قراءة في نص الشاعرة نبيلة الوزاني ” في تمَامِ البَياضْ” بقلم الناقد مختار حمري من المغرب.

إضاءة قيّمة ثمينة أعتز بها كثيرا أهداها لنصي الأستاذ القدير Si Mokhtar Hamri أخي الكريم اهتمامك مدعاة فخر وسرور أيها الوارف المتألق الراقي يحمل السرور الذي يزرعه بهيّ ثنائك وصدقا أجدني مقصرة في حق هذا الحضور الفخم فتقبل مني هزيل قولي لكنه من أصل القلبكل التقدير لهذه الروح البيضاء التي تسكنك يا مواطني الأديب الراقي القدير ، اعتزاز متبادل وكثير امتنان لرؤيتك الغالية ولثنائك الجليل أيها النبيل ، يسرني أن تكون نصوصي في مرمى انتباهك ..لك الضياء والسلام ، تقديري والمودة وتحيات عبقة بهواء مغربنا العزيز … تقديري الكبير.

النص:

& في تمَامِ البَياضْ &

بَعضُ حِكاياتِ الحُبِّ
لُعْبةٌ
ابْتدعَها الخارِجونَ
عَنِ الصِّدقِ
وعاشَها النّافِذونَ
في َحَقيقَتِهْ .
الصِّدقُ مَعبَرٌ فِطْرِيٌّ
لِنُفوسٍ تشْتري الضّوْءَ
مِن مُدنِ الشّمسِ

فَمَن يُضيفُ للمَعبَرِ خُطوَة؟

بَعضُ الحُبِّ
لُعبةٌ
إذا ما اهْترأَ بَريقُها
انْطَفأْ .
الحُبُّ عِندَ البَعضِ
لُعبَةٌ
لَمْ تَنجُ مِن شِراكِها
الأَصابِعُ البيْضاء ،
أخبِرْني أيّها الوَرقُ
إلى مَتى سيَعتَنِقُ الحِبرُ

أساطيرَ القَصّاصينْ؟

أيّها الحبُّ
هلَّا تخيّلْتَ قيْساً
مُقْصىً عَنْ خِمارِ ليلَى ،
ما حِيلَةُ الشِّعرِ
والرّيحُ بلا أُذُنْ ؟ …
كيفَ أشرحُ لِعقْلِي
رحلَةَ اليائسينَ
إلى مِقْصلَةِ النّهايَة؟
فَمَا أَدْراكَ يا شِيكْسْبير
أنَّ عَشيقيْكَ الخالِدَيْنِ
لَمْ يَكنْ لِيُصَابَا بِالجُنونِ
لَوْلا صِراعُ الكَراسِيّْ ؟…
بِماذا أَفُكُّ تَلعثُمَ النُّورِ
حينَ يكتظُّ الظَّلامُ ؟
حتّى أنتَ يا إحسانُ
ليْتكَ لَمْ تَجْعَلْها
(نظّارةً سَودَاء)
ورسمتَ السُّطورَ
مَجرّاتِ أَلْوانٍ

لاعْتَدَلَ مِزاجُ الرِّوايَة .

لُعبةٌ حَمقاءُ
تُصَيّرُ الحُبَّ نَهراً نَحيفاً
يَرتديهِ عَطشُهُ
تُحاصرُه الضِّفافُ
يَضِيقُ سُمْكُهُ أَََكثَرَ فأَكثَر ،
تُطالبُهُ الأَسْماكُ
بِنصيبِها مِنَ الماءِ
يَركضُ و يَركضُ ويركْضُ

فيَغرَقُ في عُمقِهْ .

لا شَيءَ يُبَعثِرُ المَعْنَى
كُلّما سَلِمَتِ القَواعِدْ ،
تَقولُ الطّاوِلَةُ :
كلُّ لُعْبةٍ قابلةٌ للتّفكُّكِ
حينَ تخْتلِفُ النَّوايا ،
كُلُّ لُعُبةٍ مُنْحدِرَةٌ للنّهايةِ
حينَ تصْطَدِمُ الرَّغباتْ ،
وتَبقَى الغايَةُ

سِيكُولُوجْيا الكَوالِيسْ .

