‎الديك البورغواطي… قصة قصيرة بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.

‎يَلوحُ من بعيد، عند راسْ الدّرْبْ مترنحا ككومة من الظل أو ككيس بلاستيكي أسود كبير يهزه الريح ويُرَجِّحُه ذات اليمين وذات الشمال تحت أضواء باهتة لمصابيح متهرئة فقيرة .
‎إنه هو؛ كعادته في هذا الوقت بالضبط، يعود إلى بيته مع آذان الفجر تُرسِله مكبرات الصوت من كل حدب وصوب ومعه عواء الكلاب المحاكية… حتى إذا توسط الحي السكني، اعتدل وأحْنَفَ في مشيته. من يتقاطع معه في الطريق يحسبه قاصدا أو قادما من المسجد وقد أفرغ من أداء صلاة الفجر (العجيب الغريب أنه يحمل في جبينه دينارا مع أنه لم يسجد قط مع الساجدين الذين لم يسلم من لدغ ألسنتهم وسقط فضولهم؛ قال أحدهم عن سر الدينار الذي على جبينه إنه يتكأ به على الجدران ليمسك توازنه أثناء التبول وهو تحت تأثير الكحول! وقال آخر إنه يعتكف ويتنسك في غار بعيد! بل إن أحدهم يقسم أنه قد شاهده عدة مرات وهو سكران حتى الموت يسقط أرضا على جبينه كسقوط عمود الكهرباء!…على أية حال فتلك حكاية اخرى)
‎ عندما يقطع الصراط الوحيد ويدرك بيته، يدخل ويتسلل مباشرة في الفراش البارد والمهجور إلا من سياط جَلْد الذات المنهمرة، فكثيرا ما يؤنبه الشعور بالندم عن فعلته وعما ضيعه من وقت ومال.
‎ ما أن تكف الأبواق المرسلة لآذان الفجر المختلط بعواء الكلاب، حتى يصدح ديك جاره بالصياح : قوقوعوعووو… بدون انقطاع ـ ” هذا اللي كان ناقص ” يلوكها متبرما ويبتلع ريقه الجاف الممزوج بحموضة العنب الفاسد. وينقلب على الجنب الذي يريحه. يتكمش محاولا تجاهل صياح الديك الحاد دون جدوى. يدفن وجهه في الوسادة ضاغطا بذراعيه على أذنيه فيتناهى إليه صوت الديك واهنا عميقا (توربو): قوقوعوعوو…
‎ هكذا توالت عليه الليالي وتشابهت؛ آذان ونباح ثم إذا انبجس الصباح طفق فَرّوجُ الجار بالصياح وفرك الجناح… قوقوعوعووو… آه وآه ثم آه.
‎ نفذ الصبر بعد كل عناء وقرر أن يجد حلا لأرق لياليه فاعترض سبيل الجار الذاهب إلى المسجد.
‎ـ السلام عليكم جاري
‎ـ …
‎ـ الفروج ديالك يقلقني ، يؤرقني وأنا دائما أحتاج إلى النوم كي أستعيد قواي للعمل في اليوم الموالي..
‎ـ مممم
‎ـ يا جاري، بعه لي ..أو تصدق به في وجبة عشاء على بركة الفقيه يزيدك الله من فضله.
‎ـ يجعل خيرا إن شاء الله.
‎انبرى الجار يعلف الديك أكثر من أي وقت مضى، وإمعانا في إنزال العقاب بالسكايري الذي لم يخجل من نفسه، اشترى لديكه الفحل دجاجة يسكن إليها، كما صنع لهما خما حقيقيا فوق سطح داره.
‎ فك البئيس الرسالة وفهم الإشارة فرضخ للأمر الواقع، كان لا يمل من سرد معاناته على رفاقه حتى صاروا يقاسمونه الشعور ويبحثون له عن حل؛ فقد اقترح عليه أحدهم أن يلقي فوق سطح جاره ببعض الخبز المبلل الممزوج بدواء البرغوث القاتل للدجاج. وأشار عليه آخر بالسرقة… أما أصغرهم فقد استقدم معه يوما مقلاعا وأعطاه إياه قائلا:”هاهو وما يخُصُّ إلاّ الرصاص نيّشْ مْليح تَتهَنّى”…لكن التعيس المسالم قد رفض كل الحلول الإجرامية خوفا من أن تزيد المشاكل. وأطرق مفكرا في عظة أمه ونصحها له ذات فجر من الفجور:( أن ابتعد يا ولدي عن رفاق السوء وكف عن الحرام وعد إلى الله…). واسترجع شريط الذكريات فلم يجد في ماضيه محطة تشرفه ولا قيمة يفتخر بها وندم كثيرا وأسَرّ إلى نفسه : “لماذا أنا هكذا ضائع بلا طموح بلا مسؤولية؟ ماذا فعلت بكل هذا العمر؟ ماذا جمعت؟…”، وفكر في جاره الذي عقده بديكه :”لماذا لا أكون مثله وأحسنه؛ أصَلّي الوقت وأقرأ الحزب مع الطلبة؟ سيحترمني الجيران ويأخذونني في الحسبان. سأتخذ من ذلك الفرّوج المنحوس ساعةً ومنبّها أفيق عند صياحه وأصَلي الفجر، بدل أن أعود سكرانا في هزيع الليل وغبش الصباح مثل كيس بلاستيكي فارغ يجحف به الريح ذات اليمين وذات الشمال…
‎ وكذلك كان؛ انقطع عن رفاقه وصار يصلي مع المصلين فنهته الصلاة عن الفحشاء، يشفق على الأيتام ويصل الأرحام، لا يكذب ولا يزني، يكثر من القراءة حتى اطلع على كبريات أمهات الكتب وتعرف على مذهب البورغواطيين فأحب معهم الديك وصار ـ في السِّرِّ لا العلن ـ من محبي فريق فرنسا لكرة القدم لكون الديك رمزه !…
‎وذات فجر، كان هو خارجا من المسجد مع المصلين، لاحظه جاره صاحب الفرّوج فاستوقفه:
‎ـ السلام عليكم جاري
‎ـ …
‎ـ والله إنّني،
‎ـ لا باس إن شاء الله قلْ ماذا؟
‎ـ ذاك الفرّوج، هو صاحب الفضل في توبتي..
‎ـ مْمْمْمْمْ
‎ـ أرجو أن تتجاوز عني تجرئي ووقاحتي
‎ـ ماكاينْ باسْ
‎ في مساء ذات الفجر وبعد صلاة العشاء لذات اليوم! كان الحي يعبق برائحة الفرّوج البلْدي ومرْق الزبيب والسّمْن الحرّ… ولوحظ فقيه المسجد يخرج من منزل الجار ثَمِلاً مُتْخَماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*