نحن أيضا أبطال دوستويفكي… قصة قصيرة بقلم الكاتب عبدربي زكود من المغرب.

“إن بشاعة حياتنا الآنية هي امتداد لماضينا و ذكرياتنا”

أمشي متثاقل الخطوات لا وجهة محددة لي أحاول التقدم و أتابع المسير و أفكر في ما تبقى لي من الوقت، لقد صرت تلاثون؛ تلاثون سنة بالتمام والكمال بجسد نحيف أخد منه الزمن ما أخد و أمضي مكملا طريقي وسط شارع أعرفه جيدا ولا أعرفه؛ لقد كان في الماضي عبارة عن زقاق و ذات بنايات قديمة وها هو الآن شارع رئيسي يضم متاجر ضخمة و زحمة خانقة، فكلما مررت من هنا أحاول إسترجاع شيئ ما، شيئ ما لا أعرفه، فذاكرتي مشوشة ولم تعد تعي أنني مررت من هذا الشارع طوال هذه السنين، فالزمن شيئ حقير وناكر للجميل يستطيع أن يعيد لك مشهذا من مشاهد حياتك في ثانية أو ثانيتين. اخرجت من جيبي سيجارة “روثمان” أشعلتها بلهفة التائه تم انعطفت يمينا وسط ساحة كبيرة و جلست احملق في اللاشيئ، بعدها وقفت مندهشا و قلبي يخفق بوتيرة متسارعة من شدة الخوف مما شاهدته.
لقد رأيتني..!
لقد رأيت نفسي!
نعم إنه أنا!
و ها هو صديقي حسن أيضا!
بعدها حاولت التأكد و الإقتراب شيئ ما،لقد كنت “أنا”
ذو العشر سنوات مع صديقي “حسن” و ما زاد الموقف رعبا هو أنني رأيت أمي أيضا، إنها أمي في ريعان شبابها تلاعبني و تداعب شعري الرطب، لقد كنت صبيا جميلا بريئا و كان “حسن” صديق الطفولة لقد درسنا معا و لعبنا معا و ارتدنا الجامعة نفسها؛ صديقي حسن مات منتحرا العام الماضي اتذكر جيدا قبل وقوع الحادثة انه انغمس في قراءة دوستويفسكي، لقد قال لي ذات يوم: أنا عاجز عن الحب و الحياة يا صديقي كما أنني أشفق على حالي كلما قرأت لهذا الكاتب المفجع،مردفا و بنبرة مالت للبكاء قليلا “لو أستطيع أن أهرب أبطال دوستويفسكي، لو أستطيع لسلمتهم إلي الله لكي يرعاهم و يحميهم”
كان هذا آخر لقاء جمعني بصديقي حسن، لكن ها هو لقاء الطفولة يتجدد من جديد نلعب و نلهو بكل حب وحرية .بعدها حاولت الاقتراب فمررت بجانب أمي رمقتها و رمقتني لكنها لم تستطع التعرف علي ربما بسبب لحيتي الرثة و الشحتاء،فالزمن كفيل بأن يحولنا إلى أشخاص غرباء أشخاص دميمين و قبيحين و بشعين، فبشاعة حياتنا أحيانا هي امتداد لماضينا و لذكرياتنا.
تم اقتربت “مني ” من نفسي و من صديقي “حسن” هم أيضا لم يستطيعوا التعرف علي، فبادرتهم بسؤال كنت أعرف ماهية اجابتهما،ما اسمكما أيها الولدان الجميلان؟
آجاباني ببداهة الطفولة:
-أنا إسمي “علي” و أنا اسمي “حسن”
تم ابتعدا يركضان و يلهوان، أما أنا فقد وقفت مندهشا و حيدا وقد أمتلئت بكل أسباب الغياب، ولوحت لهم بيدي و قلت بصوت خافت:أنا أيضا إسمي “علي” وقلت لصديقي “حسن” :نحن أيضا أبطال دوستويفسكي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*