أيّها المُقيمُ
في القُصورِ الرّمليةِ ،
أنا امرأةٌ
تُفضّلُ القواعدَ الثّابِتَة ،
أشُدّ زِمامَ الافْتِتانِ
إذا ما دَعانِي
لِرحلةٍ بَعيدةٍ عنْ مَواسِمِي ،
لا تسْتهْويني لٌعبَةُ النّرْدِ
أعشقُ الشّطْرَنْجَ
أَمْتطِي أَحصِنتَهُ
أتجَاوزُ بَيادِقَهُ ،
الحَصيلةُ :

كَشْ مَلِكْ .

يَسألُني غَباؤُكَ :
هَلْ لِلْحِكايةِ مِن قِيامَة؟
يُجيبُ فَصلُها الأخيرُ :
في شَرعِ الحُبِّ
لا تُقبَلُ تَوبَةُ الّلاعبِينَ ،
فَكيْفَ يا غزيرَ الدُّمَى
ستنْتظِرُكَ
على ناصِيةِ القَلبِ
امْرأةٌ
في تَمامِ البَيَاضْ ؟.
،،،
نبيلة الوزّاني

01 / 06 / 2021

الإضاءة برؤية أ . Si Mokhtar Hamri :
قراءة من وحي(في تمام البياض ) //للشاعرة نبيلة الوزاني المغرب
القراءة سي مختار حمري -المغرب
1–مدخل نظري :
بمجرد الإقتراب من النص تطالعنا كلمات تفجر ينابيع الفكر لدينا ( des mots frappants et explosifs)
أحددها في ثلاث لها وقع خاص على الفكر و النفسية وتحتاج وحدها وقفة قد تطول بنا قبل أن ندخل صلب النص ..
الكلمات هي : البياض- الحب- اللعبة (اللعبة لا تعني فقط التسلية بل إن بعض الفلاسفة والباحثين يعتبرون كل ما نسميه جدي في الحياة هو مجرد لعبة وسأتطرق لذلك في حينه )….
الكلمة الأولى جاءت في العنوان (في تمام البياض) والمدهش اختتم بها النص ، إذا نحن في دائرة فكرية ، نقطة البدء هي نقطة النهاية والحصيلة أو عصب النص سيبقى كما نفترض في اطار هذه الجملة المفتاح التي سنعود لدلالاتها دوما لتقييم المواقف مما يطرحه النص من أفكار …
وهنا إن سمحت شاعرتنا ، ببعض تداعي الأفكار ، والتي صراحة لم أستطيع رغم المحاولة لردعها سبيلا ، سأسوق بعض الأمثلة التي قد تفيد كمدخل للإحاطة بالنص:
–يقول ابن عربي الصوفي:
“….الدائرة -في المطلق-مرتبطة بالنقطة..
النقطة -في المطلق- ليست مرتبطةبالدائرة.
.نقطة الدائرة مرتبطة بالدائرة””
من الناحية الهندسية لا يمكن بتاتا أن نرسم دائرة دون نقطة وهي النقطة المركزية وتعريفها مجموع النقط التي تبعد بنفس المسافة عن نقطة مركزية ..لكن النقطة لا تحتاج في المطلق إلى الداءرة لكي تكون ، ققد تكون موجودة في خط أو حرة أو في معلم …إذا الدائرة غير مستقلة عن النقطة..بينما النقطة مستقلة عنها….
التاويل : قد ننشىء فكرا دائريا حول فكرة نشبهها بالنقطة ويكون كل ماانتجناه تابعا لها .. فالأفكار الأخرى مهما كانت شساعتها مرتبطة دوما بالنقطة (الفكرة) وقد نجد مثل هذا البناء في النصوص..
–يقول محمد اراكون هناك في الفكر ثلاثة دوائر: المفكر فيه – اللامفكرفيه-المستحيل التفكير فيه …ولو رسمنا دوائر للفكر العربي لوجدنا واحدة كبيرة جدا للامفكر فيه، واخرى للمستحيل التفكير فيه ، وفي الوسط واحدة أصغرنسبيا للمفكر فيه ..بما معناه أننا أصلا لا نفكر بمافيه الكفاية ”بالمفكرفيه” فكيف لنا بالتواجد في الدائرتين الأخريين ….
— يقول الحكيم البوذي :”كل مجهود يبدل من أجل الفهم يحطم الموضوع الأول للإهتمام ، ويقودنا الى موضوع ثان ، يتطلب بدوره مجهودا آخر ، يلغيه من أجل موضوع ثالث ، وهكذا ذواليك حتى ننتهي الى ذلك الحضور الوحيد الخالد حيث ينعدم التمييز بين المعنى وغير المعنى تلك بالذات نقطة انطلاقنا”
اذن بالنسبة للبوذي الذي يمارس التأمل هو الآخر يؤمن أن الفكر يمكن تمثله في شكل دائري
2–العنوان :(في تمام البياض )
تمام: على وجه كامل، مضبوط، مكتمل،غيرمنقوص،ممتلىء ، بكليته ، الأكثر بياضا…..
البياض: يمثل البياض في كل الثقافات مفهوم النقاء، البراءة،الضياء ، بدلالة معاكسة للسواد الذي يدل على الظلمة

