الوشم.. رواية تأليف محمد الصالح من تونس.

الاهـداء

إلى والديّ
أهديكما عصارة ضياعي علي أكفر عن تقصيري.
إلى الذين تألموا حتى “اشتمّوا روائح الأكباد”
إلى كل من ساعدني ونقدني أهدي هذا العمل.

تصدير:
لا ينزف الحـرف إلّا من مدامعنا
ويستوي كلما اشتدّت بنا العلل
فاملأ حـياتك إيمانا بقادمة
عـلّ الحياة إذا آمنت تعـتدل

الشّاعر الفاضل إبراهيم

نقلت وكالات الأنباء خبـرا عاجلا، مفاده أن بعـثة من الأثريين في روضة القائد (تضم عـدة ولايات)، عـثرت عـلى أثر نادر، لم يسبق لأي بعـثة للآثار أن وجدت مثله. ولم تحـدد مكـان وجوده، ربّما خوفا من الاتّهام بالتوجيه العـمد للسيّاح، ما قد يُكرّس الجهويّة السياحيّة، باستغـلال أثر وطني لأغـراض جهويّة.
نقلت وكالات الأنباء هـذا الخبر باقتـضاب، وحتّى وكالات الأسفار نقلت ذلك، كما نقلت وفود السيّاح أرتالا إلى ذلـك المكان، بعـد أن زاروا-والحقّ يقال-الأماكن الأخرى، وعُـلم فيما بعد أنّها كانت تعرف مكان وجود الأثـر بالتّحديد، دون الإفصاح عن مصدرها.
وقد بعثت وكالات الأنباء مراسليها لتغـطية الحدث، كما أرسلت الدّول والمنظّمات الدوليّة مبعـوثيها، للاحتفال بهذا الحدث، الذّي لا يجـود التّاريخ ولا الطّبيعة بمثله، فهيئة المدابـغ العالميّة -ومقرّها الجمهوريّة العظمى-أرسلت ممثّلها الثقـافي، لإنابة مديرها العام، الذّي شغـلته عـن الحضور الأزمة الماليّة العالميّة، وتدهور أسعار الجلود، وسارعت لجنة الآثار إلـى التّرحيب بمبعوث الهيئة المبجّل، فعقدت قمّة وحفلا، واستهلّ الاحتفال رئيس اللّجنة، الذّي سلّـم، ورحّـب، وأطـنب في التّرحيب، و شكـر رئيس الهيئة عـلى حُـسن الضّيافة، وعـند ملاحظته استغـراب الحاضرين لشكره رئيس الهيئة، شرح فقال:
-لو وقع الحدث في بلدهم لحظينا بالتّكريم والتّبجـيل والاحتفالات، أقـلّها استدعاء مادونا ذلك الغزال الشّارد.
وعـدّد محاسنها ومفاتنها، ـوردّد بعـض أغـانيها، وقيل إنه بدأ ينزع ملابسه، لولا تدخّل بعـض زملائه لمنعه.
في الغـد عـرضت الصّحف (صباحكم سعيد، الأصيل …) مضمون هذا الأثر، وأعـلنت أنّه في رقعـة من الجلـد الآدمـي الموشوم دون إضافة. وقد فـتح هـذا الغـموض البـاب لتخيُّلات متعـدّدة، فـمن النّاس من فسّر الحدث، على أنّه علامة من علامات السّاعة الـكبرى، لأن توقيت هذه الأحداث آخر الزّمان، كما تردّد في الأوساط المتديّنة. وقـد ذكرت بعـض الصّحف، أنّه يمكن أن يكون “جلد السّامري”، ولكنّها في الغـد نشرت تكذيبا، معتذرة عن الخطأ المطبعي، وذمـّت صناعة من ورَّدها الماكينات (دون الإفصاح عنه)، التّي تسبّبت فـي الخطأ، وأثنت عـلى الصّناعة الألمانيّة، وقالت إنّها أبدلت ماكينات الطّباعة عـندها. وقيل إنـها خافت من سوء الفهم، واستغلال الصّهاينة لجلد جدّهم؛ لاحتلال المكان بأسره.
وأقامت هيئة الآثار ندوة صحفيّة احتفالا بهـذا الحدث، ولاجلاء بعـض الغـموض، فاستـهلّ الرئيس الجلسة بكـلمة افتتاحية، فبسمل وقـال:
-الحمد لله الـذي خلق من الجـلود أحذية وطبولا ودفوفا، وبعـد أن هُـمس في أذنه، سكت قليلا، ثمّ استأنف الحديث حامدا الله مبيّنا بديـع صُنعه، متـطـرّقا إلى غـرابة هذه القطـعة من الجلد، دون الحديـث عـن الطّبول والأحذية والدّفوف. وقد عـلّل فـي جلسة لاحقة، إصلاحه لخطئـه في الإبّان، على أنّه حسن تنظـيم وانتباه دائم لـما يُقال، ومراجعة الأخطاء في حينها؛ حتّى تـكون هيئة الأثريّين متميّزة ومسؤولة، تعلم ما تقول وما تفـعل، ليس كمثل الهيئات الأخرى، مشيرا دون تصريح لهيئة البياطرة، التّي كان بينها وبين هيئة المدابغ العالميّة خلاف حاد، فانحاز إلى هيئة المدابغ، لامزا هيئة البياطرة، دون أن يكون له دخل في الخلاف. ثم واصل الخطاب، واصفا ما تجشّمته هيئته من صعوبات، وما حداها من إصرار لبلوغ الهدف، وقد تمّ النجاح بحمد الله وعـونه، وتوجيهات أولي الأمر.
وأضاف إن هـذا الأثر، يتمثّل في قطعة من الجلد الآدمي الموشوم، مقاييسها 90/80 صم، حُفر هذا الوشْم داخلها، وكأنه حفـر بـأزميل فنّان حاذق للصّنعة، وهذا الوشْم عـبارة عـن خطوط دقيقة، تـتخلّلها خطوط حمـراء قانية الحمرة، عـلى شكل منمنمات وتعـرّجات وأشجار تخـلب الأنظار، لجمالها وروعة أشكالها، وقـد خُطّت بماء الذّهب. وظـنّ بعـض العـلماء في البـداية، أن هـذه الحمرة، هي الصّدأ علا صُفرة الذّهب، ولكـنّهم أعيـدوا إلى رشدهم، عـندما قيـل لهم “عُمْركش سمعـت بالذّهب ايصدي، لو يبقى في التّراب سنين”.
وتـمّ استدعاء العـديد من المختصّين في المعـادن والكيميائيّين؛ لمعـرفة حقيقة هـذه الحمرة، ولكـن لم يجـدوا لـها شبيها في المعـادن، ولا تفسيرا في عـلومهم، وساد الغـموض، وضُربت الأخـماس في الأسداس دون نتيجة، وكثرت التخمينات والنظريات والنظريّات المضادّة، فكلّ تفسير يوجد ما يفنّده، وتناطحت الآراء كلّ حسب زاوية نظره واختصاصه العلمي. ذهب بعض علماء الآثار إلى أن قطعة الجلد، ربّما تكون خريطة لكنز ثمين، رسمت على الجلد بماء الذهب لقيمة الكنز الكبيرة، فاذا تمّ فكّ شفرة الخريطة، تتخلّص الدّولة من مديونيّتها الأزليّة، وتحقّق مزيدا من الرّفاه لمترفيها، كما ذهب الخبراء العسكريّون إلى أن هذا الرسم يمكن أن يكون خطّة عسكريّة لحرب كبيرة، وأن هذه الخطّة قُـدّمت على هذه القطعة الجلديّة، مرسومة بماء الذّهب للملك، نظرا لقيمته وعظمته، ولو لم يكن عظيما، لقُدّمت له مرسومة على عجل، ولما رُسمت على جلد آدمي بماء الذّهب، وبهذه الرّوعة. وأضاف أحد الخبراء العسكريّين المختصّين في التّاريخ الحربي، والتخطيط العسكري، والمتحمّسين لهذه النظريّة، أن هذا الملك لا يخرج عن ثلاثة: إما أن يكون ذا القرنين أو حامورابي أو كسرى عظيم الفرس.
ساهمت الصدفة وحدها في إجلاء الغموض، ومعـرفة الحقيقة، عندما شاهدت إحدى السّائحات هذا العـجب العجاب، صاحـت من الدّهشة قائلة:

