدوش على رقبته فعرفتُ أنها لغرقى حاولوا النجاة عبر التشبث به و إغراقه بدلا عنهم . أثناء كتابة الفصل تخيّلتُ أبا يملك ابنا وحيدا يتمسّك بالهجرة عبر البحر فيقرّر الأب أن ” يحرق ” مع ابنه ليوصله الى بر الأمان . و في مشهد الغرق المأسوي يجد الأب نفسه بين خيارين قاسين . إما أن يغرق ابنه و إمّا أن يغرق الآخرون .و لكن ما إن أنهيت كتابة الفصل حتى سمعتُ أن ابني قد ” حرق ” و نجا بحمد الله ووصل الى أخيه بباريس .لم أعد الى الفصل و لم أغير شيئا في تفاصيله لأنه كُتب برواية من سمع و ليس برواية من رأى .و هذا مقطع من الفصل يجسّد أفظع مشهد تراجيدي من الخيارات القاسية للحياة : ” بدأت حتمية غرق المركب بأكمله تتأكّد و شرع الجميع يبحثون عن سبل للنجاة …رموا كل الأشياء التي يمكن أن تطفو على الماء …و خطر لبعضهم أنّ التخفيف من حمولة المركب يمكن أن تعيد توازنه فيعلو من جديد فأخذوا يتدافعون ، يتصارعون على البقاء . يرمي بعضهم بعضا خارج المركب . فجأة تألّبوا عليّ … انتزعوا ابني من بين يديّ و قذفوا به … رأيته بأم عيني يغرق ، لا يستطيع مقاومة الانجذاب الى الأسفل . رميتُ إليه لوحا ريثما أصل اليه .و لكن ما إن تشبّث به حتى لحق به بعض الغرقى و و زاحموه على اللوح الذي كان صغيرا فأنشبوا أظافرهم في رقبته لاستبعاده و الحلول محلّه فوق اللوح الطافح . كان يتنفس بصعوبة و ينادي مستغيثا …. قفزت إليه . حاولت نزع قبضتهم عن رقبته التي سالت دماؤها و امتزجت جروحه بملح البحر فازداد صراخه. أرخو قبضتهم عليه فشهق متنفسا بصعوبة. كانوا يتنازعون البقاء فتمسّكوا بي . حاولوا إبعادي . ضغطوا على رأسي لإغراقي . كنت أرفع رأسي الى أعلى بصعوبة بكل ما أملك من رغبة في الحياة . وكم كانت أظافرهم حادّة وهم يغرزونها في رقبتي … بدأت قواي تنهار و نال مني التعب … بدأت بالاستسلام لمصيري بعد أن فقدتُ كل قدرة على المقاومة …لكني رأيته في القبس الأخير من وعيي يضربهم على رؤوسهم بلوح صغير تعلوه مسامير فعاد اليّ الأمل و الوعي و أدركتُ أنه لا مناص من الحسم . اتخذتُ قراري و فهم ابني ما يجول في خاطري فسلّمني لوح المسامير . هذا اللوح الطافح الذي يتمسكون به هو طوق نجاتنا الذي لا يتّسع للجميع …إمّا هم و إمّا نحن . لا مجال لخيار آخر . الدفاع عن اللوح يقتضي استبعادهم . كان قرارا نذلا و جبانا في مواجهة الموت . غريزة البقاء و البقاء للأقوى ، قانون الطبيعة الجائر .إنّ أخطر الخيارات أن تقرّر النجاة بموت الآخرين . و قد فعلتُ حبّا في ابني و رغبة في خلاصه . أنانية الأب ولّدت لديّ وحشية لم أعهدها .و مثل لبؤة تحمي صغارها بضراوة أخذتُ أوجّه إليهم الضربات كيفما اتفق و أركلهم منتزعا قبضات أيديهم على اللوح فانغمرت أجسادهم الى أسفل و كان أفظع ما عشته منظر أحدهم وهو يودّع آخر لحظات وجوده …. حاول أن ينطق الشهادتين فلم يستطع إلا نصفها … زعزعني المشهد فأمسكتُ بإصبعه للنطق بما بتقى من الشهادتين … رفعته الى أعلى في محاولة لإنقاذه لكنه ختم أنفاسه الأخيرة وهو ينظر اليه نظرة غريبة متّهمة … كدت أفقد وعيي من هول ما رأيتُ و لكن تدافع الأسماك و ارتطامها بأرجلنا أيقظني فتشبثنا باللوح و جدّفنا حتى ابتعدنا مسافة كافية ثم توقفنا . احتضنته و بكيتُ … بكيت طويلا …أطلت عليّ أمّه من برزخها مهنّئة فرددتُ التحية مبتسما … و لكن تناهت الى سمعي شهقاته و أحسست بدمعته تنساب حرّى على كتفي … سمعته يقول : ” أرأت يا أبي ؟ بذمّتك هل هذا بلد يستحقّ العيش فيه ؟ بلد يرضى أن يرمي بأبنائه في عرض البحر ، أن يُباعوا في سوق النخاسة لحما رخيصا لأسماك الأعماق ، أن نرتدّ على بعضنا فنتدافع و نتقاتل و نغرس أظافرنا في رقاب بعضنا . يا للخسران المبين ! ” ثم زاد نحيبه وهو يذكّرني بالمشهد الأخير من لعبة الموت ، مشهد الفتى المحتضر الذي لم تمهله المنيّة أن ينطق الشهادتين كاملتين … تذكرت نظراته الزائغة المتّهمة … أحسستُ أنّي قاتله . ألم أسحب لوح النجاة من بين يديه ؟ يا للخسّة ! بل يا للنذالة و يا بِئس ما فعلتُ ….. ستلازمني اللعنة ما حييتُ ” .

Peut être une image de 1 personne, plein air et monument

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*