في علم النفس: البراءة ، الوفاء ، الطهارة ، العفة ،الأمل،التفاؤل…
الفساتين البيضاء التي تلبسها العرائس اشارة إلى الحفاظ على مايدعى الشرف…لون يوحي بالإشراق ،الإتساع..
الحمام الأبيض رمز السلام
البياض يرمز أيضا إلى: الترف، الغنى، الثقة ، الأمانة، الحيادية في الحروب ، أو الاستسلام
الفقهاه والمتدينون عامة يرتدون البياض: مسلمين ومسيحيين مع بعض الإختلافات .. بالنسبة للمسلمين : في الإحرام ,يوم الجمعة ، الأعياد ، الأكفان ، الأرامل في بعض البلدان يتوشحون البياض …اذا البياض .قد يرمز للفرح أو الحزن
فيزباءيا: الضوء الأبيض هو مجموع ألوان الطيف إذا استعملنا موشورا أمام شعاع أبيض نحصل على جميع ألوان قوس قزح ” ألوان الطيف المرءي من طرف الانسان” ..
باختصار يتبين لنا إلى أي مدى دلالات البياض متشعبة وإلى أي مستوى يمكن أن تتشاكل مع دلالات أخرى …
أشير الى أن الشاعرة في اختيارها للصورة المرفقة للنص ..اختارت نموذج قلب أبيض بياضا حليبيا صافيا على دعامة بلاستيكية شفافة في خلفية سوداء عاكسة وهنا نلتقط ثلاثة إشارات : القلب الناصع البياض –الدعامة الشفافة- الخلفية الشديدة السواد …قد تكون رسالة مفتاحية لفك رموز النص وقد تعني تفسيرا أوليا للعنوان: قلب أبيض(نقي, طاهر، بريء، محب ، شفاف، مضيء….) (في تمام البياض) يحيط به عالم مظلم ……..
2— محاولة لفهم وتأويل النص :
بعض حكايات الحب
لعبة
ابتدعها الخارجون
عن الصدق
وعاشها النافذون
في حقيقته
الصدق معبر فطري
لنفوس تشتري الضوء
من مدن الشمس
فمن يضيف للمعبر خطوة ؟
بعض حكايات الحب لعبة ”..ونتساءل هل حكايات الحب لعبة؟ هل حياة الإنسان مجرد حكايات ؟؟…
أقول :”كم تمنيت صادقا لو كانت الحياة مجرد حكاية مكتوبة بقلم الرصاص.. نمسح كل ماهو مؤلم يقض مضجع حاضرنا ومستقبلنا”…
يمكن ادراك معنى الزواج باعتباره جزءا من قصة حب وما يصبح عليه الأ مر بعد مرور فترة زمنية على الحدث ليتبين لنا ..”أننا نمثل مركز الثقل السردي” ،النقطة التي تتقاطع فيها كل حكايات حياتنا السابقة لكن كيف نكون في نفس الوقت رواة بينما القصص تحكى عنا؟؟ الا يجعلنا الأمر وكأننا قصة تروي قصة عن قصة ..!!! …إن لم يكن السرد القصصي هو الفكرة الكاملة عن الذات إلا أنه جزء من ادراكنا وفهمنا لأنفسنا ..حياتنا ليست فقط مجرد قصص .. لكنها جزء مهم من حكاية حياتنا .. حكايتنا لا نعرف نهايتها ولا الكيفية التي ستنتهي بها .. لنتخيل مثلا نهاية سعيدة لحكاية روميو وجولييت ينجو فيها البطلان لن تكون نفس القصة ولن تستغل بنفس الطريقة ..بداية الحكاية ونهايتها أجزاء لا تتجزء من معنى السرد ومساره …
