الخلود في القلب والذاكرة… بقلم الكاتب محمد طالبي من المغرب.

مر على وفاتك يا أبي حوالي ستة أشهر، لكن لازلت حيا في ذاكرتي، حيث أن صورتك لا تفارق مخيلتي، لقد انتصر عليك المرض وأدى إلى وفاتك، لا لم يكن المرض هو السبب الحقيقي الذي أدى إلى وفاتك يا أبي، بل الذي خلق المرض وخلق كل شيء هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى وفاتك، أقصد الله.

    يا إلهي لماذا تزعم أنك كلي الرحمة والقدرة والعلم وقد سمحت بوجود الشرور في العالم وعلى رأس الشرور التي سمحت بوجودها والتي يتجسد فيها أسوأ أنواع الشرور وأفضعها وأكثرها تسببا في معاناة البشرية هو المرض، حيث يقتل المرض الملايين من البشر ويؤدي إلى معاناة الملايين من البشر كل سنة.

    إن وجود الشر في العالم يا إلهي يعني أحد الإحتمالات الثلاثة التالية: الإحتمال الاول؛ أنك تتصف بقدرة وعلم مطلقين، لكن لست كلي الرحمة ولو كنت كذلك لما سمحت بوجود الشر، أما الاحتمال الثاني، أنك كلي الرحمة والعلم لكن لست كلي القدرة، وهذا يعني أنك لم تستطع أن   تقضي على الشر الموجود في العالم، وأخيرا الاحتمال الثالث هو أنك كلي القدرة والرحمة لكن لست كلي العلم، ونخلص من خلال الاحتمالات التي أوردناها أنه إما أنك إله قاسي وشرير أو إله عاجز، أو إله جاهل بشؤون مخلوقاته، وهذا يعني أنك لست إلها كاملا كما تصف نفسك في كتابك المقدس(القرٱن).

    لكن لا بد أن أعترف يا إلهي أنك تمتلك صفات أخرى غير التي ذكرتها، وهذه الصفات جميعها تشكل الذات الإلهية، بحيث أنه لا يمكن أن نفهم جوهر الذات الإلهية دون إعطاء اعتبار للصفات الأخرى، وهذه الصفات مثل الحكمة المطلقة والخبرة المطلقة، وهذه الفكرة تجعلني أعيد التفكير فيما أصدرته من أحكام في حقك، فبما أنني كائن لست كاملا وما دمت لست كاملا فهذا يعني أنني لست مطلق الحكمة والخبرة والعلم، ولذلك فإن الحكم الذي أصدرته بحقك يا إلهي هو في غاية السذاجة والغباوة؛ فكيف يمكن أن يصدر كائن ناقص حكما موضوعيا بحق كائن كامل، فمثلا كيف يمكن أن يكون الحكم الذي يصدره الطفل بحق أبيه حكم موضوعي وهو أقل منه علما وحكمة، ففي الكثير من الأحيان يكره الأطفال أباءهم بسبب أنهم يجبرونهم على القيام بأمور معينة مثل تناول الدواء المر، لكن لما يكبر الطفل يدرك الحكمة من تناول ذلك الدواء، ونفس الشيء ينطبق على الإنسان في علاقته بالله، أستغرب في الكثير من الأحيان أنه كيف يمكن للملحدين أن يزعموا أن الإله شرير (مع افتراضهم أنه موجود)، وأن الحياة بلا معنى، إنه حقا حكم لا ينم إلا عن كرههم لهذا الإله الذي خلق العالم.

     أظن أن السبب الرئيسي الذي جعل بعض البشر يكرهون الإله ويكفرون بوجوده  يكمن في مشكلة الشر (االأمراض والكوارث الطبيعية والفقر وغياب العدالة الاجتماعية…)، رغم أن الملحدين لا يعترفون بهذا ويبذلون مجهودا جبارا من أجل أن يبرروا السبب الذي جعلهم يقتنعون بفكرة عدم إمكانية وجود الإله بحجج تنفي إمكانية وجوده، علما أن تلك الحجج واهية جدا حتى بالنسبة للأطفال الصغار، لكن عناد الملحدين وجحودهم يمنعهم من رؤية الحقيقة الواضحة كوضوح الشمس في واضحة النهار؛ أي حقيقة أن الإله موجود وأنه ليس شرير، وهذا ما جعلنا نرجح أن سبب إلحاد بعض الناس لا يرجع بتاتا إلى ضعف أو قلة الأدلة والبراهين المنطقية التي تثبت وجود الإله، بل إن السبب يرجع أساسا إلى مشكلة نفسية يعاني منها الإنسان الملحد، أي أن الملحد ليس سوي من الناحية النفسية، لأنه ليس راض عن الإله، حيث يعتبر الملحد أن الإله هو الذي  تسبب في إيجاد كل الشرور التي يعاني منها، لذلك كفر بوجوده، لأنه حسب وجهة نظر الملحد أن الكائن الذي خلق كل هذه الشرور التي تسبب له وللبشرية هذه المعاناة التي لم تنته في يوم من الايام ولن تنتهي، مثل هذا الكائن لا يستحق أن نعترف بوجوده حتى لو كان موجودا.

     ومن خلال ما سبق تبين لي يا إلهي أن الحكم الذي أصدرته في حقك لا أساس له من الصحة؛ لأنه قد تكون هناك غايات وحكم وراء خلقك للشر لا يدركها أحد غيرك، لأن جميع البشر قدراتهم العقلية محدودة جدا، لذلك أرجو أن تغفر لي ذنبي لأنني أسأت الظن بك، كما أرجو أن تغفر لوالدي وترحمه يا أرحم الراحمين.

    هذا أقصى ما أستطيع أن أفعله لأجلك يا أبي، أي أن أدعو الله أن يغفر لك ذنوبك ويرحمك برحمته التي تسع كل شيء، ولو كان بإمكاني أن أفعل شيئا أخر لفعلته بدون تردد، وستظل خالدا في ذاكرتي. لروحك سلام أبدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*