ذروة الغزل عند الحسناوي
قراءة في قصيدة ( ليلة حب) للشاعر محمد سعد جبر الحسناوي بقلم إبراهيم رسول من العراق.

الواضحُ في شعر الحسناوي, أنه يذهبُ مذهب المتنبي في الشعر, بل هناك نزعة وميل وتناص كثير مع المتنبي, سواء بالأغراض الشعرية أو اللّغة أو حتى باختيار الوزن, والمتتبع الحذق والقارئ النَّهم لديوانِ الحسناوي ( المجموعة الكاملة) سيجد أن الشاعر لديه مَلَكَة شعرية تَمِدَهُ بالشعرِ وليس هو من يفرض نفسه على الشعرِ, بل إنَّ شعره في الأعمِّ الأغلب سلساً حُلواً, يجري بأنغامٍ رقيقةٍ, كأنَّه يعزفُ على أوتارٍ خاصةٍ به, فرضتها عليه شاعريته المتأججة في نفسه, ربما أثر المتنبي في نفسية الشاعر مكنَّ له هذه اللغة العالية والأنيقة, أو إنه قد حفظ وأتقن وأجاد الحفظ والفهم حتى استطاع أن يحذو حذوة المتنبي الفيلسوف الحكيم. مارسَ الشاعر الاغراض الشعرية أغلبها إلا إننا سنتخذُ طريقةً وهي أن نأخذ عيِّنة لأفضل ما جادت به قريحته الشعرية بغرض ( الغزل) وسنحاول أن ندرسَ القصيدة بقراءةٍ إيجابيةٍ وكما تقول د. نادية هناوي في كتابها ( تعدد القراءات الشعرية في النقد العربي القديم حتى نهاية القرن السابع للهجرة ص22/ ط 11/ سنة 2011: فالقراءة بذلك عملية اختراقية للنص المنقود ينتج عنها نص مولود من ذلك النص يحمل أبعاد قارئه وأماده الذي من جهته يكون واعياً لعملية اكتشاف النص وخلقه. فالقصيدة تتحول من نص مكتوب إلى نص ( تُمارس عليه رؤى المتلقي), وكما يقول الاديب جان كوهين في كتابه بنية اللغة الشعرية, تح: محمد الولي ومحمد العمري ص150: القصيدة شيء مكتوب وهي تتظاهر بأنها منطوقة وهي بهذا تعطي قاعدة لاستراتيجية الخطاب. وقد وجدنا قصيدة ( ليلة حب) هي أروع قصائد الغزل للشاعر ( الحسناوي) كونها قد بلغت مستوىً رفيعاً من الشاعرية والاسلوب الذي حاكى الشاعر مخيلته عن طريقها اطلاق العنان لذاته الشاعرة أن تنطق ما يجول ويختمر فيها من مشاعرٍ متأججة أطلقها الشاعر على هيئةِ أبياتٍ مقفاة, يقول في البداية مستهلاً بمقدمةٍ لكي يفرض نفسه على المتلقي بأن يُمهد له الدخول نحو عالمه الشعري, فهو لم يباشر القارئ بل استهلَّ الوسيلة التواصلية رويداً رويداً, فيقول في البيت الأول:
تذكرتُ ساعاتٍ قضيتُ بقربها
أداعبُها في رقةٍ وحنان,
لعل الفعل المضارع تذكرت كأن الشاعر يريد أن يشد القارئ نحوه بعمليةٍ استرجاعيةٍ, هذه الساعات أصبحت في عداد الذكرى, لما كان يمارسُ الرقة والحنان بهدوءٍ, هنا يتطلع القارئ إلى ما بعد هذا البيت, هذا الاستهلال لا يريده المتلقي إلا أن يذده للبيت التالي و يا حبذا لو كان يحكي كيفية الحب, والشاعر لم يخيب ظن القارئ بل راح يقول:
فألثم تغراً مرةً ثمَّ مرَّةً
أشاغلُ صدراً كاعباً بلساني.
نعم, هنا تحول المشاعر إلى ممارسةٍ فعليةٍ عاطفية, هنا شدَّ الشاعر القارئ إليه وصار القارئ يصغي ويطمح للمزيد والمزيد, المباشرة تكون قبيحة إلا إن الشاعر جعل منها مستساغة, فهو يستدرج المغازلة والهيجان عبر استخدام المثيرات والعبث بهن( ثغر, صدر كاعب) فهنا تنهار الحبيبة لتصل إلى الهيجان والرعشة ثم يكمل:
وأُخرى أُداري حالها بعد سكرةٍ
تذوبُ بها من شدَّةِ الهيجانِ
الشاعرُ يغوص في العمق أكثر, وربما أخذته القصيدة مأخذاً عميقاً عن قصدٍ أو عن غيرِ قصدٍ, إذ وصلت حالة الحبيبة إلى الخدر ووصولها إلى قمة الرغبة وهذه السكرة كانت نتيجة شدة الهيجان والمداعبة الرقيقة, فيكملُ:
فأحداق عينيها يهيمانِ نشوةً
وأثداؤها بين الشفاه دوانِ
هنا يصل الحد بالشاعر أن يتمرد على الخجل, ويلعن مشاعره كما يحسها وكما يشتهيها, وهنا نرى الصدق العاطفي أو النزعة الوجدانية قد تجلَّت بكل وضوح في هذه التعابير, فيقول:
فأرضعُ ما درّت وما درَّ ثغرها
فكم لذَّ ما درّت به الشفتانِ
استخدامه لمفردة ( أرضع, ألثم.. قد تكررت لكنه يضع في كل بيت ما يلائمه, وهذه قيمة فنية تُحسب للقصيدة, وتستمر القصيدة بطريقة تناسبية, لعل الثيمة لم تكتمل بعد ويراد لها أن يُقدم لها بمقدماتٍ أكثر حتى يصل إلى الذروة. البدايةُ كانت جريئة, والدخول كان عتبة مهمة لجذب القارئ نحو بناءٍ هرميٍّ يحتاج من المتلقي أن يلتقط انفاسه قليلاً حتى يتماشى مع شاعرية النص, النص مفعم بالشاعرية الوجدانية, وبعد أن تقطع القصيدة شوطاً يعرد الشاعر بجرأةٍ أكثر مباشرة فيقول:
وأمضي إلى جيدٍ كقطعةِ مرمرٍ
كأنَّ به سراً إليه دعاني
هذا البيت استفهاماً وجوابه في البيت الذي يليه, وهذا بناء أسلوبي جديد في القصيدة, وهو الاشتغال على الاستفهام, القارئ سيسأل ما هذا الذي شغل مخيلة الشاعر, حتى إنه تغنى بهذا الصدر كثيراً عبر مفردات متنوعة, فهذا الشغف اوصله لحالة الانهيار والهيجان, والنشوة قد وصلت إلى قمة غايتها حتى أخذ يلتهم الصدر التهاماً, إذ يقول:
فقبلتهُ تسعاً وتسعينَ قُبلةً
وجُنَّ جُنوني حينها وجَناني.