بعض حكايات الحب لعبة مثل حكايات ( روميو وجولييت ، ولادة وابن زيدون ،وقيس وليلى ….) أصبحت مجرد لعبة يستعملها الخارجون عن الصّدق ( الكاذبون ) الذين يستهدفون أشياء أخرى ويستعملون الحكي مطية لتحقي الأهداف الغير المعلنة ..لكن الصادقين يؤمنون بها ويعيشونها كأنها واقعية فالصّدق صفة فطرية يتحلى بها الإنسان الطبيعي ومعبر إلى النفوس التي تحب الوضوح والصفاء ( التي تشتري الشمس من مدن الشمس )وتتساءل الشاعرة أليس هناك من يضيف خطوة إلى معبر الصدق الفطري ليجعل الحكايات أكثر مصداقية وإضاءة وحبا ، عوض الكذب واستغلالها لأغراض أخرى…..
بعض الحب
لعبة
إذا ما اهترأ بريقها
انطفأ
الحب عند البعض
لعبة
لم تنج من شراكها
الأصابع البيضاء
اخبرني أيها الورق
إلى متى سيعتنق الحبر
أساطير القصاصين؟
بعض الحب لعبة -وليس كله-إذا ما اهترأ ( فقد تماسكه لقدمه ) بريقه انطفأ ما يعني أن الحب يحتاج الى التجدد والدعم والتقوية فهو كالكائن الحي ينمو ويتطور وتزداد شعلته أو تخبو مع الأيام وهو قابل للزوال .. الحب عند البعض لعبة لا تنجو من شراكه الأصابيع البيضاء، الأنامل التي تكتب الأشياء النقية الصافية .. وفي شخصنة وأنسنة للورق تتساءل إلى متى سيبقى الحبر يكتب أساطير القصاصين ؟؟؟، المعنى يعود بالضبط على الكتّاب والمؤلفين .. إلى متى سيبقون يكتبون ويرددون أساطير الأولين عن الحب وهي في عمقها تفتقد المصداقية …
أيها الحب
هل تخيلت قيسا
مقصي عن خمار ليلى
ما حيلة الشعر
والريح بلا أذن ؟
أيها الحب المشخصن في الإنسان هل يمكن أن تتخيل أن قيس الملقب بمجنون ليلى شاعر غزل عربي المتيم بحبها و الذي نشأ معها وعشقها فرفض أهلها أن يزوجوها له فهام على وجهه ينشد الأشعار ..هل يجوز أن يقصى من رؤيتها ولو من وراء الخمار ( خمار ليلى ) وما جدوى الشعر إذا لم يكن هناك من ينصت في إشارة إلى أشعار قيس .. وإذا كانت الرياح بلا آذان لا تسمع فكيف لها أن تحمل همس الأشعار إلى آذان المستمعين والمعنيين على الخصوص ..فلا أحد يسمع ولا أحد ينقل مايقال من أشعار ليتحول الجميع الى مجرد صم بكم ….
كيف أشرح لعقلي
رحلة البائسين
إلى مقصلة النهاية؟
فما أدراك ياشكسبير
أن عشيقيك الخالدين
لم يكن ليصابا بالجنون
لولا صداع الكراسي
بماذا أفك تلعثم النور
حين يكتظ الظلام
حتى أنت يا إحسان
ليتك لم تجعلها
(نظارة سوداء)
ورسمت السطور
مجرات ألوان
لاعتدل مزاج الرواية
كيف نشرح ، ويتقبل العقل رحلة البائسين الى مقصلة النهاية ؟؟ إلى حيت تقطع رؤوسهم إما حكما بالإعدام او اختياريا باللجوء إلى الإنتحار .. وتُساءل شكسبير عن عشيقيه الخالدين في الحكاية (روميو وجولييت ) أن إصابتهم بالجنون ليقدموا على مافعلوه بأنفسهم كان سببه الصراع على الكراسي ، النفوذ بين عائلة روميو(مونتيغيو) وعائلة جولييت (كابوليت) حيث دارت بينهم معارك الحقد والعنف كأسر نبيلة (أرستقراطية) تعمل على الرفع من قوتها ونفوذها ..