مجموعة قصص قصيرة جدا للقاص عبد الرحيم التدلاوي من المغرب.

يا آدم؟
قوة المشهد زعزع أركانها، فأسقطت أناملها الرقيقة كالفراشات هدية عيد الميلاد؛ قارورة عطر فاخرة. كان لسقوطها دوي كالصرخة، جعل الرجل العاري يلتفت بذعر، ويشعر بارتباك يسارع إلى ستره بورق التوت، غير أن الرائحة، المنتشرة كسحابة غاضبة، كانت أنفذ..
وشم الكتابة
أحضرت المجمر، لهبته جيدا ثم ألقت فيه خليطا سرعان ما ارتفع دخانه، داعب عبيره أنفي، فدغدغ عيني نمت، لم أصح إلا بفعل يد حنون تربت على كتفي، كانت في أعلى بهائها، عارية تشع جمالا، ارتميت في حضنها، وعلى السرير شربت من لذائذها، وبقينا على أنخاب الحب زمنا إلى أن سمعت طرقا حفيفا ففتحا للباب، لتدخل بمجمرها ثانية، طالبة منها ، أمام اندهاشي،العودة من حيث أتت؛ تطويني طيا، لتلقي بي في نار الشوق.
حسرة
كنت كمن أصابته نوبة غضب شعواء، فادلهمت الدنيا في عينيه.. سار خلف غريزيته كوحش وراء طريدته المشتهاة، تناديه رائحة الدم ، فيستجيب لسحر النداء، وحين يترجل عن صهوة الغضب، يبهت مما أتته يداه، فيقول متحسرا، وقد نظر إلى مرآة الوجود الساخرة تنظر إليه بعتاب: أأنا؟
يا ويلي ! ماذا فعلت؟
كانت زوجتي النازفة حقدا ترشقني بنظرات الإشفاق.
استغراق
كنت منغمسا، في زاويتي بمقهاي المعتادة، في قراءة رواية فكاهية تسري عني، وإذا بقلبي ينط من صدري لينطلق باتجاه فتاة بالركن البعيد حيث كانت تذرف دمعها الحار، كفكفها قلبي، ولم يبتعد عنها إلا حين رأى ابتسامتها تضيء وجهها الجميل، عاد إلى مكانه، فرميت بالرواية في سلة المهملات، وشعرت بدمع ينزل من عيني، ثم أخذتني غفوة لم يخرجني منها سوى صوت النادل يخبرني أنهم سيغلقون المحل، ومدني برسالة، فتحتها لأقرأ: الميتون لا يستحقون الحب!
وضعتها في جوف صدري صفقت الباب خلفي، وانغمست في الظلام…
ورأت في الحلم حلما
رأته يخرج من الظلام، عاريا تماما، ناتئا ومسننا، قادما باتجاهها يريدها…
أفزعها المنظر، وأخافتها بشاعة القادم، فأطلقت عليه صرختها..
فتكسر الحلم.
درس المطالعة
يفتح الطفل، صباحا، دفتر المطالعة، ويقرأ:
صف طويل ومنتظم من النمل يسير بثبات وهو يحمل طعامه فرادى وجاعات، يتحرك بانضباط لا يحيد عن الخط المرسوم له مسبقا.
في الجهة المقابلة يجلس صرار تحت شجرة مثمرة ووارفة الظلال، يحضن عوده بحب كما يحضن الراعي نايه، يداعب أوتاره فتنبعث منه أنغام ساحرة يتبعها بغناء بصوته الشجي فيرفع من حماس النمل وإيقاع حركته، ويضبطها كمايسترو محترف..
تقف نملة، طويلا، تتأمل الصرار، ثم تدعوه إلى أن ينضم إليهم، ليحمل طعامه إلى مأواه في هذا الصيف حتى يجده أيام القر، فالدرهم الأبيض ينفع في اليوم الأسود…
ينظر إليها للحظة ثم يعود لعوده غير عابئ بكلامها، وينصرف إلى دوزنة آلته..