الشاعرُ في هذا البيت يعترف بأن لم يعد يقاوم ذاته التي تميل بجنون نحو الحبيبة, الملاحظ أن الحبيبة هنا صامتة والممارسة للحبيب! وهذه مفارقة قد يبررها الشاعر بأنه صاحب الحكاية والفكرة, إلا إننا نلمح طيفاً بعيداً لأثر مشاعر هذه الحبيبة التي لا يبدو لها الاثر إلا بما ينعكس على الحبيب.
الطريقة في بناء القصيدة ( الغزلية) عند الحسناوي كانت ذات مراحل متعددة, تبعاً لتطور الشاعرية لديه, فرأينا أنه كان كلاسيكياً في الطريقة الغزلية, ونحى على ما نحى عليه كثير من شعراء العربية, إلا إنه اختطى لنفسه طريقاً ميزه عن غيره, هو تطور تطوراً تدريجياً, بحسب جرأة القصيدة, الخروج على المألوف والابداع ( التمرد) تجلّى بكل وضوح في قصيدة ليلة حب, هو مارس ليلةً عذبةً, أخذت من روحه الكثير, وكان وجدانه يملي عليه هذه المشاعر, لكن قد يتصور المتلقي أن للشاعر جرأة جنسية واضحة, وأنه يتطرق عبر مباشرةٍ واضحةٍ لأعضاء الاثارة, فيأخذ القارئ هذه النقطة على أنها مثلبة, تسيء وتخدش القصيدة, لكن القارئ سيقف منبهراً أما تجلّيات المعنى, والتقديم والعرض, هو لم يقدم مادة جنسية ولم يرد أن يقص حكايته الجنسية, فهو عبر عن مشاعرٍ متأججة عن طريق لغة متوهجة بالصور المكثفة, فلو انتبهنا إلى أبيات القصيدة مقارنةً بأعضاء الجسد لرأينا بوناً شاسعاً, وهذا البون بررَ له الشاعر, بكميةِ المفردات التي اتكأت عليها القصيدة.
كثيرة هي الابيات التي رأينا العنصر الوجداني مهيمناً ومكثفاً لكن الجرأة والاكثر عمقاً وصدقاً قد اتضحت في هذه القصيدة, ولعل اختيارنا لهذه القصيدة نموذجاً لذروة الغزل عند الحسناوي, كونها حوت الكثير أغلب القيم الجمالية في ثيمة القصيدة, فهي قصة كاملة العناصر, والجميل أن الانتقاء تم عبر تغيير المفردة. الدخولُ في القصيدة كان ابتكاراً في الاسلوب وتجديد في الطريقة, إلا إن الشاعر يعود في المقاطع التي تلي المقدمة إلى كلاسيكية الشعر كصورة وإيقاع إلا أن هناك تميّزاً في اللغة, ولو جاز لنا أن نقسم القصيدة إلى مقاطع ( حسب ذروة الرومانسية) لأمكن أن نقسمها إلى ثلاثةِ مقاطع, الأولى الذي يعد الأكثر جرأةً وتجديداً أما الثاني فضعفت هذه الجرأة وبقيت اللغة محافظة على مستواها الأنيق, أما المقطع الثالث فلا تكاد تلمس من الجرأة كلمة حتى تلاشت تماماً, وبقيت الغرضية الشعرية هي السائدة على نهاية القصيدة, قد نُشكل على الشاعر هذا التنوع, لكنه اشكال محبذ جميل, له قصدية رائعة, عودته إلى نمطية البناء لا تعد عيباً كونه بررَ لقصيدته بأنه القادرُ على اتخاذِ اسلوبٍ تجديدي, وهنا قد نرى للشاعر شخصية تتغير كل مقطع, ففي المقطع الأول تجد شاعراً شاباً أغواه بريق العاطفة ليغوص في تفاصيل جسدية, وفي المقطع الأخير تجد شاعراً قد اكتمل النضج العمري لديه فراح ينتقي ألفاظاً تليق برجلٍ كبير. قصيدة ( ليلة حب) من أروع ما كتب الشاعر من غزل في كل ديوانه المجموعة الكاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*