وأمام التباس المواقف يطرح التساؤل (بماذا نفك تلعثم النور حين يكثر الظلام ؟؟) م تصبح الرؤيا غامضة فيما يخص حكاية ”روميو وجولييت” التي تصبح قابلة لعدة أوجه وتاويلات وتفسيرات تعطيها أشكالا أخرى من الفهم …. امام تلعثم الضوء يبزغ طيف إحسان عبد القدوس في روايته المشهورة ( النظارة السوداء ) التي يقدم فيها فيها فتاة من الوسط الأرستقراطي تعيش بلا هدف في الحياة غير مبالية وبسبب ثراءها يجتمع الشباب حولها فتخرج على التوالي مع الأول الى أن يملها تم الثاني وهكذا ذواليك وهي دائما تضع نظارات سوداء تخفي ملامحها وتشكل حجابا أسودا على قلبها لتتحول إلى إمرأة بلا قلب ..مجرد دمية بنظارات سوداء ..إلى أن تعرفت على أحد الشبان الذي جعلها تغير رأيها وتفتح قلبها وهنا أسوق ما قاله إحسان عبد القدوس بعد فيلم النظارات السوداء المقتبس من الرواية الذي مثلت فيه ناديا لطفي الشقراء المشهورة أصلا بالنظارات السوداء دور البطولة ” ”الإنحلال الظاهري للفتاة يخفي وراءه نقاء نفسيا تبلور في النهاية ليكشف عن طهارة صدقية ” وأضيف لما قاله وكأننا أمام ”رابعة العدوية” وحكايتها الأسطورية ، لا أتفق كثيرا مع إحسان فجل روايته كلاسيكية جدا ولكن في تعليقه أظنه كان صائبا فكل إمراة بداخلها (قلب في تمام البياض كما تقول شاعرتنا ) لكنها تحتاج للرجل الجدير بذلك القلب….
كان المطلوب من إحسان في النص عدم تقديم المرأة بالصورة التي قدمت بها في روايته المذكورة وكانت الشاعرة تفضل لو رسم سطور روايته بمجرات ألوان ، ما هو جميل ولا نهائي عوض اختزال المرأة في دمية بنظارات سوداء …
لعبة حمقاء
تصير الحب نهرا نحيفا
يرتديه عطشه
تحاصره الضفاف
يضيق سمكه أكثر فأكثر
تطالبه الأسماك
بنصيبها من الماء
يركض يركض
فيغرق في عمقه
لعبة الحكي تحول الحب إلى نهر نحيف الشاعرة تصورن الحب في شكل لعبة حمقاء لا قواعد منطقية لها والنهر يرتديه عطشه ، مابه من ماء لا يكفي ليروي ظمأه ويضيق سُمكه وتطالب الأسماك التي تعيش فيه ، بحقها من الماء ..يركض الحب هاربا لكنه يغرق في عمقه
اي فيما يقال من حكايات ..نفهم ان ما يقال عن الحب نهر من الحكايات ومن خلال تداولها تضعف مصداقية الحكي فلا يعود يشبع فضول السامعين أو المتلقين فينحصر الكلام ويضيق الأفق ليصير نهر الخكايات نحيفا ويضيق سمكه ومعه سمكها فيصبح ما يروى عن مجانين الحب غير متماسك و غير مندمج .. مما جعل المحبين الخالدين يرفضون ما صارت إليه الأمور ليطالبوا بحقهم في الماء ، اخذ مبادرة الحكي لتصحيح الوضع بعد أن كثر عنهم القيل والقال ، ولفقت لهم الحكايات والأكاذيب ، أمام هذا الموقف أصبح الحب في حرج فصار يركض هاربا لكن في نهايةالمطاف يغرق في عمقه في حكاياته وتعدد ها ،وتتم العودة إلى نقطة البداية حيت الحكي مباح …..
لا شيء يبعثر المعنى
كلما سلمت القواعد
تقول الطاولة
كل لعبة قابلة للتفكك
حين تختلف النوايا
كل لعبة منحدرة للنهاية
حين تصطدم الرغبات
وتبقى الغاية
سيكولوجيا الكواليس