يغلق الطفل مساء؛ وقد كبر، كتاب المالعة، يسرح قليلا، لقد سار ذات سنوات عجاف على خطى رمز العمل حتى وصل إلى المقهى في موعد من سيمنحه عقد عمل بالخارج…
في المساء يشاهد الطفل الكهل الصرار ينزل من سيارة فاخرة تحيط به المعجبات، يتنسمن عطر شهرته الفواح!
قرر إخلاء سبيل العقد الاجتماعي.
الوادي المقدس طوى:
وإذ بلغت منتصف سرير الوادي الجاف، رأيت في الأفق سحبا دكناء تتجمع، وسمعت رعدا وبرقا يخلب الأبصار؛ أسرعت الخطو لأبلغ شاطئ النجاة وقد تخلصت من حقيبتي الثقيلة.. سمعت صوتا يلاحقني:
احذر صمت النهر، ولا تدنس حكمته!
جف نبضي، وتكلس خطوي.
حلم طائر
لا أحب الصيد فلست قناصا، ولا أحب رؤية مشاهد الدم؛ مشاعري رقيقة…
لكن .. المحتمل ممكن:
أغوتني الغابة بغموضها الساحر، ووضع حلمي بين يدي بندقية عجيبة، ودفعني إلى التوغل، عدت بعض فترة محملا بطريدة وحيدة: قلب جريح.
برزخ
في لحظة غضب جمع قبضة يده وضرب بها الهواء؛ فتناثرت صورةالزعيم…
غاض منسوب فرحه سريعا؛ فقام يجمع المتنافر حتى اكتملت الصورة ووضعها في قلبه.
تراتيل الغياب
أقام ردحا من الدهر في مكتبته يقرأ الكتب؛ يقلب أوراقها بتمعن في رحلة عطش محمومة، وتحت سياط أسئلة لاهبة…
في لحظة وعي حادة أدرك سر الوجود وحقيقته، لما أراد أن يعبر للناس عن رسالته، خانته الحروف، بدأ يضرب الطاولة بقبضة يده لإبعاد الحبسة إلى أن سالت دما، فما زاده ذلك إلا اختناقا، خرج إلى الشارع صارخا…
كان الناس يمرون قربه مبسملين ومحوقلين..
وكان يرشقهم بكلمات غامضة كالحياة.
حظ
يكتب قصائد حب بدمه..
يوزعها على كل النساء من دون تمييز..
يعود إلى منزله، مساء، ليجد علبة بريده فارغة كصبح أعمى..
يعاود، صباحا، الكرة؛ فقد تسلم الجرة…
إلى أن فرغ مداد دواته.
إصرار
كل صباح؛ يرسم على الجدار شمسا، وبحرا:
يجلس على هامش الحياة، يستمتع بالدفء، وبمشاكسة الموج..
في كل ليل؛ تأتي يد الظلام، تمحو كل شيء، تطفئ الأنوار، وتغلق الأبواب جميعها.
غبار
لم يتمالك التمثال، وهو بالمناسبة نصب لفارس المدينة الذي حقق انتصارات باهرة في المعارك التي خاضها ضد الخصوم، نفسه؛ فقد بدأ يتصبب عرقا إذ رأى بالقرب منه فتاة حسناء تنزع عنها ثيابها بشكل مغر تخففا من الحر اللافح استعدادا للسباحة في النبع المتدفق قريبا منه..ارتفع لهاثه ككلب مخنوق بالرغبة..لم يجد ما يقوم به سوى طعن نفسه بالرمح الأخير الذي بين يديه..
استيقظت المدينة مرعوبة ودم من قلبها يسيل.
هوة
تطل امرأتان في سنين مختلفتين من شرفتين متقابلتين إلى نقطة في تحت حيث في الطريق المبلط يوجد رجل مسجى بعينين متفتحتين؛ في كل عين صورة امرأة؛ واللسان مثقل بكلام كثير يستحيل خروجه. تنظر المرأتان إلى بعضهما.. تبتسمان.. وتنصرفان إلى الداخل؛ فيما المسجى قد ترك إشارة يمكن أن تساعد المحققين في فك لغز القصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*