كلما كانت القواعد سالمة ثابتة فالمعنى سليم ”تقول الطاولة ” وهي المحتضن للعبة أو الدعامة التي عليها تتم أحداث اللعبة مهما كان شكلها أو نوعها .. تقول الطاولة وهي الأكثر قربا من الواقع كل لعبة قابلة لأن تفكك وتحل لأجزاء وفصول لكن عندما تختلف النوايا ولا تحترم القواعد فكل لعبة لها نهاية قد تكون مؤلمة غير مرضية وخاصة عندما تصطدم الرغبات المضادة ويُحتفظ بالغايات على شكل سيكولوجيا الكواليس (ماخفي من الغايات وراء الستار )…
أيها المقيم
في القصور الرملية
أنا امرأة
تفضل القواعد الثابتة
أشد زمام الإفتتان إذا ما دعاني
لرحلة بعيدة عن مواسمي
لا تستهويني لعبة النرد
أعشق الشطرنج
أمتطي أحصنته
أتجاوز بيادقه
الحصيلة
كش ملك
أيها المقيم في القصور الرملية الخيالية فكرا واعتقادا .. إن هبت عليك الرياح القوية ستحمل حبات رمالك بعيدا لتنكشف عورتك ويفتضح أمرك .. أنت أمام امرأة من نوع آخر تفضل القواعدالثابتة و المواقف الواضحة وتتحكم في زمام الإفتتان إذا ما أغواها لترحل بعيدا عن مواسمها ، عاداتها وما تؤمن به في حالتها الطبيعية ، وتضيف أن لعبة النرد لا تستهويها فهي لعبة تعتمد على الحظ اضافة الى أنها محرمة من طرف الائمة الأربعة في الشريعة الإسلامية (حسب بعض الروايات) فهي ترفض الألعاب المبنية على الحظ فقط أو المشكوك في شرعيتها وتعشق الشطرنج لعبة الذكاء والقواعد والمنطق الصارم ولا مجال للحظ فيها ..ومن خلال هذه اللعبة ستمطي الأحصنة لتكون على استعداد لمواجهة كل الصعاب وتجاوز البيادق التي ترمز الى المقيمين في قصور الرمال وتكون الحصيلة “كش ملك” اي تنتهي لعبة الشطرنج بانتصارها ..
يسألني غباؤك
هل للحكاية من قيامة؟
يجيب فصلها الأخير
في شرع الحب
لا تقبل توبة اللاعبين
فكيف يا غزير الدمى
ستنتظرك
على ناصية القلب
امرأة
في تمام البياض
ويسأل الأغبياء من الرجال هل حكايات الحب التي يتردد صداها لها وجود (أو قيامة) ويعترفون بان رؤيتهم للمرأة كانت خاطئة ويعبرون عن استعدادهم لتغييرها ، وتجيب الحكاية في فصلها الأخير : في شرع الحب لا تقبل توبة اللاعبين فإما أن تحب بإخلاص وصدق وإلا فمصيرك التواجد خارج اللعبة ، الحرمان من الحب…
وتتساءل الشاعرة كيف يا غزير الدمى؟؟! يامن يعتبر النساء مجرد دمى ..ستجد يوما امرأة تنتظرك على ناصية قلبك على استعداد لأن تحبك .امرأة (في تمام البياض) في تمام النقاء والصفاء والعفة والحب ……
3–خلاصة :بعض حكايات الحب/ لعبة .الحب عند البعض /لعبة
بعض الحب /لعبة……لعبة حمقاء /تصير الحب نهرا نحيفا
نجد هنا أن الحب ارتبط بكلمة ”لعبة”فماذا تعني هذه الكلمة السحرية
لعبة : كل مايلعب به/لعبة ورق/قمار/كرة قدم/العاب فيديو …
رجل لعبة :يلعب به كدمية
لعبة : أداة ،آلة،دمية، صنيعة …..
هذا مانفهم عامة وما نجده في المعجم
لكن مفهوماللعبة يتغير عند المؤرخين للعب وعند بعض الفلاسة
أذكر بداية رؤية John Huizinga في كتابه Homo ludens ”الإنسان يلعب”وRojer Caillois في كتابه الألعاب والإنسان وهناك شبه اتفاق بينهما مع ترجيح كفة هويزنكا في مقولة ”كل شيء ألعاب حتى ما نعتبره جدي ”
يقول هويزنكا
–” ألاحظ أن عددا كبيرا من أنشطة الإنسان يمكن اعتبارها لعبا ”
— “‘الحيوانات تلعب مثل الإنسان”
،– ”عمليا كل أنشطة الإنسان يمكن أن تكون موضوعا للعب والعكس صحيح
— كل لعبة يمكن أن تتوقف عن أن تكون كذلك ”
— ”اللعب مؤسسة” … ”اللعب وسيلة للتعلم ”
— ”اللعب طريقة لتمثيل ورؤية العالم ”
من جهة أخرى اذكر الفيلسوف فيتغنشطاين ” ينتمي الى الفلسفة التحلية ” الذي يعتبر الفلسقة القارية واللغة بصفة عامة مجرد ”ألعاب لغوية” وقد تبنى العديد من الفلاسفة أراءه …
أظن أن هذا التقديم كاف ليجعلنا ننظر إلى كلمة لعبة على أنها لا تنحصر فقط في التسلية او ان ما يقابلها ”غيرجدي” فقد تكون اكثرجدية .. وأظيف اننا قد نسمع اكثر مما ذكر : نسمع ”اللعبة السياسية” عامة ان السياسة هي التي تحكم مصير البلاد والعباد .. نسمع ”اللعبة الانتخابة” / ”اللعبة البرلمانية” …..الخ
نصل الى أنه لو قلنا أن الحياة كلها لعبة لها قوانينها وثوابتها واهذافها وغاياتها لما كنا على خطأ بالمطلق …
إذن قولنا : الحب/ لعبة لايقلل من جديته وإنما يذكّر بأن له قواعده وثوابته ولاعبيه وفضاؤه وعلى كل واحد أن يبدي احترامه لما ذكر لتكتمل شروط اللعبة …
الكلمة الثانية في المعادلة هي كلمة الحب
—الحب:هو شعور بالإعجاب والإنجداب إلى شخص آخر وقد ينظر إليه على أنه فعل كيميائي متبادل بين اثنين ذكر وانثى وفي داخل جسميهما تفرز هرمونات تقوي هذا الإنجذاب والإعجاب
الحب مجموعة من المشاعر الإيجابية والحالات العاطفية والعقلية لها تاثير قوي..
الحب عطاء عميق ، تأثر عاطفي قوي بشخص آخر،شعور برباط دافىء ، هو مودة قوية ….
هذا هو المعنى العام للحب .. سنرى اراء بعض العلماء والكتاب والفلاسفة الذين عاشوا تجربة الحب بطرق مختلفة
—بعض العلماء يرون :”إنه من دون انتصار الحب على عقلانية الإنسان لن تكون الحياة مملة فقط بل خطيرة ”
—علم النفس : رؤية المحبين لبعضهم البعض
يتم تضخيم مميزات كل طرف من الطرف الثاني ..تجاهل العيوب ..المشاعر تكون مشابهة لتأثير المخدرات .. حيث يتم تشغيل نظام المكافاة في الدماغ الذي يفرو هرمون الدوبامين Dopamine .. قد يصبح معها الحب قضية حياة /أوموت في حالة فقدانه
—راي بعض الفلاسفة
–شوبنهاور فيلسوف الماني :”الحب لغز مفتاحه الوحيد إرادة العيش أو ”ارادة الحياة ”ممثلة في حفظ النوع ”
نتشه:”كل شيء في المرأة لغز لكن لهذا اللغز مفتاح هو الولادة فالرجل بالنسبة للمرأة وسيلة والغاية هي الولد ”
هيدجر وحنة ارندت :”حرية الحب أم حب الحرية ؟ هذا ما أنت عليه وهكذا ستظلين عليه وهكذا احبك ” يقول هيدجر
افلاطون :”إننا نحب من أجل أن نصبح مكتملين “
سيمون دو بوفوار – سارتر : ”لا تؤمن بالحب الرومانسي ..تؤمن بالحب الواقعي ”الصداقة القوية ” التي تجعلنا نحلق عاليا ”
—بعض الكتاب والشعراء
شكسبير :”الحب جحيم يطاق.. والحياة بدون حب جحيم لا يطاق ”
اراغون : حاول الإنتحار ثلاث مرات بعد أن أحب ”إلسا” أصبح شاعرا كبيراوصار يعتز بأصله الذي كان سبب محاولاته الإنتحار ويقول” إنه ابن الحب ” وأن حبيبته هي ملهمته ”
هولدرلين :أحب إمرأة متزوجة وصارت ملهمته ..وقيل أنه بعد سماعه بوفاتها أصيب بالجنون ليقضي حوالي 36 سنة ولم يكف ابدا عن الحلم بها وهو من اكبر شعراء المانيا
تولستوي : ”بدون الحب الحياة سهلة وبسيطة ولكنها بلا معنى ”
تايلور سويفت :” يمكن أن نضع قوانين على كل شيء ما عدا الحب ”…
هناك أمثلة كثيرة جدا من الواقع لا من الحكايات التي قد تكون وراءها أهداف سياسية أو صراع طبقي أو قبلي أو حتى ديني مما جعلها تتعرض ربما للتحريف لخدمة مصالح معينة لكنها لا زالت مع ذلك تفرض وجودها في الثقافات المكتوبة والشفوبة المحلية والعالمية كرموز الحب الرومانسي …
جل المستطلعة ارائهم من الكتاب والفلاسفة والعلماء لا ينكرون وجود الحب الرومانسي أو العذري وهناك من يرى أنه يبقى مرتبطا بمرحلة الشباب حيث تكون الإفرازات الهرمونية في أوجها وبالتالي يكون منسوب المشاعر في القمة مما قد يؤدي إلى مخاطر تدميرية في بعض الحالات …
الرؤية الأكثر انتشارا هي أن الحياة بلا حب مملة بل خطيرة وأن الحب يجب أن يكون على شكل صداقة عميقة واقعية فيها انجداب واعجاب وفيها تحليق في الأعالي دون أحلام الحب الرومانسي…
بالنسبة لشاعرتنا ترى أن الحب ليس مجرد لعبة للتسلية وان ما اشارت له بالبنان في النص هو هذا التوظيف الرخيص لحكايات وقصص الحب بشكل يخرجها من سياقها لخدمة أهداف أخرى .. فهي ترفض أن تعتبر المرأة كدمية وترى ان الحب له قواعده وثوابته وأن الرجل لن يحصل على حب المرأة الحقيقي إلا إن غادر افكاره الذكورية التي تقلل من شانها فعليه ليظفر بحبها أن يغادر أفكاره الرجعية وقصوره الرملية التي شيدها من الاوهام والخيال والتي ستدروها الرياح وينكشف المستور .. الرجل لن يجد المراة (في تمام البياض ) ، المكتملة الصفاء والنقاء والإخلاص إلا إن كان يستحق ذلك…
نص مستفز يحفزعلى القراءة ..أفكارعميقة في طرحها ..ثقافة ملمة واسعة .رؤية واضحة
احاطة بتيمة الحب من جهات متعددة وتطرق لظروف المرأة في المجتمع الذي يريد أن يجعل منها مجرد دمية جنسية لتفريخ الأجيال ..اعتمدت هندسة متقنة كان في صلبها وضعية المرأة (في تمام البياض ) و نسج من حولها مجموعة من الأحداث التاريخية في شكل حكايات أو تناص دون اغفال الواقع رؤية تدعو إلى التأمل والتفكير بوضعية المرأة في الواقع المعاش وفي الصورة النمطية التي تحاول تثبيتها بعض الأدبيات….
لغة سلسة ..صور شعرية اعتمدت المجاز( والاستعارات ) بشكل كبير مما أضفى على النص جمالية …
دمت شاعرتنا مبدعة راقية ودام ابداعك وعطاؤك
تحياتي وتقديري واحترامي
سي مختار حمري 20/06/2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*