وَيْ كأنّه الدم.
وفي الحال استـدعى رئيس الهيئة فريقا من الأطبّاء والبيولوجيّيـن، وأُجـريت الأبحاث، وكانت النّتيجـة مذهـلة، إنّه دم بالفعل، تلك الخطوط الحمراء، هي شراييـن يجري الـدم داخلها، وقد كتمت اللّجنة الخبر لغرابته، ولمزيد التثبت والتّشاور؛ فـتمّت الاستعانة بالدّول العـظـمى؛ فأرسلت هذه الأخيرة أساطيلها العـلميّة، كما أرسلت أساطـين عـلمائها؛ لإجراء الأبحـاث اللّازمة، فوصلوا إلى نفـس النتيجة….. إنّه الـدم، دم حار يجري داخل هـذه الشّرايين الحمراء حمرة قانية، كما لاحظـوا أيضا أن شكل الوشْم يتبـدّل يوميّا، محافظا على نفس اللّون، ونفس الخطوط الحمراء؛ فتمّت الاستعانة بخـبراء في الفنون الجميلة، ولكنّهم صُدموا، وبقـوا مشدوهين، يتفرّجون عـلى روعة هـذه الأشكال، وعـلى هـذا العجب العجاب.
اتّخذت المـنظّـمات الـنِسوية في العالم هـذا اليوم عـيدا، أضـيف إلى أعياد المـرأة وإنجازاتها، فسُمّي أولا “عـيد العـطـر” ولكن هـذا الاسم لا يشير إلى المرأة، ولذلك شجبـته كـلّ هـذه المنظـمات بغالـبيّة الأصوات (وخاصةّ المنظـّمات العربيّة)، فـأُبـدل بعـد اتفاق باسم “عيد المرأة العطرة” أو عـيد المرأة المعـطّـرة، كـما يحـلو لبعـض الرّجال تسميته.
المرأة التي اكتشفت الحقيقة ألمانيّة الجنسيّة، زرقاء العـينين، ممشوقة القوام، ميساء القـدّ، سوداء الشّعـر، كتبت الصّحف تعـريفا بسيرتها، وتنويها بالجنس الآري عموما، وإبداعاته عـبر الـتاريخ، مُغْـفلة تاريخ النازيّة، ودون معاداة للساميّة. كما لم يفتها التّعليق، عـلى زرقة العـينين، وسواد الشّعـر، فهما صفتان قـلّما تتصادفان في الطّبيعة، خاصّة للجنس الآري، وعـزوا هـذا التّصادف، إلى تميّز شكل هذه المرأة، تـبعا لتميّز دورها، باكتشاف هـذه الآية. وتميّز الدّور يفـرض بالضّرورة، تميّز القائم به شكلا ومضمونا، وحتّى يستقيم الاكتشاف، فقد كانت المكتشفة”فلتة” فجمعت هذه المرأة “المعجزة” بين خاصيّة العرق، وخاصيّة أهل الأثر المبارك؛ فالتقت الزّرقة بالسّواد. وأمعنت بعـض الصّحف الأخرى الأكثر جرأة وإثارة، إلى وصف بقيّة محاسنها، ولكن عـلى استحياء، رهبة منها وإجلالا لها، لأنّ مجرّد استحضارها يشيع ذلك، وهذا من دلائل عـظمتها لمن يبحث عـن دليل، وهم قـلّة نادرة تعـوّدت الشكّ في كلّ شيء، إلّا أنّهم لانت شكيمتهم مع هـذه الآية، وسلّموا أخيرا تسليم العجائز، والحقيقة أنّهم لم يسلّموا إلّا بعد تسليم “المتفلسف العـنيد”، وهو متكلّم ادّعى عـلما بالفلسفة، وأسّس منهجه عـلى المحسوس فقط، فلا يؤمن بغـير ذلك، وما الغـيب حسب نظره إلّا نتاج للمخيال الجمعي، هروبا من المحسوس الملموس، إلى الخفّي المدْسوس كما يقول. كان يبني منهجه على قانون الجدل، أي قانون التّناقض، والصّراع بين ضدّين، يفرز في النّهاية نتاجا ثالثا مغايرا لهما، ولكنّه يحمل خاصيّاتهما، وسمّى قانونه بقانون تزاوج الأضداد، وهو صراع المفقود والمنشود. وأورد في تعـريفاته، أن المفقود هو ما كان عليه الواقع، والمنشود هـو ما صار عليه، وكلا النقيضين ظاهر ومكشوف، فلا وجود للغيب في الصّراع، ويلتجئ إليه العاجزون عـن التّفسير، والقاصرون عـن استكناه الأسباب العلميّة.
في لحظة من لحظات صفائه، وقد لعبت الخمرة برأسه، فانشرح صدره، وانطلق لسانه حين سأله أحد ندمائه قائلا: ” ما معنى منهجك الجدلي؟”
ردّ عليه شارحا في تؤدة وتأنّ، وقد علت البسمة شفتيه، بعد أن مسح بعض قطرات العصير المسكر على لحيته: ” هو اندثار الموصوف، واستمرار الصفات “.
اتّسعت عينا محدّثه من التعجّب، وأشكـل عليه الفهم، فلاحظ المتفلسف العنيد سهومه واستغرابه؛ فأردف حديثه شارحا:
” يعني جدليّة الموت والحياة، فالكائن يحمل صفات الخلود، وهو الفاني، ويُورّث الصفات للخلف، كما ورثها من السّلف؛ فتبقى الصّفات، ويموت حاملها، وتُـتوارث من جيل إلى جيل”.
ثمّ قال: “يا صديقي أنت تزرع القمح والشعير والبرسيم، تزرعها حبوبا، وتلك الحبوب تخزّن صفات النّوع داخلها؛ فيخرج الخلف، بنفس صفات السّلف، وكـلّ شيء يحكمه قانون، فـلا مجال للغيب، ولا لترّهاتكم”.
كان يشرب عصير النّخيل المسكر، ويختار ندماءه من النّخبة، يتطارح معهم أفكاره، وعندما يثقل الشّراب رأسه؛ يصبح أفصح لسانا وحاضر النّكتة، يسوقها بتلقائيّة وعفويّة، تجعل ندمانه يشهقون من الضّحك، ويتناقلون ما يقوله؛ ليصبح حديث المنطقة يردّدها الكبار والصّغار.
لم يتعرّض مجلسه لنقد مشائخ القريةالمتشدّدين دينيّا، وكأنّه استثناء، يباح له ما لا يباح لغيره.
لم يفلح منهجه في تفسير التحوّلات، التّي أحدثها الجلد الموشوم عـلى الطّبيعة وعـلى طبائع البشر.
لا يعرف أحد أيّ الدّليلين كان أقوى لإقناعه، جماليّة رسم الوشم، أو جمال مكـتشفته. يُرجّح أهـل المعـرفة بطـبع المتفلسف العـنيد، أن جمال المكـتشفة، كان الدّليل الأقـوى لإقـناعه، فـلم يقو أن يكون في غـير صفّها، وتخـلّى لأوّل مرّة عـن عـناده، إذ لان طبعه، وأصبح يُنظـّم المدائح في عالية الجاه، ولا يُفوّت الصّلاة في المسجد.
إيمان المتفلسف العنيد، وإنطاق مجنون المنطقة، وكفّه عن البكاء (إلا أنه ازداد صهيلا)، أبلغ آيتين يستشهد بهما المؤمنون ببركتها، ضدّ المشكّكين، ويسلّم بهما كلّ النّاس إلّا الجاحد المستكبر، الذّي يعرف الحقّ ويخالفه، استكبارا ونرجسية وغررا.
خاضت كلّ الصّحف في الموضوع دون استثناء، كتبت إحداها في افتتاحيّتها، بقـلم رئيس تحريرها شخصيّا مقالا عـنونه “بآية تكتشف آية” تعـرّض فـيه لغـرابة حياة العـباقـرة، وفشلهـم الاجـتماعي، بدءا من أفلاطون وسقـراط، إلّا أنّه استطـرد مستنتجا، أنّه يمكن أن يكون هـناك استثـناء داخل الاستثناء، مثل هـذه الحالة، فهي كاملة الأوصاف، وتكاد تكون حالة فـريدة، عـلى حسب ما عـلمت من تاريخ العـباقـرة، وما أوتيت من العـلم إلّا قليلا”.
وأضاف “الاستثناء هـنا، أن تكون البطـلة العـبقـريّة، التّي غـيّرت مجـرى التّاريخ امرأة، لأنّ المرأة في مجال الاكتشافات والاختراعات والأحداث التاريخيّة الكبرى، ليس لها ذكْـر”، وعـدّد أسماء الرّسل، وأبطال الحـروب، ومشاهـير العـلماء، والمكتشفـين، والمخـترعـين عـبر التّاريخ؛ فـلم يجد لها ذكْرا، بل وجد أنّ تاريخها مرتبط بالغـواية، فـقد أغـوت حـوّاء آدم، فأكل من الشّجرة، فأُخرجا من الجنّة، وأغـوت امرأة العـزيز النبيّ يوسف، ولمّا استعـصم أدخلته السّجـن، وأردف حديثه مستدركا للموضوعـيّة، وللأمانة العـلميّة كاتبا: “أن السيّدة مريم العـذراء، أنجبت المسيح دون أب، وهـي معجـزة من المعجـزات، ارتبطـت بامرأة. كما أن المرأة، يمكن أن تكون مؤثّرة، تأثيرا غـير مباشر، ودورها لا ينكر، ولا يمكن الاستغـناء عـنه وإن لم تُذكـر، بحُـكـم “أن وراء كـلّ رجـل عـظـيم امرأة”، فلا يمكـن أن يُنجـز هؤلاء ما أنجـزوا، إن لم تدفعهم، فهي كالرّيح بالنّسبة إلى السّفن، لولاها لظلّت رواكد، ولكـنّها لا تـرى، ودورها أساسي، وهي مغـناطيس الرّجل تجذبه وتبعـده كيفما شاءت “.
وأسال هـذا المقال، الكثير من التّعاليق، من المنظّمات النسويّة ومناصريها من الحداثيّين، واتّهموا صاحبه بالرجعـيّة، كما دعـوا كـلّ النّساء، إلى إضراب عـام عـن الحياة الزوجيّة بيوم واحـد، نهارا وليلا بالنّسبة للمتزوّجات، وخاصّة في اللّيل، حتّى يحسّ الرّجل، بوحشة المخدع دون صدر يؤويه، فيتبيّن دور المرأة، ولكن دون الإخلال بواجبات الأمومة المقدّسة، ولا بأواصر الدم، كالعلاقة بالإخوة، لأنّ قضيّة المرأة محصورة في عـلاقـتها بزوجها فقط، ولا داعي لحشر بقيّة الأطراف في هـذه القضيّة الأزليّة. كما دعـوا العازبات من النّساء إلى الامتناع عـن إرسال الرّسائل الغـراميّة في اللّيل، أو ضرب المواعـيد الغـراميّة نهارا، لينخفـض بذلك منسوب الحـنان العالمي، ويصيبه الجفاف العاطـفي، لمدّة يوم نهارا، ولم تركـّز كثيرا عـلى اللّيل، لأنّه أقـلّ قـيمة من النّهار بالنّسبة لهـذه الـفئة. وقد قـضى العالم يوما عسيرا، أطلقوا عليه “يوم الجفاف العاطفي”، عانت فـيه المخادع من السّهد والوحشة، وتـقـلّب الرّجال والنّساء فيها، وقـد جافاهـم النّوم، منتظـرين انقضاء ليل ثـقـيل طويل، وانبلاج الصّباح، حـتّى يعـود الحنان إلـى منسوبه الطّبيعي، وتعـود السّكينة للبيوت، والحياة إلى سالف عهدها.
ذهبت أكثر المنظّمات النسويّة تطرّفا إلى دعـوة النّساء إلى الزّواج المثلي، والامتناع عـن الاقتران نهائيّا بالرّجال، ليضطرّوا مثلهـنّ إلى هـذا الزّواج العـقـيم، أو يـموتوا حسرة وشهـوة، لن يطالوها من النّساء.
وأُطـلقت صيحة فزع من هـذا النّداء، الذّي اعـتُبر بمثابة أحد أسلحة الدّمار الشّامل، التّي تقضي عـلى الوجود بالقتل والخراب، كما يقضي الزّواج المثلي عـلى الجنس البشري؛ بمنعه التّوالـد والتّكاثر؛ فينتهي دون خلف، وهـو الوسيلة الوحـيدة للحفاظ عـلى النّوع، وضمان استمراريّته، وبالتّالي ضمان تواصـل الحـياة. واضطّرت السّلطات الحاكمة إلى تمرير قصائد الحـبّ المعـتّقة عـبر الإذاعات والمحطّات التلفزيونيّة، وأفلام الرومانسيّة، وأحـلى الأغاني العاطفيّة، وهمّوا ببثّ بعض الأشرطة الإباحيّة؛ لكنّهم تراجعوا خوفا من ردّة فعـل الأوساط المحافـظة ومن إدمان النّاس عليها، ودامت هـذه الحملة أسبوعا كاملا، كلّ حسب لغـته وقصائده الحارقة، فرجع الحـنان إلى منسوبه العادي، والحياة إلى طبيعـتها، واستدلّوا عـلى ذلـك بظهور بعـض الخصومات بين الأزواج، ورجوع الحلاّقات إلى معـدّلات نشاطهنّ الطّبيعي.
كتبت الصّحف أنّ المكتشفة دكتورة في الفنون الجـميلة، إضافة إلى دكتوراه في الفلسفة الإسلاميّة. وقد كرّست حياتها للعلم حيث عـزفت عـن الرّجال، رغـم لهثهم وراءها؛ لجمالها الأخّاذ. واشتهرت هذه المرأة باسم” زرقاء العـينين”، وأصبحـت حديث كـلّ الـنّاس، يعـرفها القاصي والدّاني والصّغـير والكبير، حتّى المجانين كما أشيع عـن مجـنون المنطقة.
مجنون المنطقة مـن أكثر المجانين خبلا، لا يكاد ينطق حرفا، ولا يأكل إلّا بيديه الاثنتين، مهما صغـر ما يتناوله، كان فارع الطـّول، حليق الشّعـر، يلبس قرطا في أذنه اليمنى. كان غـريب الأطـوار، لـم تشهد المنطقة من هو أكثر منه جنونا. كان يقضي أيّاما في فعل واحد، مثلا يبقى أيّاما، يرمي الحجر في اتّجاه واحد دون انقطاع، وينام في مكانه ثمّ يفيق ليعاود الرّماية، كما كان يهمهم فقط، ويعـوي كالذّئب عـندما تصادفه امرأة جميلة، ويشتدّ عـواؤه قدر جمالها، ولمّا شاهـد زرقاء العـينين، ظـلّ يعـوي ويدور في مكانه، ينام عـاويا ويستيقـظ كـذلك، ثـم انقطع عـن العـواء فجأة، ونطق باسمها المقدّس، “زرْقة” دون انقـطاع، وظـلّ عـلى هـذه الحالة فترة. كان ينشغل فيما يفعله انشغالا كاملا، لا يقطعه إلّا وقـت البكاء، أو وقت الصّهيل، وهما وقتان مقدّسان لا يخطئهما مهما حصل. حين تصفرّ الشّمس، وتميل إلى الغروب؛ يبدأ في الصّهيل واقفا يحرّك رأسه إلى الأعـلى مع كلّ صوت، كان أصعب ما يكون، وهو يمارس هذا الطّقس المقدّس، يستشيط غضبا إذا قوطع، ويا ويح من يتجرّأ ويفعل ذلك. مثلما قاطعه لأحد منكودي الحظّ، عطّار المنطقة التّاجر حامد خالد، كان مارا بجانبه وقت صهيله؛ فقهقه بصوت عال. لقد أقسم بعد ذلك أنّه لم يكن يقصده. ولكن طريقته في الضّحك وفي الكلام، تستفزّ العـقلاء، فما بالك بمجنون المنطقة. كان نمّاما وحسودا يزيد في الأسعار، ويطفّف في الميزان، ويغش في السّلع، لا تفوته شاردة ولا واردة، لم يكن محبوبا من الجميع، لذلك فرحوا لما سمعوا بمشكلته مع مجنون المنطقة، وأقرّوا أنّه لا يقدر على تأديبه إلا هو.
عتدما قهقه التّاجر حامد خالد، سمعه مجنون المنطقة ؛فقطع صهيلة، وجرى خلفه، فأطلق ساقيه للرّيح يجري كالغزال، ولم يعد ذلك الرّجل ذو الكرش، الذّي يدب الهوينى، فلم يدركه إذ دخل بيته، وأقفل عليه بابه، فحاصر منزلهم ثلاث ليال يقذفهم بالحجارة، ولا يأتيهم إلا بعد حلول الظّلام، بعد أن ينتهي من صهيله، لا يستطيعون الدّخول ولا الخروج، فمن وجد داخل المنزل لا يستطيع الخروج، ومن بقي خارجه؛ فلا يقدر على الدّخول، ولم تفلح في إثنائه إلّا الصّغيرة ابنة أخيه، التّي أرسلوها إليه فعادت به راكبة على ظهره تمسّد رأسه الأقرع.
امتنع التّاجر حامد خالد عن المرور بجانبه، وأصبح يسلك الطريق الأخرى للوصول إلى متجره رغم طولها، ولكنّه استقام في سلوكه، ولم يعد يجلس داخل دكّانه، كعادته في كل الأحوال في الحرّ والقرّ. أصيع يجلس أمام الدكّان وعيناه مسمّرتان على الطّريق، متوجّسا من مجيء مجنون المنطقة. والسكّان يستفزّونه ويسخرون منه، فيقولون لبعضهم عند تبضّعهم لاستفزازه، لقد رأيناه قادما من هـذا الاتّجاه، ولا يذكرونه بالاسم، ولكن التّاجر يعرف جيّدا من المقصود، فيقفز أمام دكّانه؛ ليراقب الطّريق، فلا يجده، ولكن عينيه لا تخطئان الباب. أصبح يعاني من كابوس يؤرّق حياته ومنامه، كان يراه في المنام برأسه الأقرع وقرطه المتدلّي، ولكن فكّيه فكّا تمساح، يهوي عليه بهما لينهشه؛ فيفيق صائحا ويظلّ يتحسّس أطرافه، وهو ذاهل تماما، وزوجته تهزّه ليستفيق وهي تقرأ القرآن. ومجنون المنطقة في شغل عنه، لا يفكّر فيه البتّة، منهمكا في بكائه وصهيله، وفي أحواله الغريبة، وهو محاط بالدّراويش يتبرّكون به.
في وقت البكاء يجثو مجنون المنطقة عـلى ركبتيه، ويجهش بالبكاء، وتخنقه العـبرة؛ فتجري العـبرات من مقلتيه ووجهه محتقن، ويبقى عـلى هـذه الحال فترة، إلى أن ينهكه التّعـب؛ فيتمدّد وينام في مكانه.
كان يبكي في منتصف النّهار بالضّبط، دون أن يعـرف الوقـت، ولا ينبغي له ذلـك، وهـو المُغـيّب عـن الوجود، لا علاقة تربطه بالحياة، إلا الاحتياجات الطبيعـيّة.
زاد بكاؤه في اعـتقـاد دراويش الصوفيّة في بركته، فأقـبلوا عليه دون الاقـتـراب منه، فـلا يجرؤ أحد عـلى فعـل ذلـك، مخافة ردّة فعـله. كانوا يخيّمون بقـربه، يضربون الدّفوف ويحـرقون البخور، وهو في شغـل عـنهم، إلّا أنّـه يشبع حدّ التّخمة من قطع اللّحم، التّي يقدّمونها له في إناء يضعونه بقربه؛ فيلتهم ما يجـده بيديه الاثنتين كعادته، ويأتي عليه مهما كثر، ورأسه الحليق يلمع تحـت الشّمس.
كانوا يعرفون شدّة جنونه، وبالتّالي فبكاؤه يعتبر معـجـزة؛ فهو كإنطاق الحجـر، إذ كان مرتبطا بذكرى موت بنت أخيه. كان لا يقـترب منه بشر إلّا هـي وسي السّاسي، يتركها تركب عـلى ظهـره، ويمشي عـلى أربع، وتلعـب بقرطه، وتمسح رأسه الحـليق. تجرّأت عليه بادئ الأمر لصغـرها؛ فهي لا تعـرف جـنونه، فاحتضنها بحنان فهوى فؤاد أمّها خوفا عليها، وجثت في مكانها جاحظة لا تستطيع فعل شيء، خائفة من ردّة فعـله، كانت تعتقد أنه سيلتهمها أو سيخنقها. لمّا اشتدّ عودها أصبحت تأتيه بطعامه؛ فينقطع عـن هـياجه بحضورها، وينقلب كالحمل الوديع، وهـي تتمسّح به وتنادي ” أَمي” “أَمي” يعـني عـمّي عـمّي. ولكن مرضا خبيثا أصابها؛ فـلم تعمّر طويلا وماتت. كان يجلس قرب الدّار التّي ترقد فيها صريعة المرض تئنّ، وكان هو يصيح بصوت رقيق إلى أن يبحّ صوته. لقد افتقدها لما انقطعت عن جلب الأكل له، وهو في مكانه المعتاد. لقد أبكى كلّ من شاهده، وكل من تناهى إلى علمه خبره، وكانت جنازتها مهيبة، وصاخبة، بكتها النّساء بحرقة، كما بكاها الرّجال، خاصّة لمّا رأوا المجنون وقد أقعى عـلى قبرها، يبكيها بحرقة تذيب القلوب. وظلّ من تاريخ وفاتها يبكيها كلّما حان الوقت الذّي تأتيه فيه بغدائه. ينقطع عن أيّ فعل بحلول الوقت، ويجثو على ركبتيه، وتسيل دموعه بغـزارة، وتخنقه العبرة، ثم ينام في مكانه من التّعـب. لقد ولد مجنونا ولم يع العالم من حوله، وكان غريبا في جنونه. لا يؤذي أحدا، لكنّه كان مرهوب الجانب، لا يتجرّأ عليه أحد لمنظره الغريب، وخاصّة لحول في عينيه.
وكانت وفاة ابنة أخ مجنون المنطقة، من أشدّ الذّكريات إيلاما للدكتور خليل. كان وقتها تلميذا في المدرسة الثّانويّة في العطلة الصيفيّة. لعن المرض والعجز عن مداواتها، وزاد إصراره على دراسة الطب؛ ليحارب المرض الذّي لا يخطئ أحدا، فيمكن أن يصيب كلّ النّاس، عزيزا أو قريبا أوبعيدا. لقد انخلع فؤاده لمّا رأى مجنون المنطقة جاثيا على القبر يبكي، فتيقّن أن الألفة يمكن أن تُطوّع حتّى المجانين.
كان الدكتور خليل مرهف الحسّ، هزّه موت البنت هزا عنيفا، فلم تفارقه ذكرى جنازتها، كان شغوفا بالعلم والمعرفة، يشجّعه على طلب العلم تاريخ عائلته العريق، فقد كان أجداده شيوخ علم، ورجال قضاء. كان يرى تهتّكا في الواقع، لا يداويه إلّا استئصاله، ولكن الدّواء عزّ؛ لانعدام الوسائل؛ فهي بدورها مريضة.
كان يقول في نفسه:
-من سيصنع التّغيير؟ هل سيصنعه هذا المجتمع المريض، الذّي تنهشه الأمراض الاجتماعيّة في كلّ أحواله، أم هذه الطّبقة السياسيّة، التّي ينهش بعضها البعض، وتتلهّى بالسبّ، وشيطنة الخصم، وكأنّها وحدها تملك الحقيقة، ووحدها تستحقّ الوجود.
كان يجلس مع عائلته، ويدور حوارهم أغلب الأحيان حول تشخيص علل المجتمع وحلولها. لذلك كانوا أوّل المتابعين للتحوّلات، وهم مذهولون من تحقيق ما انتظروا وقوعه بفارغ الصّبر. فكانوا يعيشون على نخب التّغيير، منفعلين بالأحداث ككلّ النّاس، منتشين بتحقيق ما انتظروا، راصدين التحوّلات، التّي بدأت تظهر بشائرها ومقدّماتها على الطّبيعة وطبائع النّاس، وعلى العلاقات الدوليّة، تغيّر حتّى مجنون المنطقة؛ فلمّا رأى زرقاء العينين كـفّ عن البكاء فجأة، وتخلّى عـن عادته القديمة في الوقت المقدّس، الذّي لا تخطئه حواسه، فأصبح يقهقه بصوت عال. سبحان الذّي أنطق الحجر عـلى يديها، إنّها لمن آياتها العظمى أن تغيّرعادة المجنون، فينقلب بكاؤه ضحكا، حتّى ازداد اعتقاد دراويش الصوفيّة فيه وفيها، وهـيّجت مشاعـرهـم، وأسالت الكثير من مدادهـم، وفـتّـقـت قرائحهم عـلى قصائد في مدح “عالية الجاه زرقاء العـينين ” كما سموها فيما كتبوا. وكان إنطاق “مجـنون المنطقة” أبلغ آية يستدلّون بها عـلى بركتها، وبركة اسمها، ويقولون للمشكّكين “لقد أنطقت الحجـر “، وهذه الحجّة بالغة لكل من يعـرفه، ويعـرف درجة جنونه. عاشت المنطقة تحت تأثير العطر، الذّي غيّر المنطقة والعالم؛ فكـلّما حُرّك الجلـد إلّا وضاعـت منه رائحة الطّيب، أطيـب من المسك ومن كلّ العـطور، ضاعت هذه الرائحة في البداية على مسافة قدّرها علماء الجغرافيا بدائرة قطرها 300 كلم، ثمّ عمّت الكرة الأرضيّة، وكلّما فاحت هذه الرّائحة أخذت النّاس هستيريا، وأصبحوا ينشـدون الشّعر حتّى الأميّون منهم، وأصبح كلام النّاس همسا رقيقا ناعما مفعما بالحب حتّى مـن أجلافهـم المعروفين بالغـلظة والبلادة.
قال الدّكتور خليل:
-ممّا لاحظت كشاهد عـيان أن خالي الساسي نهض فـي الصّباح مشرق الـوجه يُـغـنّي، ما إن رآني حتى أنشدني شعرا، فأجبته بمثله، وسألني عـن حبيبته دون خجـل، فأجبته دون استغراب: إنها في المطبخ، فتوجّه إليها، وقابـلها فـي المجلـس ينشدها وتـنشـده شعـر الغـزل. وأصبح الشّعر لـغـة النّاس.
كما لاحظ علماء الإحصـاء ارتفاع نسبة الولادات خلال ” الفترات العطرة “، كما أصبحت تسمّى، فأطلقوا عـلى المواليد اسم ” أطفال طفرة العطر” أو” أطفال العـطر” اختصارا. وأصبح يؤرّخ بأيّام العـطـر، فيقال مثلا: ولدت يوم العطـر الفلاني من السنة العاطرة الأولى أو الثانيـة أو… ولاحظت مصالح الأرصاد الجويّة؛ وجود غلالة من العـطر ، تغـطّي المنطقة العاطـرة، التّي أصبحت تسمّى بدائرة فاعليّة العطر، وشوهدت هذه الغلالة عبر الأقمار الصناعيّـة، وأصبحت أحوال الطّقس، هي أحوال العـطر اليوميّة، ودرجت مصلحة الأرصاد عـلى تقديم نشرة جويّة، أو نشـرة عـطريّة كلّ يوم، منذ اكتشاف الأثر المبارك، فيقال مثلا إنه في هذا الـيوم، يتركّز ضغـط عـطري مرتفع عـلى منطقة روضة القائد، ويُرمز لها بقـلب يـنبض، أمّا في بقـيّة المـناطـق داخل دائـرة فاعلية العـطـر، فنلاحظ استقرارا للطّقس المعـطّر وهبوب النّسيـم العليل، مصحـوبا برذاذ خفيف، وقـد أزهرت الأرض، والجو جميل وشاعري، وأصبحت الرّطوبة تقاس بنسبة العـطر في الهواء، لا بنسبة الماء كما كان في الماضي.
روضة القائد تقع على بعد ستّ درجـات شمال خط الاستواء، احتار عـلماء المناخ في تحديـد مناخها، إثـر تبدّلها بعـد اكتشاف الجـلد، فلا هـو بالاستوائي، ولا هو بالمتوسّطي، ولا هـو بالقّاري، ولا يشبه أي منـاخ على الكرة الأرضيّة، فأطلقوا عليه اسـم ” المناخ العطري”، ويشمل هذا المناخ نطـاق المنطقة العاطرة، المطر يوم بيوم، يوم صحو ويوم ماطـر، ينزل المطر رذاذا خفيفا لا يبل، تشرق الشّمس أيّـام الصّحو بأشعّة ذهبيّة لا تحرق ولا تُـبْهر، يرتسم قوس قـزح عـلى صفحة السّماء بألوانـه السّبعة، ولكن الأزرق أكثـر نصاعة. الحرارة سبع وثلاثون درجة، لا تتغيّر كحرارة جسم الإنسـان، تفجّرت الأرض أزهارا عـلى مختلف الأشكال والأنواع، تتدلّـى أصصا حتّى من أسطـح المنازل، ولاحظ عـلماء النبات وجود أجناس جديدة مـن الزّهـر، أطلقوا عليها اسم ” غـريب الزهـر”، وتدوم حياة الزّهور شهرا، حيث تسقط؛ فيستغلّها السكّان للتّقطير، لتعـقبها أخرى متفتّحة شذيّة، الزّهور السّاقطة للتّقطير، والجديدة للتّعـطير.
كما توافدت الطّيور تباعا على شكـل كراديس متساوية العـدد، وتتجمّع على شكل دائرة مطرّزة بالطواويس-التّي اكتسـبت أصواتا شجيّة، بدل أصواتها القبيحة-على شكـل إفريز مطهّـم بالخطاطـيف، قال العارفون بمنطق الطّير، إن الطواويس والخطاطيف هـي كورال الفرق، تردّد معها أغنياتها فارضـة ذيولها الزّاهية، تحرّكها باختلاف من فوق إلى تحت، ومن تحت إلى فوق، تصطفّ الطّيور كلّ مساء للغناء، يتقدّم كـردوس للغناء، وتنتظم الأخرى، فهي إما راقصـة أو باكية، بحسب الأغنية المقدّمة، واشتهـر كردوس الحمام بالنّغـم الحزين، فتـفـيض عـيون الطّير والنّاس بالدّموع لسماعه، سميّت هذه الاستعراضات “بمهرجان الطّير”.
تبدّلت الطبيعة في المنطقة، فلم تعد صحراويّة كعادتها، كما ألفها سكّانها، أو كما يعشقها البعض مثل سي الساسي، الذّي اشتاق إلى الصّحراء التّي تغـلغل فيه حبها، وتأقلم مع قسوتها، اشتاق لخبز “المِلّة “، وللبن النّوق وللحوم الجمال، وصيد الجرذان، اشتاق للتمرّغ في رمالها كالضّبِّ، اشتاق إلى حياتها؛ وللفراسة والحيل للتّأقـلم مع قسوتها، كمعرفة الاتّجاهات، بمكان تكدّس الرّمل على النباتات الصحراويّة الصغيرة، و تكون باتجاه الرّيح دائما، واتّجاه الرّيح معـروف، وبالتّالي تحدّد بقيّة الاتّجاهات، كما اشتاق للموسوعة الفلكيّة الشّعبيّة، التّي تقسّم السّنة الى فترات، تسمّى بالسّنة الفلاحيّة، أو السّنة الأمازيغيّة، تحفظ على شكل متون كـ” كيفْ إيجو لحسوم نِحْ كساكْ وعُومْ”، يعني بقدوم الحُسوم ينتهي البرد، يرد عليه الآخر” مَا انِّحْ كسايا ونعوم كان كيفْ ناكِلْ لعـْصيدة بِالثّوم”، يعني أنه مازال للبرد بقيّة، فلا ينتهي حتى يكون لبقـلة الثوم سِنَّة.
نبتت في داخل سي الساسي، جنان من الزّهر والحبّ المعتّق، حبّ للنّاس وللطّبيعة بهوامها السّامة، فيستشفّ الجمال، حتّى من أثر الحشرات، على العـروق الرمليّة في بكرة الفجر النَّدِيّ، ومن خطوط السّوام المرقّطة النضرة بألوانها الخلّابة، رغـم حملها للسمّ الزّعاف القاتل.
المنطقة التّي اختضنت الظّاهرة المباركة، تسمّى روضة القائد، أومنبت القائد، أو بنت القائد، وهي أسماء اختلف المؤرّخون بينها، ذهب بعـض المؤرّخين إلى أن الاسم الحقيقي لهذه المنطقة هو روضة القائد، مسـتندين إلى بعـض الوثائق، التّي ترجع إلى الحضارة “الهيلنسية” ، وهي رسالة أرسلها الملك سلوقس إلـى ملك روضة القائد، ورد فيها ” من الملك سلوقـس العـظيم إلى ملك روضة القائد المظفّر”، وبما أنّه لا يوجد مكان آخر يحمل هـذا الاسم، كان الملك المقصـود هنا هو ملـك النّطاق العـطري، أو روضة القائد، واسـتند المرجّحون لاسم منـبت القائـد على كتب السِّيـر والرّحلات، وقالوا إنه ورد ذكرها في كتاب ” سير الأتقياء والأشقياء”، عند ذكر أحد الأتقياء، فقد ورد أنّه سكن صومعة بروضة القائـد، وقالـوا إن هذا المرجع يحتوي على تسع وتسعين صفحة، خصّت كل صفحة تقيّا أو شقيّا، ولا يوجد منه إلا نسخة واحدة فـي مكتبة بألمانيا. وقالوا إن الرحّالة “سلمان الكرخي” ذكـرها فـي كتابه “درر الأمصار وعجائب الأسفار”، حـيث ذكـر، أنـه مر بمكان يشبه الأحلام، يسـمّى منبت القائـد.
أمّا الذين رجّحـوا اسم بنت القائد فقد استندوا إلى علماء الأنساب، حيث قالوا إن للقائد بنتا واحدة، اختلف فـي تحديد اسمها، لأنّ النّاس لا ينادونها بالاسم مباشرة، تهـيّـبا وإجلالا، واعـتادوا تسميتـها ببنت القائد، ودار الاختلاف على ثلاثة أسماء، منى ومها وسنا، وهـذه البنت آية فـي الجمال وكمال الأخلاق، حتّى أن معاصريها من العلماء هـمّوا بإضافتها إلى عجائب الدّنـيا السّبعة، ولكنّها رفضت تواضعا منها، وبقيت العجائب على حالها.
أرجع بعـض النسّابة الزّرقاء الألمانيّة إلى بنت القائد، حيث هاجرت إحدى جدّاتـها خلال الحروب الصليبيّة، كما وجدوا ذلك في بعض المراجع، ولكنّها بقيت أخبار آحاد لم يتم تأكيدها؛ فيذكرونها للاستئناس دون الجزم بصحّتها. ومن أكثر المدافعين عن هذا الرّأي المتفلسف العنيد، مستندا إلى نظريّته الجديدة، وهي “نظريّة الحكمة النّاظمة والآيات النّاطقة”، فلم يعد منهجه الجدلي متماشيا مع إيمانه، بعد الفتح المبين الذّي وقع له بعد مجيء الطّاهرة زرقاء العينين، وتقول النظريّة إن كلّ أحداث الكون منتظمة ضمن سياق وضعه الله بحكمته، وخاصّة في الأحداث الكبرى مثل هذا الحدث العظيم، فلا بد أن يكون للطّاهرة صلة بهذا المكان تماشيا مع حكمة الله وتدبيره؛ ليكون الحدث منسجما ومنتظما؛ بربط صلة النّسب لسكّان هذا المكان بالطّاهرة، لأن “العرق دسّاس” كما يقال؛فلا بد من نقاء أصل الطّاهرة وتقلبّها في الطّاهرين.
تغيّر مجنون المنطقة قليلا، فانقطع عن البكاء، وحافظ على صهيله. في بداية الطّفرة، يعرف البعيد عن مكانه موعد صهيله، بطيران الطّير المفاجئ والصّاخب مذعورين من صهيله، ثم ألفوه بعد ذلك، بل أصبح منتظما مع المشهد العام، فلا يبدأ الطّير مهرجانه إلا بعد انتهاء هذا الأخير من صهيله. كان كلّما صهل ضجّت حلقات الدراويش من حوله بالتّسبيح والدّعاء، ويصل الأمر ببعضهم حدّ التخمّر، وطرق الدّفوف طرقا خفيفا ومقتضبا، احتراما لموعد مهرجان الطّير، الذّي يرونه آية من آيات الله العظمى الواعظة، الذّي أقيم احتفالا بآيته النّاطقة الطّاهرة زرقاء العينين، فحتّى الطّير والحيوان يعترفان بعظمتها وببركتها. ويشارك الدّراويش في المهرجان بالبكاء والكتيت المهموس.
وللمفعـول السّحري لهذا الجلد وعـطره، فكّرت هيئة المدابغ العالميّة في استغـلاله؛ لإشاعـة الوئام في العالم والقضاء على بـؤر التوتّر، فأخبرت هيئة الأثريـين بذلـك؛ فأعـربت عـن استعدادها وتشرّفها، وفي الحال ضُـربت حراسة مشدّدة على الجلد، واقـتُرح تسمية وزارة ترعـى شؤونه، فاختُـلف في تحديد الاسم، فمنهم من اقترح تسميتها بوزارة شؤون الجـلد، فرُفض هذا الاسم لاقترانه في الغالب بالأحذية، فقد يخطئ الناس ويقولون: ” وزارة شؤون الجلد والأحذية”، وهذا يحـطّ من قيمة الجلد ودوره وقدره العالي. فاقـتُرحت مناقصـة عالميـة للتّسمية، وقد اختير بعد لأْي اسم ” وزارة عجائب الآثار”، تيمّنا بمزيد اكتشاف أثار أخرى بهذه القيمة.
لقد فارت المنطقة، وصارت مسرحا لمتغيّرات يوميّة لا يمكن التنبؤ بها، ولا تخطر على بال أحد. أصبح النّاس غير الناس، والطّبيعة غير الطّبيعة، إنّها الطّفرة العظمى، إنّها التحوّلات الكبرى، إنّها القيامة الصغرى. لقد استحال التغيير بالأسباب العاديّة للتّغيير الاجتماعي، كالثّورة والحرب مثلا، فجاء الخلاص من حيث لم يحتسب أحد. فُرض التغيير عـلى الجميع، وتعـدّل العالم عـلى وقعه، وتغيّرت العلاقات الدوليّة وموازين القوى، ولانت الأنفس، وساد الوئام، واعتذر الظّلمة للمظلومين، ووصل الأمر بأحد رؤساء الدّول العـظمى، إلى الموت بكاء عـلى مظلوميه في الأيّام الخوالي، من الشّعوب المقهورة، التّي اغـتصبت أراضيها، ونهبت ثرواتها؛ فـظـلّ ينتحب، وشريط ذكريات ظـلمه يمر بمخيّلته، إلى أن قـضى نحبه بكاء، والشّريط ما زال طويلا. بكى الهنود الحمر وزنوج إفريقيا وموتى هروشيما وناكازاكي والفلسطينيّين، وأرهـقته ذكرى من أسْـرُوا ومن فتحوا، وأغاظه أشد ما أغاظه أن أرض الجبّارين التّي باركها الله، يسكنها الممسوخون قرودا وخنازير بمساندته، بعد أن رفضوا حتّى دخولها في السّابق خوفا منهم. استحضر آلامهم وعذاباتهم فـلم تكفه دموعه، وجفّت مآقيه، ونزّت عـيناه دما، ومات من الكمد. وشاعـت في تلك الأيّام ظاهـرة الموت كمدا، فقضى بها العـديد من رؤساء الدول والعـديد من السّياسيين لما اقترفوا من جرائم، وسرت هذه الظّاهرة؛ لتحصد أرواحا ظلمت وأفسدت. حسبت منظّمات الصّحة العالميّة، أن هذا وباء فيروسي ظهر فجأة، إلا أنّها تبيّنت بعـد فحص الجثث، أنّه لا وجود لفيروس، إنّما كان سبب الوفاة الحزن الشّديد والبكاء حتّى الموت، وكتبت تقريرها وعـنونته ” من الحزن ما قتل “، وتركته سريا، رغم انكشاف كلّ شئ بعد الطّفرة، فلا مجال لحجب الحقائق، ولكن ما بالطّبع لا يتغيّر بسهولة.
زرقاء العـينين رائدة هذا التّغـيير، ألهمت الجميع الخوض في سيرتها، وفي كل تفاصيل حياتها. خاضوا في جمالها وأصلها وفصلها، وذهب بعـض المتحمّسين من عـلماء الحديـث، إلى نسبة حديث للرسول يقول فـيـه:
-النّساء أربع، مريم العـذراء وفاطـمة الزهـراء والزرقاويتان.
وقالـوا إن البخاري هـمّ بكتابته في صحيحه، ولكـنّه عـدل لحكمة يعـلمها الله. كما قـالـوا بجواز تصنيف الحديث حسب النـيّة، وهو مذهب جمهور من أهل العـلم عندهم، وقسّموا الحديث إلى درجات؛ صحيح وهـو ما كانت نيته طيّبة، وضعـيف وهـو ما كانت نيّـته معتدلة، ومرسل وهـو ما كانت نيّته خبيثة.
وقال أهـل العـلم، إن المقصود بالزرقاويتين، هما زرقاء اليمامة وزرقاء العـينيـن الألـمانيّة، أو زرقاء العـينين دون تعـريف.
أصبحت زرقاء العينين مضرب الأمثال، وحديث الأدب والحكايات الشعبيّة؛ فلا سمر يبدأ إلّا بالحديث عنها، ولا ينتهي إلّا بها، وهـذه سُـنّة اعـتادها النّاس، فهي من آداب الحديث، وأصبحت حكايتها تعرف بحكاية “جاءت من وراء البحر فاكتشـفت الأثر”.
عندما يقال “زرقاء مشعـشع نورها مخَبْلة في شعـورها”؛ فالجواب معـلوم بالضرورة، وهـي زرقـاء العـينين. وقال أحـد المؤرّخين إن حكاية “ألف ليلة وليلة ” كانت تُسمّى حكاية “ألف ليلة وليلتان “، واللّيلة المسقطة هي حكاية “جاءت من وراء البحر، فاكتشفت الأثر “، وقال إن بعـض المستشرقين أسقـطوا عمدا هذه الحكاية؛ لطمس تاريـخ المنطقة. وذهبت بعـض الدّراسات الأخرى، إلى أنها أُسقطت بعد الحرب العالميّة الثّانية، وبالتّحديد بعد انقسام ألمانيا إلى شرقيّة وغربيّة، وبما أن زرقاء العينين من ألمانيا الشرقيّة، أُسقطـت حكايتـها نـكاية في وطنها وانتصارا لله، إشارة إلى شيوعيّة ألمانيا الشرقيّة.
وفي مناظرة تلفزيونيّة بين عـالمين، أحـدهما مناصر للزّرقاء الألمانيّة، وآخر مناصر للزّرقاء العربيّة، ودون معاداة للزّرقاء الألمانيّة، التّي كانت محل إجماع من الجميع. قـال الأوّل إن الزّرقاء العـربيّة كانت ميزتها مشاهدة حتـف قومها قادما من بعـيد، فأنـذرتهم، ولكـنّها سُفّـهت، فـكان نذيـرها كـصرخة في واد سحيـق، ممّا يدلّ عـلى استخفاف قومها بها، أو بالنّصح عـموما، أو إنّهم لا يستمعون إلّا لنـصح عليـة القوم، ممّا يدل عـلى التّفكير الطّبقي، وعـلى التّرتيب التّفاضلي للمجتمع العـربي. وأضاف إن الزّرقاء الألمانيّة شاهدت خلاص قوم غـير قومـهـا، بـمجرّد نظرة، لاحظت من خلالها حقيقة الخطوط الحمراء على الجلد، فغيّرت مجرى تاريخ المنطقة. ردّ عليه المناصر للزّرقاء العربيّة، قائلا
-إن “السّواد” العربي قيمة جماليّة فريـدة لطـالما ألهمت الشّعـراء والمغـنّيـن، فـلا نجـد مـن تغـنّى بغـيرها، كـزرقة العـينين مثلا.
انبـثق اتجاهان للنّقـد الأدبي،” الاتّجـاه الأزرق العـلمي الغـربي” ، والاتّجاه “الوجداني العربي”، فأمّا الاتّجاه الأوّل؛ فهو مذهب المفضّلـين للزّرقاء الألمانيّة، ويبحث في الاتّجاهات العـلميّة في الشّعـر وفي الأدب عـموما، من خـلال الدّراسات البنيويّة، ودراسة الرّموز وإيحاءاتها العـلميّة، فمثلا عـندما يرد ذكـر العـين، فإن تحليلها كرمز لا بد أن ينطـلق من معـطـيات ” بيوفزيائية” و ” زمكانية “، فالرؤية في اللّيل غـيرها فـي النّهار، والعـين المصابة ببعـد النّظـر غـيرها المصابة بقـرب النّظـر، ممّا يؤثّر مباشرة في التقـييم الجمالي من فرد إلى آخـر. ويقولون إنّ المشاعـر والأحاسيس والذّوق، انعـكاس رقمي للطّبيعة لدى المتـقبّل، من خلال علاقة التأثّر والتّأثير، وجـدل الإنسان والطّبيعة، أمّا الاتّجاه الوجداني العربي فهـو اتّجاه “إستيتيقي”، يبحـث في جـدليّة الجـمال والقبـح والأحاسيس المتولّدة عنهما، مركّـزا عـلى الزّخرف اللّغوي، معـطـيا للمعـنى قيمة ثانويّة، معـلّـلا ذلـك بأن المعـنى يتحـدّد مـن خلال المتقبّل، ومـدى ثقافـته وزاوية نظره.
وعلى خلفـيّة هـذا النّقاش انبثـق اتّجاه تيولوجي ميتافـيزيقي، يكـذّب كـل الاتّجاهات العـقـليّة الكـافـرة – حسب زعمه -، ويبحـث في دلالات الرّموز باعـتبارها إشارات نستقـرئ منها الغـيب، فهـي بمثابة القبس في الظـلمة تهدينا السـبيل القويم، وتُوجّه أفـكارنا، ومـن ثـمّ دفّـة العالم لمراد الله، ورسائل الغـيب هـذه لا يمكـن فـكّ شفرتها، إلّا مـن العـارفين الذّيـن بلغـوا أشواطا متقـدّمة في الترقّي في معـارج الرّحمان، فهي بمثابة الكشف الإلهي، وأنوار تضيء لـنا الـدّرب، مـن خـلال هؤلاء العـارفين المصطفيـن من الله، المميّزين بالكـمال العـقـلي والعـصمة في السلوك، بما أودع الله فيهم من أسرار العـلوم، فخـوّلهم إلى استكـناه مراده، من إشاراته ومن شرعه، وما عـلى العامّة -وهـم باقي الخـلق- سوى التسليم والإذعـان دون نـقاش، لأن النّاقـص لا يمكن له محاكمة الكامل، أوالاعـتراض عـلى حـكمه، وإن بـدا غـريبا؛ لأنّ نقـصه لا يُخوّل له المعـرفة الكاملة بغايـة الكامل مـن أحكامه، ولا تُكـلّف نفس إلا وسعها .
ذهـب بعـض العارفين إلى أن هـذه الظّاهرة برمـتها، أي الجلد واكتشافه ومكتشفته، هي آية من آيات الله العظمى، ترشدنا إلى قـرب يوم الدّينونة وكيفيّة النّهاية؛ فـسّروا زرقة العـينين عـلى أنّها رمز الماء، الذّي سيغـمر الكون لينهـيه غـرقا، ويعـيـده إلى بدايته الأولى كما بدأ أوّل مرّة، حـيث كان عـرش الرّحمان عـلى الماء حسب اعتقادهم. وانبثاق الماء سيكون من ألمانيا من جهة بحـر الشّمال أو بحر البلطيق، وقالوا إن طوفان نوح فاض من هناك أيـضا، ودعـموا حججهم باعـتبار الحرب العالميّة الأولى والثّانية إشارة من الإشارات، التي لا يمكـن تغافـلها، فألمانيا هي المتسبّب فيها، وهـي دلالة عـلى دورها الأساسي في الآيات الكونية العـظـمى، كما تسبّبت فـي الحربين الكونيتين. وأما الدم الحار الذّي يسري في الجـلد؛ فدلالته إمكانيّة البعث بعـد الموت، فاحتواء قطعة الجلد دما حـارّا يجري داخلها هو إشارة الحياة، والخلاصة أن يوم الدينونة قـد أزف، فهـو قاب قوسين أو أدنى.
وانبـرى العـديد من المهتمّين بالغـيـب وإشاراته إلـى الحساب العـددي؛ لتحديد تاريخ السّاعة من خـلال تجميع معـطياتها، والبحـث عـن الرّوابط بـيـنها؛ للتّـدليل عـلى حكـمتها، وبالتّالي صحّة نتائجهم، فاحتسبوا حروف اسم زرقاء العـينيـن، وأمّها صوفي من خلال قـيمه العـدديّة. وجمعـوا القيم العـدديّة لكـلّ حـرف مـن الأسماء الرئييسيّة المتسبّبة في الأحداث الكبرى، وسجّـلوا تاريخ ميلادهم وطولهم، كما سـجّـلوا تاريخ طـوفان نوح، وتاريخ الحـربين العالميّتين الأولى والثّانية، وتاريخ ذي القـرنين، وإحـداثيات ألـمانيا الجغـرافيّة، وكـثافـة الماء، وطـول خـطوط الجـلـد والمسافة التّي تـفـصل بـيـنها، وطول موجة كل لون. كما بحـثوا في تاريخ الأديان عـن نبوءات تخدم تصوّراتهم، فـدرسوا الكتب السـماويّة وسير الصّالحين، فتوصّلوا إلى نتائج مختـلفة، بلْبلت النّاس المؤمـنين يقينا بقيام السّاعة، فـلا فـارق في قـربها أو في بعـدها بما أنّها حتميّة، والموت متربّص بالجميع بحلولها أو بعدمه. كما انبثقت فرقة جديدة من الفرق الإسلاميّة، لم تُذكر في كتب الصّالحين، ولا مؤلّفات العارفين، ولا آثار المؤرّخين، كما لم يذكرها لا البغدادي ولا الشهرستاني في مؤلّفيهما، وسُميّت بفرقة “العاشقين الزرق”، يتوشّح مريدوها عمامة زرقاء، ويتجوّلون داخل الأسواق زرافات. يعـلو كتيتهم من التّسبيح والحمد، وكـلّما سمعـوا اسم زرقاء العينين، أُغـشي عليهم من الشّوق والعـشق، ثم يعلو نداؤهم باسمها المقدّس عـندهـم ويقولون:

يا زرقاء، يا فرجا من السّماء، يا مكتشفة السرّ الأعـظـم، حياتنا لك فداء.
في الحقيقة هـذه الكـلمات هـي بيت من قصيدة الأربعـينيّة الهمزيّة، التّي نظمها شيخهم في الطّاهـرة – كما يسمّونها -زرقاء العينين. ولا يتـزوّجون إلا نساء باسمها، ويسمّون بناتهم باسمها إلا ما قد سلف، وقد أفتى لهم كبيرهـم الذّي علّمهم أصول المذهب؛ بوجـوب إبدال الأسماء المخالفة باسمها، فرض عـين عـلى كـل مريد، لا خيار فـيه لمن لا يريد.
احتار عـلماء الدّين في تصنيف هـذه الفـرقة، هـل يضيفونها إلى الفرق الإسلاميّة ليصبح عـددها أكثر من ثلاث وسبعين، كما أخبر الرّسول من قـبل عـن انقسـام أمّته إلـى هـذا العـدد، وانتهوا في النّهاية إلى تصنيفها ضمن البدع المضلّة، وكلّ ضلالة في النّار متّهمين إياها بالإلحاد لتعـظـيمها ما لا يعـظـّم، ولا يصحّ التّعظيم إلّا لله، كما إن النّساء ناقصات عـقـل ودين-كما يزعمون-، فكيف يجيز الدّين تعـظيم من ثبت نقصه بالنص القطعي؟
العم علي سالم، أو العم علي لزرق، أو عاشـق الزّرقاء، رجل تـُيّـم بالزّرقاء الألمانيّة، وأسكرته الـظّاهـرة، إذ تراه يمشي مترنّحا كـأنّه سكران، وما هو بسكران، ولكن الوجـد أسـكره. تراه في بعـض الأحيان، وكأنّه غائب عن الـوعي، جاحظ العـينين، وقـد استبدّ به الوجد والوله. توشّـح بالزّرقة، واتّـخـذ منها فـي بيـته أستـارا. وممّا ذاع عـنه أيضا، رفضه تسمية البحر الأبيض المتوسّـط، وقال إن الذّي سمّاه بالأبيض مصاب بعـمى الألوان، ويعتبر هذه التّسمية، مناهضة للزّرقاء، فقد عمّت زرقتها العالم، وبسطتها على البحار والمحيطات، وذلك من عظيم بركتها.
فـسّـر العم علي لزرق لزوجـته، أفضليّة اللّون الأزرق عـلى سائر الألوان، لأنـّه الـطّاغي على جميع ألوان الطّيف السّبعة، ولأن طول موجته “تسعة”.
لا يدري لماذا اختار هـذا الرّقم بالذّات. تتـلـقّـف زوجته ياقوتة كل ما يقـول دون سؤال أو مراجعة، وتسـارع في نقـلها لجاراتها متباهية بهـذا السّبق الدّائم، مضيفة له ما يجود به خيالها. نقـلت الخـبر لجاراتها، وعندما سئـلت عن تـفـسـير طول الموجة، قالـت إن طول اللّاقـط لا بد أن يكـون تسعة أمتار، حـتّى يتـسنّى التقاط كـلّ القـنوات، بما فـيها المشفّـرة.
وتعدّدت رواية هـذا الخبر بعـد إضافـة الخيال الجماعي له، فأصبحت الموجة التّي طولـها “تسعة” هي الموجة التّاسعة التّي يجب أن يتمّ عـدّها قـبل الشّروع في السّباحة؛ لـتحصل بركـة المـاء، وشاعـت هـذه الرّواية خاصّة في المدن السّاحليّة. وأدخل هـذا العـدد إرباكا في صفوف العجائز خاصّة، اللّائي لا يستطعن العدّ إلّا باستعمال الأصابع أوالأحجار، وكثيرا ما يرتبكن خشية الخطإ فيخطئن، فيقضين أوقاتا طويلة في معاودة العـدّ، وتجميع الأحجار قبل الشروع في السّباحة، ولتلافي كل ذلك، يأتين بالأحجار التّسعة مصرورة في ملابسهنّ، ويرمينها دفعة واحدة، ويرتمين في الماء مباشرة، مستندات إلى أن الأعمال بالنيّات، وإن لكلّ عجوز ما نوت.
كان العم علي يحلم بتغـيـيـر اجتمـاعي جـذري، يعـيد صياغة نظام الحـياة وبنية الشّخصية؛ بتشكيل وعـي جـديد، عـوضا عـن القديم المترهّل. وعـي يتماهى فيه الظّاهر والباطن والإيمان والسلوك. لطالما قـضى اللّيالي خائضا مع سي الساسي وأبنائه في هـذا الموضـوع، الـذّي يرونه كما يراه، الحـصـن الحـصين لكـل حـضارة. لقـد كاد اليأس يعتريهم قبل اكتشاف الجلد المبارك وطفرة العـطر، وانتظروا بفارغ الصّبر حدوث معجزة ما، رغم إيمانهم بأن عصرها قد ولّى، أو حدوث خارقة من الخـوارق تـقلب كلّ المعطيات ونظام الحياة، بعد ما يئسوا من التّغيير الطّبيـعي للمجتمع، غاصوا في تحليل تفاصيل الحياة اليوميّة؛ ليستـجلوا سبب المـأساة وتجليّاتـها، فالحضارة كما يؤكّد الدكتور خليل، هي تفاصيل الحياة الدّقيقة، وهـي انعكاس للفكر عـلى السّلوك عـموما؛ فيتشكّل وعـي يتماهى فـيه الظّاهـر مع الباطـن، ويكـون الرّقيب ذاتيّا، وازعا منغـرسا في الذّات، يفرض عـلى الإنسان تطبيق تعاليم الحضارة فـي السرّ والعـلن.
تخرّج سالم ابن علي لزرق من الجامعة، في اختصاص العلوم الطبيعيّة، فأقيمت الولائم لنجاحه، وزغـردت ياقوتة فرحا، ولكنّه لم يكن فرحا؛ فهو يعلم أنّه نجاح يحيل إلى البطالة، لتفشّيها في أوساط المتخرّجين أمثاله، وخاصّة في مثل اختصاصه. كان يحدوه الأمل في إيجاد شغل، لكن الأّيام مرّت سريعة، والحال على ما هي عليه. يتأبّط دائما حزمة وثائقه، وهو يدور بين الإدارات، فيترك ملفّا في كل إدارة يزورها، ويخرج منها محمّلا بوعد للاتصال به قريبا، ولكن لا من مجيب. ظلّ على تلك الحال زمنا يعاند مصيره، ولا يريد الاستسلام بسرعة، ولكن في النّهاية فترت عزيمته، والتحق بمن سبقه يؤثّثون المقاهي.
الاستلاب الفكري، الضّغط والعنف الذّي يولّد المراقبة الذاتيّة، أفواج البطّالين تعمر المقاهي، يلهون بلعب الورق وانتظار ما قد سيأتي. الاتّكال والتّواكل والمحسوبيّة. فساد النّظام والعقليّة معا. الأرق والضّجر. ينقضي اللّيل ثقيلا وقد جافاه النّوم. الحرارة والنّاموس والآمال المحطّمة، هذا وقع خطوات الوالدة تحمل إليه فطور الصّباح مفعما بأدعيتها المعتادة، ياقوتة لها أدعيتها الخّاصة وطريقتها في الدّعاء، وتُخلط دائما بين الصّحابة والأولياء الصّالحين، تنقده بعض المال لمصروفه اليومي، يشعر بالرّغبة في النّوم فهو لم يكد ينام في اللّيل، ليل مؤرق ونهار مكرّر. تتشابه الأيّام وتتكرّر، وتتكرّر معها حتّى الأحلام، وقد طالت مدّة البطالة. “هذه السّنة أنجح في مناظرة”، تمرّ السّنة دون نجاح. “السنة القادمة أنجح”، وهكذا تمر السّنوات تتوالى دون أن ينجح. حفظ تاريخ المناظرات ومواعـيدها، كما تعـوّد نتائجها المسبقة، النّتيجة نفسها دائما، أصبح النّجاح خصيصة وراثيّة، مقتصرة على عائلات بعينها، هذه العائلات لم تعرف التّعب ولن تعرفه، ولدت في النّعيم، وبقيت فيه، لم تتعفّر ثيابها بالتّراب، ولم تشتغل عـند أحد، دائما ينجحون، الزّغاريد لا تكاد تنقطع عن ديارهم. يخرج قاصدا المقهى، يختار الطّريق المعزولة تفاديا لرؤية النّاس، وإن صادف أن التقى أحدا يطرح عليه نفس الأسئلة المكرّرة، تلك الأسئلة الممجوجة التّي يكره سماعها. إلى الآن لم تنجح، متى يحن الله، وكأنّ الله يستشيره ليعرف أقداره، أصبح مثالا سيّئا للّذين لم يتخرّجوا بعد. لقد رأوا مصيرهم فيه، مثالا حيّا للنّكسة.
في المقهى يلتقي بالعاطلين أمثاله، يتبادلون الشّكوى والأنين. بعض الأحيان يعبّرون بالصّمت، فـلم يعد الكلام يجدي نفعا، كلام مكرّر في موضوع مكرّر. يطول الوقت فيها، والنّادل يدور كالنّحلة بين الطّاولات بصوته الجهوري يوزّع المشروبات. عندك قهوة “فيلتر” و “كابوسان” وكأس شاي.
كان يحتال على الوقت ليسهل تمضيته، في الصّباح يتعمّد الذّهاب إلى المقهى بعد السّاعة العاشرة، ليأتي وقت القيلولة بسرعة. على السّاعة الثّانية عشرة يقفل راجعا إلى منزله، فيتناول غداءه وينام. يتعمّد ألّا يلتقي بأحد، حتّى والده، أقرب انسان إليه، لم يعد يطيق الجلوس اليه. تمرّ القيلولة بسرعة، ويستفيق قبل صلاة العصر. دائما في نفس الوقت، فقد تعدّلت ساعته البيولوجيّة على ذلك. يتمطّى في فراشه، ثم يفتح التّلفاز. يغيّر المحطّات بحثا عمّا يشدّه، فلم يعـد يشدّه شيء، كره الأخبار والأفلام والغناء، وكره كلّ شيء، كره حتّى نفسه وهو عاجز ينتظر، لقد اخترقه اليأس والقنوط، وأصبح سريع الغـضب لا يطيق حتّى نفسه، أصبح قليل الإقبال على الأكل؛ فنحل عوده، استعاض عـن الأكل بالتّدخين، أعقاب السّجائر في ليالي الأرق الطّويلة، حين تنفد ذخيرته من السّجائر، وبقايا الشّاي الأحمر. كـلّ يوم يمر يفقد فيه الإقبال على الحياة. توغّل نحو الموت ببطء، غارت عيناه، وبرزت عظام وجهه، أسرف في التّدخين، حتّى أصبحت السّجائر وكأنّها عضو من أعضائه، ثم بدأ يعاقر الخمرة، ويجلس مع مجموعة المتفلسف العنيد، كان يشرب لينسى همّه، ولكنّه على العكس، يستفيق كلّما سكر، ينسى الزّمن بين أحاديث ندمائه وجو المتفلسف العنيد المرح. كان يضحك من كلّ قلبه، حتى يستلقي على ظهره من نكت المتفلسف العنيد، أحيانا يغرق في التّجريد وشرح منهجه الجدلي، فيناقشه في تفاصيله.
يقول:
-يا أخي، الواقع مرّ، والأمرّ منه أنّه لا حلّ يلوح في الأفق؛ فمن أين سيأتي الحلّ؟ لا يمكن أن يأتي من هذه الرؤوس الفارغة، التّي تعيش حياة الأنعام، تأكل وتنام، الشّباب عصب الأمّة، ولكن للأسف، قطّعوا أوصاله، وشلّوا حركته، لا تصدّق من يقول لك إن الأمر عرضي، إنه أمر دُبّر بليل.
يرد سالم:
-لقد قتلوا فينا كلّ أمل، والظّلم الذّي نلقاه، ولا نستطيع ردّه، أمرّ من البطالة، ترى أبناء الأعيان ينجحون ويشتغلون بالمحسوبيّة وبتقديم الرّشا، ومن نجح في دراسته بتفوّق، لا يُلتفت إليه، فهذه الوضعيّة أشدّ إيلاما.
يسرد عليه أسماء النّاجحين، النّاجحين في كلّ شيء، والذّين يتهافت عليهم النّاس، ويزكّونهم، وينفخون في صورتهم تزلّفا ونفاقا، يجمّلون عيوبهم، ويعظّمون حسناتهم، ويبجّلونهم، بينما يترك أهل العلم أدراج النّسيان.
أنين المتألمّين وانتظارات المنتظرين، ينتظرون أملا، ويحتالون بالانتظار على اليأس ليجدوا مبرّرا لمواصلة الحياة، كُمّمت الأفواه، وشُلّت الأيدي، واستشرى الفساد في البرّ والبحر، آه البحر؛ يتذكّر سالم أيّام الدّراسة الجامعيّة، ما أجمل ذلك المكان، تعمره الحيتان من الدّاخل والخارج، حيتان بيضاء شبه عارية تتمرّغ على رمله، صدمه ذلك المشهد؛ فقد فاق كلّ توقّعاته.
كانوا لا يعرفون السّباحة، هو وبعض طلبة الجنوب، أجلاف من الصّحراء يسبحون، أو بالأحرى يبُلّون جلودهم. سرعان ما تعلمّوها، ونزعوا جبّة البداوة، واستمرؤوا الطّراوة، يتملّى اتّساع البحر، الذّي يقهر البصر، فيرتدّ إليه بصره خاسئا وهو حسير. يتذكّر قول أبيه عن البحر الأبيض، ويتذكّر القرية ومعلّميه، الذّين بنوا لهم أسسا للعلم، وخاصّة في اللّغات والرياضيّات، كانوا يضربونهم على قدر أخطائهم في الإملاء. كانوا يدرّسون كلّ المواد. ويجنّ جنونهم من تساهلهم في اللّغة، كانوا يقولون لهم:
-اللّغة وعاء الأفكار، فلا تكسروا الوعاء.
آه يا أيّها المعلّم، فقد تكسّر الوعاء وحامله، وبالت عليه الحثُالة، وأصبح محلّ شفقة، ورُكـنا على هامش الحياة، ولم يعد للعلم نفع في زمن رخصت فيه المعرفة.
كان ينجح في المناظرات الكتابيّة بتفوّق، ولكنّه دائما يرسب في الاختبار الشّفاهي. اعتقدت أمه أنّ السّبب عين أصابته، أو سحر، فأتحفته بأنواع من البخور يجد رائحتها في غرفته، كما دسّت بوسادته حجابا، فرماه وعوّضه بورقة أخرى، لكيلا تتفطّن ويكسر خاطرها، شيء صلب داخل الوسادة يتحسّسه كلّما وضع رأسه، لم يكن يتحسّسه من قبل، فتح غلافها ليرى ما هو، يا إلهي إنّها حرباء يابسة، لابد أن أمه قد دسّتها علاجا للسّحر، ألقى بها خارجا، ووضع مكانها قطعة من الورق المقوّى، كانت تعتقد في العين والتّابعة والجن وكلّ ما يقال لها إنه بإمكانه أذيّته، فتنطلق دون تفكير لتوفير العلاج. كانت قبل نكسته لا تعتقد في كلّ ذلك، وأصبحت بعدما رأته ينحدر إلى الحضيض تفعل ما وسعها الفعل؛ لدفع المضرّة وجلب المنفعة، دون أن تأبه لمعتقداتها، كانت حزينة في صمت، لا تبكي أمامه، ولكن نشيجها يصله. كان ابنها البكر وصديقها. كانوا في انسجام كامل تعمر السّعادة دارهم، الحالة الماديّة ميسورة، بفضل كدّها مع زوجها، كان سالم لا يكاد يراها إلا في اللّيل، كانت تطبخ ثمّ تلحق بأبيه في الحقل، تغرس معه الفسائل، وتشدّ ازره، وتعينه على الصّبر. كانت ولا تزال حكيمة، تجيد تدبير الحياة. كانت تدخّن خلسة، ولم يفاتحها أحد منهم في الموضوع، وكأنّهم لا يعلمون بأمرها، البخور لا يكاد ينقطع من الدّار لتغطّي رائحة تبغها، أيّام الكفاح والفقر، كانوا يملكون الصّبر والعزيمة. بعد سبع سنوات من الكدّ المتواصل أصبحوا من الأعيان، كانت ياقوتة تجلس لتراجع مع سالم دروسه، تأخذ منه الكتاب، وتأمره بالمراجعة، اكتشف بعد زمن أنّها لم تكن تعرف القراءة والكتابة، كانت تطلب منه القراءة، وعندما يرتبك ويتلعثم، تعرف أنّه أخطأ، فتأمره بإعادة المراجعة، وتوبّخه على خطئه.
كان أحد ضبّاط الأمن من أقارب أبيه، ولكنّه يقطع الصّلة به، كما كان والده يقطعها أيضا، لا يتذكّر أن والده التقاه يوما، ولكنّه لما رآه ينهار تنازل عن كبريائه، وتوجّه إليه لسؤاله، لمّا شك في إمكانيّة وجود عراقيل في سجلّه الأمني، تمنع نجاحه. لم يعرف ذلك فراسة أو رجما بالغيب، ولكن أحد أصدقائه من الموظّفين السامين وشوش له بذلك. وأوصاه بأن لا يذكر اسمه. كانت كلّ المناظرات تُشفع ببحث أمني، يحدّد انتماءات المترشّحين وولاءاتهم السّياسيّة، ويتحدّد تبعا لذلك نجاحهم من عدمه. لذلك فالنّجاح يقتضي توفّر واسطة في امتحان الشّفاهي، ونقاء السجلّ السّياسي من كلّ شبهة انتماء، وخاصّة للأحزاب المحظورة، أوالأفكار المحرّمة. ضحك ضابط الأمن، وردّ على العم علي لزرق بصلف، لكي لا يظنّ من يسمعهما، أنّه متعاطف معه بسبب القرابة، فيؤخذ الضّابط بجريرة قريبه:

مُدوّن في سجلّات الشّرطة أنّكم عائلة معارضة، ومن عارض لا يحقّ له النّجاح ولا معارضة نتائج المناظرات، طالما لم يعجبكم نظام الحكم، ابحثوا لكم عن دولة أخرى تشغّلكم، ومدوّن في سجلاتنا أيضا، أنّ ابنك يتبع منهج المتفلسف العنيد، وينادمه. المتفلسف العنيد رأى منهجا غير منهج الرّئيس، فلو كان منهجه صحيحا؛ لتفطّن إليه الرّئيس قبله؛ لأنّه لا أحد يعلوه ذكاء وعلما، اعلم أن سجلّاتنا لا تترك صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصتها، تحصي عليكم أنفاسكم، وحتّى نواياكم المكتومة، كما إن ابنك يسكر تقيّة ليخفي تديّنه، فلهذه الأسباب ولغيرها لن ينجح إبنك في أيّة مناظرة، فلا فائدة من شربه الخمر، فلو سبح فيه لما صدّقنا أنّه غير معارض وغير متديّن.
رجع والده مكسور النّفس يجرجر رجليه، وأخبر والدته بما دار بينه وبين ضابط الأمن، وقال لها:
-فهمت كلّ حديثه، ولكنّي لم أفهم، كيف يشرب أحد الخمر تقيّة؛ ليخفي تديّنه.
وعندها يئسوا من إمكانيّة توظيفه. فكّروا في حلّ آخر، فلا فائدة لمواصلة الانتظار لأمر ميؤوس منه، قال له له والده وهو يخاطبه:
-يا بني لا أحد يلومك عـلى البطالة؛ فلا ذنب لك في ذلك، وقد تبيّن ذلك جليّا بعد زيارتي الأخيرة لضابط الأمن، لكن إلى متى ستبقى هكذا؟ لابد أن تتحدّى الظّروف، لن يتغيّر وضعك بشربك للخمر، ولا بتدخينك، فسوف تجد نفسك في النّهاية ثابتا في زمن متغيّر، وتلتفت وراءك فلا تجد غير سنيّ الضّياع، قاحلة لا زرع فيها، عـدا عـلب السجائر، وقوارير الخمر، وسيرة عطنة، ليس نهاية العالم ألا تتوظّف لدى الدّولة، لا سيما ونحن ممنوعون من ذلك بحجّة معارضتنا لنظام الحكم. يا بني لك الكثير من الأملاك، صبرنا واجتهدنا؛ لكي تجد داعما يدعمك، ولا نتركك للضّياع حين الشّدائد، اهتم بأملاكك، ووظّف علمك في العمل المباشر.
قال سالم:
-يا والدي، المسألة ليست مسألة مال وعمل، إنّما هي مسألة نفسيّة، يعني أن تعيش في وضع يتناسب مع تضحياتك، كسهر اللّيالي وفواجع الامتحانات، وسنين العمر التّي مضت.
قال سي الساسي:

يا سالم المقصد من منعك، ومنع المعارضين من الوظيفة، هـو تحطـيمكم، لذلك وجب عليك الصّمود والتحدّي لكي لا ينالوا مبتغاهم، ولا تشمّتهم فيك، إنّهم يفرحون بانحرافك، عندما يرون موتك في الحياة، واليأس يدبّ فيك ويقرضك ويفنيك رويدا رويدا، لا تشمّتهم في والدك، فبشربك الخمر تنال من سمعته، وتحطّ من قدره، وقد عاش عزيزا، عالي الجاه، و ليس في الخمر إلّا الدّمار، ألا ترى أنّك تعاطيته هروبا من الواقع، والهروب من المواجهة ضعف؛ لا يزيد الحياة إلّا تعقيدا.
لم يكن سالم يعلم قبل ذلك، أن من أسباب عدم نجاحه في المناظرات؛ تصنيفهم ضمن المعارضة، رغم أنّه لم يفكّر يوما في السّياسة. كان اهتمامه بالعلم يطغى على حياته، يعيش بين صفحات الكتب لا يكاد يغادرها إلّا قليلا. ولكنّه قرّر الآن أن يصبح من المعارضة، نكاية في الظّالمين، وأقـلع عـن الـتّدخين و عن شرب الخمـر، وانشغـل بالفلاحة، فابتكر طرقا جديدة في الريّ والزّراعة وتربية الماشية، لم يصدّق والده هذا التحوّل، خصوصا وقد رأى وفرة الإنتاج، ولكن فرحه لم يدم طويلا، إذ عاوده الخوف مرّة أخرى لمّا رأى البوليس السّياسي يحوم حول الدّار، وعـلم بنصب رادارات بشريّة تلتقط أخبارهم، وتراقبهم ليلا نهارا، وتتجسّس حتى على أحلامهم، لم يضطروا لتوقيف سالم، لأن نشاطه اقتصر على بعض النّقد العلني في المقاهي، ويعتبرون ذلك بمثابة التيّار في جسم ميّت، يحرصون على وجوده للتّنفيس، حسب سياسة المرجل التّي يطبّقونها؛ وتعني أن الغليان الشعبي؛ كغليان المرجل، إن لم تتركه يتنفّس؛ ينفجر، لذلك يوجدون متنفّسا إذا لم يوجد، لكي لا يقع الانفجار، فيأمرون عيونهم، بنقد النّظام علنا في المقاهي؛ لامتصاص الغضب، وتفريغ شحنته ليفقده قوة الانفجار. لذلك اكتفوا بالمراقبة.
انضمّ سالم إلى مجلس والده وأخواله يتسامر معهم، ويشخّصون الأوضاع للوقوف على مكمن الدّاء. خالطوا جميع أطياف المجتـمع، فبـدؤوا بالطـبقة المثـقّفة أو ما يسـمّى ب”الانتلجنسيا”، فوجـدوا أنّها هي عين الأزمة، هـذه الطّبقة يتحدّد نسيج علاقاتها داخـل الإطـار المهني، فهي لا تتعـدّى الموظّفين إلّا للضّرورة. أنشأت لنفسها مدوّنة مـن السلوك والخصال، وتسعى جاهـدة أن تكون مميّزة، وعـلامة عـلى مكانتها الرّفيعة. هـذه الطّبقة تستنكـف من الأعـمال اليدويّة، وترى نفسـها أرفـع من أن تمارس هذه الأعمال الوضيعة، وهـذه الطّامة الكبرى كما يقول سي الساسي، لأنّ العـمل أساس كـلّ نهـضة، كما تعـشق هذه الطّبقة المظاهر، فترى أهلها مثلا يرصّفون المجـلّدات في صالونات منازلهم دون قراءتها، فهي للعرض؛ إيحاء للزّائر بانتماء أهـل الدّار للطّبقة المثقّفة. وقفـوا عـلى جهـل هـذه الطّبقة المتعـلّمة، الفاقدة للوعي، الذّي يدفع الى الاضطلاع بالمسؤولية ومحاولة التغيير، رأوا العـلّة فـي الطّليعة الموكول إليها التّغيير؛ فعـلموا عـمق الأزمة، خالطوا الدّهماء، فـرأوا تفسّخ القـيم فـي جـميع العلاقـات والسّلوك، فالغنيّ أرفـع مكانا وأسـدى رأيا من الفقير، ولو كان عـكس ذلـك، والفقـير وضيع تافـه الـرّأي ولو كـان غـير ذلـك. كـما أن العـمل مبني على الغشّ والنّفـاق والاستغـلال، فالأغلبيّة تعـمد إلى إتيان خلاف ما يؤمنون به، وتسمعهـم يضجـّون بالشّكوى مـن النّاس وما آل إليه وضعهـم من فساد، كـل النّاس يشكون مـن النّاس، وكأنّ النّاس غـيرهـم، ولا تعـرف من اللّائم ومن الملوم.
كانوا جميعا يحلمون ويأملون بطـفـرة أو بمعـجـزة تحـدث؛ فكان ما انتـظروا …إنّها طفـرة الجـلـد أو طفرة العـطـر، فهاموا عـلى وجوههم طـربا وانتشاء، وكان انتشاؤهم بقدر إحباطهـم فـي الماضي. هاموا عـلى وجوههـم طـربا، وقـد أسكـرهـم الفـرح؛ لحـدوث ما يأملون، وهـم يلاحظـون التبدّلات اليوميّة القسريّة، وتشكّـل وعـي جـديـد، يتماهى فـيه المبدأ والسّلوك. لقد جمعهـم الفرح كما جمعـتهم أحزانهم في الماضـي؛ فأصبحت لقاءاتهم الليليّة، لقاءات مرحة، يزيدها مرحا حضور سليم” الزرزور، وخالتـه ياقوتة.
كان ” سليم الرّافـع” أو “سليـم الزرزور” كما كنّاه سكّان المنطقة مشاكسا حاضر النكتة، كثير الحركة، لا يهدأ، فهو إما نائم أو يتحرّك، سمّاه الناس بـ”الزرزور” لصغـر حجمه، ولصخبـه الدّائم؛ كطـائر” الزرزور” تمـاما. كان سي الساسي لا يحبّذ هذه الكنية لأنّها تنابز بالألقاب، ولكنّه في قرارة نفسه، يُثني على من أطلقها؛ لمطابقتها لسليم. كان سليم شديد الذكاء، حاضـر البديهة، متميّزا كإخوته في دراسته، تحصّل على الدكـتوراه في الفيزياء النووية.
ياقوتة هـي الأخـت الكبرى لبنات الشيخ الهـادي، الحاجة حليمة زوجة سي الساسي، والصالحة الـتّي ماتت قـبل الزّواج. كان سكان المنطقة يسمونهن ب”حليمة وأخواتها”. كانتا كأنهما ضدان متناقضان، حليمة جميلة جدا وياقوتة قبيحة جدا، حليمة ظفر بها موظّف الحكومة المعلّم سي الساسي، فهو بحكم وظيفته من أعيان البلد، وخاصّة في شبابه أيام كان المعلم نادرا، فخصّوه بالتبجيل، ويأتونه برسائلهم الواردة من أبنائهم وأزواجهم في الخارج؛ ليقرأها أو ليكتبها:
” اطمئن يا والدي، فنحن بخير لا نسأل الا عن حالك كيف هي، الحقل على أحسن حال، نقوم على شؤونه، والماعز بخير، فقد ولدت العنزة الحمراء توأما، هما ما شاء الله لا يهدآن، ولكنّنا أضطررنا لبيع حمارنا الأشهب لعجزه، لقد بكته أمي، والحقيقة أن كل العائلة بكته، فقد عاشرنا فألفنا وجوده، وهو حسن الطّباع، لا يركل، ولا يعضّ، ويمشي بسرعة، ولكن هذه حال الدنيا، ابنك كمال يوصيك بأن تجلب له كرة قدم جلديّة، ولا تنس علب الشّاي الأحمر، فقد أوشكت الكميّة التّي جلبتها المرة السّابقة على النّفاد، فقد بدأت جل العائلة تشرب الشّاي…وبعضهم يدخّن سرّا.”
جاء أحد الجيران لسي الساسي وطلب منه أن يكتب له قصيدة لفتاة تيّم بها، واشترط كتابة قصيدة عصماء، فغـرامه بها كبير، والرّسائل لا تشفي غـليله، لذلك فهو يريد قصيدة تزلزل الجبال؛ كما زلزلت فتاته قلبه، جاراه سي الساسي مازحا، واستفسره عن أوصاف فتاته، فتبيّن في الأخير أن فتاته محض طيف، ولا وجود لها في الواقع، وأن سائله يعاني من اضطرابات نفسية، فعشق خيالا، وهام به حتّى شحب وجهه، وأصبح يرثى لحاله. في البداية ظنّه سي الساسي من العشّاق المجانين، ولكنّه بعد وقوفه على الحقيقة أيقن أنه من المجانين فقط.
ياقوتة طويلة القامة شديدة النحول شبيهة بفرشاة الرّسم، عود وشعـر، استغـرب النّاس أشدّ الاستغراب عندما تناهى لهم خبر حملها، واحتاروا أين تضع المولود؛ لأنّها ضامرة البطن. كانت بارعة في كل شؤون المنزل، وخاصة في اعداد الشّاي الأحمر. كما كان لها إدمان اّخـر، تسعى جاهـدة لإخفائه، حيث كانت تدخّن سـرّا، إلّا أن الجميع يعلم بذلك، ولتخفي رائحة تبغها تقوم بإحراق البخور، متظاهـرة بأنّها تعـطـّر الدّار، وتُبعـد الأرواح الشّريرة. لقد عشقها العم علي لزرق، رغم قبحها، فكانت في عينيه ملكة جمال العالم. لقد تأقلمت مع فقره في البداية، وآزرته بالجهد والصّبر وحسن التّدبير، حتّى تغيّرت حالهم، وأصبحوا من أكبر مالكي النّخيل.
يردّ العم علي لزرق مازحا، عـند سؤاله عـن البركان الذّي لا يخمد في دارهم بقوله:

يا إخواني إنّنا مستهدفون من الأرواح الشرّيرة الطّائرة.
دون أن يفـسّر، فيترك سائله في حيرة، هـل هناك أرواح شرّيرة طائرة وأخـرى غـير طائرة؟ ولشدّة احـترامه لها لم يُحدّثها يوما عـن الموضوع بل يتظاهر أمام النّاس بالتدخين، ويشتري لها عـُلب السجائر ليرفع عـنها الحـرج. في البداية كان يتظاهـر بنسيانها حتى ألفت الموضوع، ولم يتفطـّن حتى أولادهـم، بأنّه هو الـذّي يجلب لها السّجائر.
تعدّ ياقوتـة الافطار، ثم تلحق زوجها الى البستان، الذّي غـرست نخيله مع زوجها، وسقـته بعـرقها وصبرها عـلى التّعـب والحاجة. كانت تتابع نمو نخيل الدقـلة يوما بيوم، وهي تكابـد جاهدة لترعاها كما ترعـى أطـفالها،

لقـد خرجـت الفسيلة من غـلافها.
هـكـذا تقول لزوجها، وهـي تهتز طربا مـن الفرحة، وتستمر الفسيلة في النمو، ويبدأ إثمارها بعـد ثلاث سنوات لتبلـغ أوج عـطائها بعـد سبع.
كان العم علي لزرق يعاتبها، عـندما يستغـرقها العمل، خوفـا عليها من ضربة شمس، أو لدغـة عـقرب، أوحتّى وخزة شوكة نخيل، ولكنّها تتجاهله باسمة، وتستمرّ في نشاطها، فيزيد نشاطه عساه يخفّف عنها.
مع بزوغ الفجر، يلبس العم علي لزرق بَلْغـته، ويركب بَغـلته، ويُيَـمّـم صوب الحقـل وجهه للعـمل، والأفـكار تتلاطم في رأسه، وبعـد إحساسه بالتّعـب يجلس لتناول فطوره؛ فيهيم فكره كالعادة، ثم ينتبه فجأة-وهـو في غـمرة التفكير- لسرب أسود شديد الاستقامة ينتهي إليه، إنه النّمل، عـنَ له تتبّع بداية الخطّ، جثا على ركبتيه، ومشى عـلى أربع متقفيّا خـطّ النّمل، انتبه لحاله فتبسّـم ضاحكا مـن نفسه، إن الإنسان مهـما بلغ من العمر يبقى يحتفـظ بطفل داخله، تذكـر فـطـوره، فأسرع إليه، لكن النّمل كساه وسبقه إليه، تركه له، فلطالما احترم هـذا الكائن المنظـم الدؤوب.
لبس بلغـته وركـب بغلته، وقـفـل راجعا إلى المنزل يترنّم بموّال ” صالحي” “أرمد وداووه بالـثوم وزادوه رمضان صائم”.
هـديل الحمام داخل الواحات، عواء بنات آوى عند الجبال، حيّة رقـطاء تسعى في جولة ليليّة بحثا عن فريسة، فأر أو فريسة أخرى، الخنافس على العروق الرمليّة في بكرة الفجـر الندي تـتسقّـط قـطرات الندى؛ رافعة مؤخّراتها، خافضة رؤوسها؛ لتنزلق القطرات إلـى فمها، تتدبّر أمر شربها في مناخ المنطـقة الجاف.معزوفة الرّيح الأبديّة، إزْ ,إزْ, إزْ… وباسقات النّخل ترقـص على أنغامه متمايلة يمنة ويسرة. الرّيح نَفس المنطقة ومكيّفـها الطّبيعي، رياح “البحري”(شمال شرقي جنوب غربي) النديّة ترطّب الجو بهبوبها القويّ والـمطوّل، حيث يمر الصّيف في تعاقب بين الحرارة والرّيح، تعاقـب مستمرّ حتى دخـول الخريف. تشـرق الشّمس باكـرا كعادتها أيّام الصّيف، ولكـنّها أيّام القيظ، تكون حارقة منذ شروقها، والنّسيم قد كف عـن الهبوب، فيبدو المشهـد صامتا لا حراك فيه، كبطاقات بريديـة ثابتة أو كمشهد تلفزيوني في حالة انقـطاع للصّوت وتوقف للصّورة. الغبار معلّق في الجو، والسّراب يلوح من بكرة الصّباح والنّهـار قائظ بطوله، واللّيل كالأصيل الأمغـر، لا يجلي الغمّة إلّا هبوب الرّياح القويّة، عاصفة رمليّة تشاهد من بعيـد، كسحاب أصفر مستقبل المنطقة في سرعة كبيرة، وسرعان ما ينقـشع التّراب؛ لتبقى الرّيح قويّة، فيبرد الجو. يستمرّ الصّيف تعاقبا بين القيظ والرّيح، إلى أن تظهر بشائر الخريف؛ عواصف رعـديّة من جهة الشّمال الغربي، وسحاب مركوم أبيـض اللّون ينزل منه الـبرد، وتهـطل الأمطار ودْقا، ولكنّها سرعان ما تنقشع مخلّفة الأودية والبرد، أو سحابا أسود اللون من جهة الجنوب الغربي يخرج الودق من خلاله تتخلّله زوابع رعديّة قويّة، ولكن السكّان لا يفرحون بمطر الخريف؛ لأنّها متلفة لصابة التّمور.
العم علي لزرق كلّما رأى سحاب الخريف، هـطلت دموعه، واستنشق سعوطه عـدّة مرّات، يعاين اتّجاه الرّيح، ولون السّحاب؛ ليتبيّن كميّة المطر المرتقبة، يتنهّد بعد أن ترفّ عيناه مرارا وتكرارا، ويَحُكّ جبهته ويقول:
-القسم بيد الله.
يُمعن محدّثه في استفزازه، فيقول:
-الحمد لله على الغيث النّافع،
عندها يخرج العم علي لزرق عن طوره، ويصيح في وجهه:
-يا أخانا، أين هذا النّفع الذّي تراه، لقد أعيانا الجهد طوال العام، بدءا بتأبير النّخل، حيث نصعدها مرّتين أو أكثر، وما يحُفّ الصّعود إليها من مخاطر، مخاطر السّقوط أو وخز الشّوك، ثمّ نعاود العمليّة في الصّيف لتنضيد العراجين وبعد ذلك تغليفها، وبعدها نصعد لجني الصّابة عندما تنضج.
عندما درج الغلاف البلاستيكي للعـراجين، كان العم علي لزرق وسي الساسي أوّل مستعمليه، رغم الاتّهامات التيّ وصلت حدّ الاتّهام بالإلحاد؛ لمعارضتهم مشيئة الله وقضائه وقدره. ردّ عليهم العم علي لزرق:
-سوف تعلمون من الذّي يتّقي الله، ويتّقي الأمطار. وكان ذلك العام ممطرا، فهلكت الصّابة إلا صابة العم علي لزرق وسي الساسي ومن استعمل الغلاف البلاستيكي مثلهم، وعندها أدرك النّاس، أن الغلاف هو أيضا مشيئة الله وقدره. وأسرّ سي الساسي للعم علي لزرق، بأن الدّين إذا اقترن بالجهل، كان من معاول الهدم والتخلّف، إذ يدفعنا فهمنا الخاطئ إلى التّواكل، معتقدين أنه توكّل، وإلى إهدار الوقت في العمل المضني دون التّفكير في حلول، تربّحنا الوقت والجهد، ونعتقد أن ذلك صبر. فأقبل النّاس بعد ذلك العام على الغلاف البلاستيكي، ولم يعـد العم علي لزرق يتردّد في تسمية الغيث بالنّافع، كما لم يعد يهًمّه السّحاب واتّجاهه، ولا يهمّه إن أمطرت متى شاءت.
تستغـرق الدكتور خليل الأفكار، وهو جالس عـلى سفح جبل قرب دارهم، غـير عابئ بالعقارب ولا بالحيّات، غـارقا في التأمّل، هكـذا يقضي اللّيالي عـندما يستبدّ بـه الأرق والذّكريات -قبل حدوث التحول-، ذكريات الصّبا وهو يرتع خلف الجديان في هذه الجبال. يتذكّر شقاوتها وحركتها الدّائمة، وتنقّـلها السّريع بين مختلف الأعشاب. يتذكّر جبل “بوطنيقيرة” الذّي يقع في السلسلة الجبليّة الموازية لهذه السلسلة التّي يجلس على سفح جبل منها، “بوطنيقيرة” جبل غير مرتفع، على غرار كل السلسلة الجبليّة في منطقته، ولكنّ شكله مخروطي، تعلوه صخرة مستديرة، وكأنها نحتت بأزميل، يقع هذا الجبل على مدخل الجهة الشّمالي، ولطالما شهد معاناة الأجداد خلف دوابّهم المحمّلة بالتّمر؛ ينقـلونه إلى الشّمال لمقايضته بالقمح لتأمين عيشهم.
يتفـكّر، فتضيء أفـكاره في عـتمة اللّيل الغاطش، يسترجع قـول خاله الساسي، يتخيّله وهو يجلس القرفصاء كعادته إذا تحمّس في الحديث:
من قال إننا لم نساهم في بناء صرح الحضارة، لقد ساهمنا، ولكنّنا تخلّفنا، هذه هي سُنّة الـتّداول، أو جـدل الصّعود والهبوط وتلازمهما في دورة الحضارة، لقد سمّينا قبّة السّماء، فأغلب أسماء النّـجوم عربيّة، دعـك من الخلًف الذين تخلّفوا، وأخنى عليهم الزّمن -رافعا صوته قليلا- واقتصروا على استغلال هـذا العلم لمعرفة الطّالع، وتسخير الجن، وكأن العربي متوجّس أبدا من المستقبل، تاركا للغـير استغـلال السّماء في الاتّصالات وسائر الأمور الأخـرى، يرفـع صوته أكثـر، من قـال إنـنـا لـم نسـاهـم، إبراهيم الفيزاري وصناعة أوّل إسطرلاب في العالم في عهد الدولة العباسيّة، إن إبراهيم كان خبيرا في الفلك والنّجوم، موسى بن شاكر وأبناؤه الثلاثة محمد وأحمد و الحسين، رافـق موسى بن شاكر المأمون أثناء إقامته بخراسان قبل تولّيه الخلافة، وكرّس بنوه علمهم لبناء العلم العربي،وكتبهم التّي لم يبق منها غير كتاب في الميكانيكا، وهو كتاب” الحيل”. وواصل في حماسة، من قال إننا لم نساهم، وإنـنا بـقينا خارج دورة التّاريخ، التّاريخ لوحة الأقوياء يعلّقون عليها نياشينهم، أسد البحار أحمد بن ماجد وقيادته لفاسكو دي قاما في رحلته وتسجيله لها شعـرا، جـابر بن حيان (أبو الكيمياء أو شيخها، من قال إننا بقينا على هامش التّاريخ، التّاريخ سِجِلّ الأقويـاء يـدوّن أمجادهم.
ويسترسل في السّرد وقد تهـدّج صوته:

الرازي ووضعه لعـلـم الصّيدلة وإنشاؤه لأوّل مستشفى، الكندي الـذي شرح قوس قـزح، وقـال بالـوجود المـادي للـضـوء وابتكاره للمرايا المحترقة، إن شئتـم لأزيدنّكم، قالـها وقد احمـر وجهـه، وعـلا الـزبد شـفـتيه، وأصبح يندُف الكـلمات ندفا، مـن الحماسة والـتوتر، ويـداه ترتعـشان. وأضاف:
التّاريخ مدوّنة الأقـوياء تُدوّن بـطـولاتهم وانـتصاراتهم، هـكـذا هـي الحياة يوم بيوم، الاستقـرار ضد ناموس الطّبيعة، ويظلّ مشعل الـحضارة مرفوعا، إذا سقط من أحد، يتـلقّـفه الآخـر، والكل مدل فيه بدلوه سواء من ساهم وذُكـر، أو من ساهم غـيره وذَكَر اسمه بدلا عنه، أو مـن ساهـم منطـلقا مما وصل إلـيه غـيره دون ذكـره لـمن سبق.
تتزاحم في ذهـن الدّكتور خليل الأحداث وتتشابك، وهو غارق في التّفكير، وهو المـولع أبـدا بتحـصيل العـلوم في مخـتلـف الاخـتصاصات، فـهـو لا يـؤمن بالاخـتـصاص، فالعـلم عنده موسوعي بالضّرورة. تعـلّم في البداية في كتاتـيب الـمنطـقـة، لا يزال يتذكّر عصا المؤدّب وهي تـئزّ، وتصفّر في الهواء، وتراتيل التّلاميذ تتعالى: ” أليـف لا شيء عليه والباء واحدة من الأسفل…” .
تحصّل على الدكتوراه في الطب في اختـصاص جراحـة العـيون، وهو كذلك رياضي بامتياز، متحـصّل على درجات متقدّمة بعد الحزام الأسـود فـي رياضة الكونغفو. مات والده وهو صغير؛ فكفله خاله السّاسي، كأحد أبنائه، وأحاطه بالرّعاية، فكان يعتبره صديقا حميما، يستشيره، ويأخذ برأيه، كان خاله الساسي معلّما ميسورا، فقد ورث عن والده بساتين عديدة، وشبكة من العلاقات ممتدّة في أغلب أنحاء البلاد، تجلب لهم القمح وزيت الزّيتون، كان يحمل معه زاده من التّمر إلى المبيت، فكان سريعا ما ينفد، فهو زادهم وخاصّة إذا توغّل اللّيل، كان يصل اللّيل بالنّهار في المراجعة، وخاصّة في فترة الامتحانات، في الحقيقة كان يمضي الوقت أغلبه في حلّ المشاكل الرياضيّة والفيزيائيّة، وقراءة الموسوعات الطبيّة، التّي يستعيرها من مكتبة الكليّة،إذ يكفيه الحضور في الكليّة، وقليلا من الوقت للمراجعة، لم يكن موظّف المكتبة يسمح بإخراج بعض الموسوعات، حسب قانون المكتبة، إلّا أنه يسمح له باستعارة أي كتاب، كانت تربطه به علاقة ودّ واحترام، كان أكثر الطّلبة استعارة للكتب،كان يُطلع الدّكتور خليل على الإصدارات الجديدة، وخاصّة في الأدب والفلسفة، كان شغوفا مثله بذلك، ويحفظ دواوين شعريّة بأكملها، كان لا يعترف إلّا بالشّعر العمودي، يقول إن الشّعر صناعة، وكلّ صناعة تختزن سرّها، وعلى الصّانع تعلّمه؛ كذلك الشّعر إن لم يكن صناعة وابتكارا وتوليدا للصّور الشعريّة؛ لكان كلاما عاديّا، ومتى كان كذلك غاب عنه الإبداع.
درس الدّكتور خليل كذلك الريّاضيات بعد تخرّجه من كليّة الطب.
كانت تربطه علاقة وطيدة بأستاذعلم التّشريح، كان من أبرز الأساتذة في العالم في اختصاصه، فكان أستاذا زائرا بالعديد من الكليّات في العالم، عرض على الدّكتور خليل تدريس ابنته، كانت تستعدّ لامتحان البكالوريا، عرض عليه أجرا فرفضه، لم يكن بحاجة إلى المال، لم يعلم أنّه سيكون أمام تحدّ صعب، كانت ابنة استاذه فاتنة رشيقة متحرّرة، وهو بطبعه الرّيفي الخجول، لم يسبق له ان اختلى بأنثى فاتنة وشبه عارية، كان في البداية يجد حرجا؛ فلا يستطيع حتّى النّظر الى عينيها مباشرة، كان يتعرّق، ويحمرّ وجهه خجلا، وترتعش يداه، كانت تضحك مستغربة اضطرابه، لكنه سرعان ما تغلّب على خجله، واندغم معها، كانت متّقدة الذّكاء وشديدة المكر، كانت تظهر ولعا وشغفا بالتّحصيل، لكنّها كانت تغريه بلباسها الفاضح، وبحركات الإغراء التّي تأتيها، كانت تضع رجليها فوق بعضهما فينحسر ثوبها الرّقيق والقصير، فينكشف فخذاها إلّا قليلا، كان نهداها رائعين، تتعمّد الانحناء لاظهارهما،ولما لم يحرّك ساكنا؛ تحسّست أطرافه بيديها،كان كلّما همّ بلمسها؛ تذكّر أستاذه، فلم يكن تَمَنُّعه ورعـا أو خجلا، لم يعد يخجل منها ولا من أي أنثى؛ فقد خلّصته من عقده، لمّا يئست من مبادرته، بادرت هي،فتعرّت تماما وجلست قائلة:

يروقني تلقّي الدّرس عارية، فالعري ييسّر الاستيعاب. وضحكت بغنج، فنسي عندها كلّ الموانع؛ وضمّها بقوة؛ فكاد يهصر عظامها من فرط اضطرابه، كانت المرّة الأولى التّي يضمّ فيها أنثى؛ وكان ذلك اليوم يوم ميلاده، كانت كلّ الظّروف مهيّأة لعلاقتهما، فكانا كالمتزوّجين، لهما متّسع من الوقت لفعل ما يريدان دون رقيب، كانت عائلتها مفكّكة كبعض العائلات البورجوازيّة، كان والدها منشغلا تماما بالتّدريس، والتنقّل بين البلدان كأستاذ زائر، لا يستقرّ في المنزل كثيرا، وكانت والدتها سيّدة أعمال، لها شركاتها ومشاغلها التّي تأخذ كلّ وقتها، كما كان لهما متسع في المكان؛ بحيث لا يكاد يزورهما أحد في جناحها الخاص، كان يبيت معها أحيانا، ولا يتفطّن أحد من العائلة إلى ذلك، وأغلب الظنّ أنّهم لا يأبهون، حتّى وإن تفطّنوا.
كان صراخ والده من المرض يرنّ في أذنه، ويدفعه إلى الانكباب على التّحصيل، كلّما فترت عزيمته، كان المرض يفتك بالمجتمع، إلّا من اكتسب مناعة طبيعيّة بعد معاناته معه وتغلّب عليه، لذلك أزمع على محاربته، كان نبوغه وتفوقّه يساعدانه على التّحصيل، كانت حافظته قويّة، وتكوينه في اللّغات ممتاز، كان يدرس الفرنسيّة والأنجـليزية، ثمّ درس اللّغة الألمانيّة واليونانيّة؛ لقراءة كتب الفلسفة من مصادرها، كان شغله الشّاغـل تحصيل علوم الطبّ لمحاربة المرض، ويرجع الفضل في شغفه إلى خاله الساسي، الـذّي عـلّمهم، واجتهد في تعليمهم، كما غرّمهم بالكتب والمطالعة؛ فأطلعهم على أمّهات الكتب في الأدب والفلسفة، كان يقول لهم ضاحكا:

أعلّمكم فلسفة المعلّمين الأوّل والثّاني وأنا المعلم الثّالث.
كان يقيم بينهـم المسابقات في حفـظ الشّعر، والمتون كمتن الشاطـبيّة في قـواعـد التلاوة، ومتن ابن عاشر في الفقه المالكي، وألفيّة ابن مالك في النحـو والصرف، وفـي مختلف أصنـاف المعرفة، فمجرّد ذكره لأحد المتون يأتيه الجواب سريعا من أبنائـه:
-فصل نواقض الوضوء ستّة عشر.
يأتيه الجواب مباشرة:
-بول وريح سـلس إذا ندر.
إلّا أنه سمع همهمة تقول:
-بول وريح إذا شخر.
عرف مصدر الهمهمة مباشرة، إنّه سليم الزرزور.
قال:

تعال يا بني، وأعـد ما قلت.
قال الزّرزور:
بول وريح إذا شخر.
قال ضاحكا: “
-هل يشخر الرّيح يا سليم؟
أجاب الزّرزور:
-نعم، إذا أصبح ضراطا، وقـد سمعته البارحة يشخر.
قال:
-وأين سمعته؟
فالتفت إلى أخيه صالح الذّي يكبره بسنتين.
لم يتمالك سي الساسي نفسه عن الضحك، كما ضحك اخوته، حتّى صالح قهقه عاليا، كأنه نسي أنّه المقصود، ولمّا سمع الضّحك ينبعث من المطبخ. توقّف عن الضّحك، والتفت إلى الزّرزور في حنق، وحرّك شفتيه، وكرّر نفس الحركات بشفتيه مرارا.
قال سليم شاكيا لوالده:
-لقد قـال لي صالح يا زرزور.
سكت قليلا، وسأل:
-هل ستدخل العصافير الجنّة؟
لم ينتظر الجواب، وأردف سؤاله بآخر:
هل للحيوانات روح؟
تلعثم سي الساسي لأنـه لا يملك جوابا، فلطالما أرّقه هذا السّؤال، إن كان للحيوانات روح؛ فكيف أباح لنا الله ذبحـها؟ وهو الذي حرّم قتل النّفس؟ وإن لم يكن لها روح فكيف تعيش والرّوح سـرّ الحيـاة؟ وإن كانت تعيش بلا روح فالرّوح ليست سرّ الحياة، إذن ما حقيقـة الرّوح؟ ومـا هي النّفس؟ وما علاقتهما بالحياة؟ لقد رجّه بهذا السؤال، كما رجّه يوما ابن أخته خليل بسـؤال آخر، عندما كان يحدّثهم عن نشأة الخلق، وكيف أن أبناء آدم الإخوة تزاوجوا، فسأله:
-هل يمكـن لحرام أن يصبح حلالا ؟
أجاب:
-لا، طبعا.
فقال خليل:
-إن الله حدّد المحارم، والأخوات من ضمنهم، فكيف تزوّج أبناء آدم بعـضهم، وهم محارم وأبناء نبي أيضا؟ أي ليسوا مجتمـعا بدائيّا لا تعاليم له، وما حكمة الله في مخالفة سننه، فبدأ الخلق بما حرّم في مختلف الديانات، وبما تمُجّه الفطرة السليمة؟ وما الفرق بين الأخت التوأم وغير التوأم؟ كلاهما أخت محْرم، لا يجوز الاقتران بها نقلا وعقـلا؟
خضّه السّؤال، واكتشف أن المسلّمات التي نسلّم بوضوحها تبدو كذلك؛ لأنّنا لم نُعـمل عقولنا فيها، فكيف لهذا التّناقـض أن يصبح من الأمـور البديهيّة، والمسلّمات التّي يتفق عليها الجميع، وهي خرق لنواميس الله؟ أسئلة تولّد أسئلة، وتكون منطلقا للبحث والمعرفة.
كان صـالح صامتا أغلب الأحيان، لا يتكلم إلا بمقدار كما كـان متميّزا كبقيّة إخوته، ونال شهـادة الدّكتوراه فـي الرّياضيات، فكان يقضي أغلب وقته في حلّ مشاكلها غـارقا في معادلاته، وفي جذوره التربيعية والتكعيبيّة، كما كان مهووسا بلعبة “الخربقة”، برع فيها وذاع صيته بفوزه في كلّ المباريات، حتّى مع أهل المناطق المجاورة الذّين يقـصدونه خصّيصا.
مـن النوادر التي حدثت له في هذا المجال، أن هناك رجلا من المناطق المجاورة قدم متحدّيا، فهزم لاعبي القرية جميعا في لعبة” الخربقة”، لعبوا معه فرادى ومجتمعين، فأعياهم غلابا، وكان صالح غائبا للدّراسة في الجامعة، فحزّت في أنفسهم الهزيمة، وكأنّ الأمر متعلّق بالشّرف، ولم يجدوا حلا إلا استدعاء صالح، اكتروا سيّارة لجلبه، وكتبوا له رسالة مختصرة ” بلْ رأسك هناك، واحلقه هنا”، وتخيّروا يوم عـطلة. لمّا قرأ صالح الرّسالة فهم إن في الأمر” خربقة”، وتحديا، فركب مع السّائق بما عليه من ثياب ولمّا وصل، انتقم للسكّان بهزيمة الضّيف في كل الجولات، فقبّل هذا الأخير رأس صالح معـترفا له بمهارته، فتعالت زغاريد النسوة وكأنّه مهرجان، وقفل راجعا إلى الجامعة.
كان لسي الساسي منهجه التربوي، يلخصّه في هذا التّعريف:

تربية الذّهن بالاجتهاد الدّائم، وتربـية النّفس بالحزم اللّازم، وكذا عـدم انصياع لوسوسة الهـوى، وأن تحب لنفسك ما تحب للآخر، ورياضة يوميّة، وطعام متوازن لازم، والإيمان بأن الدّنيا فانـية ويبقى وجه الله الدّائم.
كان ما يشغله أكثر كيفيّة تربية الشّعوب، وهو يشاهد همجيّة المجتمع، قبالة ما يسمعه عن تربية الأمم الأخرى وانضباطها، كان يرى ذلك في تفاصيل الحياة اليوميّة، فالواقع محكّ الأفكار، وميزان التحضّر، فلا خير في نظريّة أو مبدأ يظلّ حبيس أسفاره، معلوما، ولا يطبّق. كان يوصي أبناءه دائما بالتّواضع فشعاره ذلك البيت الشّعري، الذّي يعتبره دستورا من دساتير الحياة، وهو بيت لعبد الله جرجس بن أبي ياسر، يقول فيه:
ملأى السّنابل تنحني بتواضع
والفارغاتُ رؤوسُهن شوامخُ
قال لهم:
-إن التّواضع من شيم العـلماء، لأنّهم الأقـدر على معرفة جهلهم؛ بمقارنة ما يعـرفون بما لا يعرفون، فمهما بلغ عـلمهم، فانه لا يقارن بما يجهلون، وإن يكن عـلمهم مصدر تكبّرهم وترفّعهم عـلى النّاس، يكون الجهل مصدرا للعكس، أي الشّعور بالدّون، وبما أن نسبة ما يجهلون أكبر؛ فلا مبرّر للتكبّر إذن.
استوعبوا الدّرس، وطبّقوه في حياتهم، فعاشوا في انسجام مع بقية الأهالي في بساطة وتواضع دون تكلف، رغم شهائدهم الكبيرة. ونهلوا من الكتب من مختـلف العـلوم، وكـلّما ازدادوا إطـلاعا؛ زاد شغـفهم وظـمؤهم للنّهل منه أكثر، لم يتركوا بابا من أبوابه إلّا ولجوه، مخلوبين بنور المعـرفة، مستعـيضين بحيرة المتعـلّم عـن طمأنينة الجاهـل.
سي الساسي الوحيد الذي تجرّأ على مجنون المنطقة، فكان يجلب له طعامه، ويحلق له شعر رأسه ولحيته كلّما نما، كما كان يغسله مرة كلّ أسبوع، يأخذه إلى العين في اللّيل وينظّفه؛ فينقاد له دون مقاومة، ولكنّه يصهل قليلا عندما يدخل إلى الماء، فيلكزه سي الساسي من جنبه؛ فيصمت. في بعض المرات يصادفان التّاجر حامد خالد وهما في طريق العين، فإذا كان داخل الحانوت يقفله بسرعة، ولا يفتحه إلا عندما يطمئنّ من ابتعادهما، وإذا كان خارج الحانوت يجري بسرعة لا يلوي على شيء؛ ليختفي حتى لا يراه مجنون المنطقة، ولا يأبه لحانوته، ولا بمن كان داخله أو خارجه من الزبائن. لقد بات يرتعب منه، بعد ليالي النّحس التّي حاصرهم فيها داخل بيتهم يقذفهم بالحجارة، التي لا تزال آثارها على الحائط، وكأنها آثار رصاص. كان الأطفال يسخرون منه، فيصيحون أمام الحانوت “مجنووووووون”، فيخرج جاريا يرتعـد، ولكنهم رثوا لحاله، وتركوه بعد أن نهرهم الكبار.
وللمفعـول السّحري لهذا الجلد وعـطره، فكّرت هيئة المدابغ العالميّة في استغـلاله؛ لإشاعـة الوئام في العالم والقضاء على بـؤر التوتّر، فأخبـرت هيئة الأثريـين بذلـك؛ فأعـربت عـن استعـدادها وتشرّفها، وفي الحال ضُـربت حراسة مشدّدة على الجلد، واقـتُرح تسمية وزارة ترعـى شؤونه، فاختُـلف في تحديد الاسم، فمنهم من اقترح تسميتها بوزارة شؤون الجـلد، فرُفض هذا الاسم لاقترانه في الغالب بالأحذية، فقد يخطئ الناس ويقولون: ” وزارة شؤون الجلد والأحذية”، وهذا يحـطّ من قيمة الجلد ودوره وقدره العالي. فاقـتُرحت مناقصـة عالميـة للتّسمية، وقد اختير بعد لأْي اسم ” وزارة عجائب الآثار”، تيمّنا بمزيد اكتشاف أثار أخرى بهذه القيمة.
أعلنت هيئة المدابغ العالميّة عن طريق ممثلها الثقافي روضـة القائد منطقـة نموذجيّة، نظرا لحالتها الفريدة، وللتحوّلات المناخيّة والاجتماعيّة الـتّي أحدثتها طفرة العطر، فأصبحت قبلة الزّائرين ومجسّما للأحلام الورديّة، ورأت المنظـمة كذلك أن يكون نظام هذه المنطقة نموذجيّا، ولذلك أطلقت العنان لعـلماء العالم؛ لصياغة هـذا النّظام وممارسـة الحكم به بعـد ذلك، فلطالما أُقصي العـلماء عن السّياسة، وعاشـوا على هامش الحياة، أو فـي غياهب السّجون المظلمة كابن رشد وغيره كثير، أو حصدت رؤوسهم المقاصل ككوبرنيك، ومع ذلك فإنّها تدور، وحافظت الأرض على دورانها، وفُـرض التغيير فرضا، وذهب الزّبد جُفاء، وخلّدت العلماء اكتشافاتهم وعلومهم وفضلهم على سائر البشريّة، وذهب الآخرون أدراج الرّياح ملعونين أينما ذُكروا، والأيّام تنصرم كحبّات السّبحة، وجدل العـلم والجهـل قائم أبد الدّهـر.
أُعلنت سنة اكتشاف الجلد المبارك، سنة ثقافيّة أمميّة، وأوكلت لقـناة ” آفـاق المعرفة” إدارة النّقاش، وتركت للدّكتور كمال الصّائم-مدير القناة-الحريّة في اخـتيـار الطّريقة واللّجان، عـلى أن تُشرك المنظّمة عـن طريـق خبرائها للاستشارة فقط، وفي خطـاب لرئيس الهيئة أكّد ثقته في الدكتور كمـال واختياراته، وأثنى على مجهوداته الجبّارة لبـناء صـرح العلم والمعرفة، واحتضان عـلماء العالم.
كما أعلن أن النّقاش سيدور خلال حول كامل؛ يُتوّج باختيار نظام لروضة القائد، وتحويلها إلى مدينة فاضلة أو” يوتوبيا ” حقيقيّة.
عـاش الدكتور كمال بهذا التّشريف أحلى أيّام حياته، فضاعـف من نشاطه لثقل المسؤوليّة، فلا يـفتأ يدور بين مكاتب قناته لتـوزيع التعليمات، وللتّأكيد عليها، ثمّ لمراقبة إنجازها، رغـم ثقته فـي الذين يعـملون معه، فهو الذّي اختارهم بعد تمحيص، إضافة لخبرتهم الطّويلة فـي العمل معه، ورغم البـاع الطويل لهذه القناة في إدارة هـذه الأنشطة؛ فقد اختصّت باحتضان أهل العلم والمعرفة، وكان اختيار الدكتور كمال الصّائم لهذا النّهج، بعد اطّلاعه عـلى استبيان سرّي، قامت به هـيئة المدابغ العالميّة في كامل العالم، قبل اكتشاف الأثر المبارك، وتضمّن مقارنة بيـن معرفة النـّاس للفنّانين ولاعـبي الكرة ومعرفة العلماء، فوجد أن نجوميّة العلماء ذاوية أمـام بريق الفنانين ولاعبي الكـرة، فأخذته الغيرة على العلم وأهله، فأخذ عـلى عاتقه تصحيـح المـسار، وإعادة التّوازن لنظام الحياة، وإعـطاء كلّ ذي قدر قدره الذّي يستحقّ، وقد تبيّن له الحيف والظّلم الذّي لحق بالعلماء، بمقارنة بسيطة بين دور كـلّ الأطراف، فاستقال من المختبر وبعث قناة آفاق المعرفة.
تساءل لو أن الكهرباء انقـطعت مثلا، أو لم توجد أصلا، فكيف سيكون العالم؟ تخيّل قناته مقفلة، وقد تحـوّلت إلى خراب تسكنـه الحشرات، ومستباحة؛ ففزع، كما تخيّل عدّة أنشطة أخرى، فتبيّن أن الكهرباء من أسس الحياة وركائـزها، وبالتّالي فضل مكتشفها على البشريّة جمعاء، ولكنّه مجهول مـن خمسة وثمانين بالمائة من السكّان كما أبان الاستبيان، تخيّل أن الدّواء واللّقاحـات والطب لا وجود لها، فقفزت إلى ذهـنه صور الملايين من البشـر يـموتـون بالطّاعـون وبمختلف الأوبئة الأخرى، وتخيّل أنينهم و ألمهم ومعاناتهم قبل المـوت، كما تخيّل حياة تملؤها الأمراض، ويسكنها العجز عن مداواتها، فلا يبقى حيّا إلّا من انتـقته الطّبيعة، فيصبح جهـاز المناعة عـنده قويّا؛ فتبين فضل العلماء عـلى الإنسانيّة عموما، ولكن النّاس يجهلون بنسبة واحد وتسعين بالمائة مكتشف اللقاح مثلا، ويجهلون حتى كبار الأطـبّاء المعاصرين، الذّين ينقـذون حيـاة العشرات يوميّا؛ بتدخّلات جراحيّة، أو عن طريق الأدوية والعقاقير. وتخيّل في المقابل غـياب لاعب كـرة أو فنّان عـن الحياة، فسوف تستمرّ دون أن تتأثّر، وإن تأثّرت قليلا؛ فستصبح أقلّ متعة، وفي كثير من الأحيـان تصـبح بغيابهم أفضـل، قالها عندما تذكّر لاعب كرة، بحلاقته الشـّاذة ولباسه الخليـع وسلوكه الهمجي، وبالرّغـم من ذلـك فهو يستأثر بالمال والشّهرة، بيـنما يموت صُنّـاع الحياة من الحاجة والغبـن، لم يكن بحاجة لايراد أمثلة ليقتنع، ولكنّة أوردها، في معرض دفاعه عن اختياره لهذه الوجهة، هناك من لامه على ترك المخابر، فهي اختصاصه ومجاله، رغم باعه وخبرته وشهرته في عمله، ولكنّه كان مقتنعا بدور الإعلام أكثر، لما للاعلام من قدرة على توجيه الرأي العام، والمساهمة في تركيز تربية حضاريّة، فلا يمكن الإصلاح دون تركيز أسس حضارية، كان يقول ان العمل مثلا علم وجهد وقيمة، لا يكفي في العمل الجهد والمهارة، الاتقان قيمة، وعدم الغش قيمة، لذلك فالتقدّم من غير منظومة قيميّة لا ينجح، والاعلام مخبر الثّقافة وترسيخ القيم، لهذه الأسباب وغيرها اختار وجهة الاعلام، عساه يضفي على الحياة قيمة ونجاعة، حتى نتجاوز مرحلة الفوضى والاستهتار، فبعث قناته، وانـبـرى للدّفاع عن أهـل المعـرفة، واختارهم نجوما فيها، يقيم معهم المسابقـات والسّهـرات التنشيطيّة، وكذلـك يقدّم لهم بحوثهم، بتأمين حلقات حرّة؛ ليقدّموها بأنفسهم، دون إغـفـال الرّياضة و الفن وغيرها من البرامج الأخرى، ولكن في توازن يعـطي كـلّ ذي حـقّ حقّه؛ لأنّ التّربية – كما يقول- هي ثمرة التوجيه السليم وتوفير المناخ الفكري الملائـم، وكذلك بتقديم نماذج راقية؛ تكون قدوة للنّاس، وللنّاشئة بصفـة خاصّة.
بعـد تقديمه لبحـث فـي مختلف ميادين المعـرفة، يقوم باستدعاء الباحث في سهـرة تنشيطـيّة، تتميّز بالتلقائيـّة والمرح، لما عرف عن منشّطها من خـفّة الرّوح وقدرة عـلى إدارة البرامج التنشيطـيّة المباشرة. يكون الباحث نجم السّهرة بامتياز، يـتناول المنشّط معه كل المواضيـع بكل أريحيّة؛ فيتسنّى للنّاس معرفته أكثر، غالبا ما اكتشـف فيهـم عـدّة مواهب أخرى فـي الرّسم والغـناء والرّياضة، وغيرها من المواهب الكثيرة.
بعـد تقديمه خمسة بحوث، يقوم باستدعـاء الباحثين الخمسة في سهرة تنشيطيّة، تتخللـها مسابقات في الثّقافة العامّة، في جـوّ بهيـج، يتخلّله الطّرب الأصيل والمرح، تُعرض السهرات التنشيطية ليلة السّبت من كلّ أسبوع، وخلال أيّام الأسبوع يقوم العالم أو الذّي أنجز بحثا بتقديمه خلال حلقات يوميّة، ويقدم العـلماء الذّين لـم ينجزوا بحوثا برامـج وثائقيّة.
كان الدكتور كمال الصّائم في غمرة النّشوة، وهو يلاحظ بشائر الخير قد هلّت مع اكتشاف الجلد ونفحات عطره، كان قبله كمن يحرث في البحر، من كثرة العراقيل والتحديّات، وضعف نسبة المشاهدة لقناته، لاقبال الدّهماء على البرامج التّافهة، ورغم ذلك لم ييأس، فكّر في طرق عدّة لاستمالتهم بما يريدون مشاهدته، وتمرير ما يريدهم أن يشاهدوه، فبثّ العديد من المسلسلات التركيّة والسوريّة، ولكنّ الهوّة واسعة، والتّغيير يتطلّب صبر أيّوب، ورغم ذلك ظلّ يحاول، ويحاول من جديد كلّما فشل، إلى حين اكتشاف المعجزة التّي قلبت العالم رأسا على عقب، لقد أصبحت روضة القائد مركز العالم، بل مركز الكون، ها هو رئيس الجمهوريّة العظمى يقيم في روضة القائد، يدير العالم منها، وابنه الممسوخ يتسلّق نخيلها وقد وجد ضالّته، لقد تحقّق الحلم الذّي طال انتظاره، بعد ان استشرى الظّلم، وطال الفساد كلّ شيء، فساد السّاسة والسّياسة، وفساد الحاكم والمحكوم، كم شهدت هذه الأرض من مظالم، وكم سمعت من أنين الثّكالى، وصرخات المقهورين.
كان من ضيوف قناة آفاق المعرفة أبناء سي الساسي والدكتور خليل، بمناسبة قيامهم ببحوث في مجال اختصاصهم، وصفها أهل العـلم بأنّها إقلاع، وكانت سهـرة الزرزور أكثر السّهرات مرحا، حيث طـلب المنشّط من ياقوتة محاورته بإعـطائـها الأسئلة فـي ورقة، دخـلت متلعثمـة ومرتبكة في الـبداية، ولم تعرف كيف تبدأ من شدّة تلعثمها؛ فزغردت، ضـجّت القاعـة بالضّحـك، فلم يستطع حتّى المنشّط تمالك نفسه فانفجر ضاحكا، ولكنّها تداركت، وحاورت الزّرزور حوار صحفي متمرّس، وبتدبيـر منها، قاموا بإطـلاق بعـض الزرازير في القاعة، عـنـد دخول سليم الزرزور إلى الأستوديو، مما أضـفى عـلى الجو مرحا.
كتـبـت الصّحف منوّهة بالسّهرة، وأثـنت على شخصيّة الزرزور، الذّي وجدت فـيه خفّة الرّوح، ودقّـة المنهج وغـزارة المعلومات. قـام سليم الزّرزور بتقديم بحثه المشترك مع أخـيه صالح عالـم الرياضيات وابن خالته سالم، وتمثّل بحثه في اختراع سلاح مضاد للسّلاح النووي، وهي عبارة عن قنبلة، يتمّ تفجيرها، فتمتص فاعليّة القنبلة النووية المدمّرة، وتجعلها بردا وسلاما، وقال إن هذه القنبلة، هي الجيل الأوّل من القنابل البيئيّة كما سمّاها، واعدا بتطويرها عن قريب، ليصبح تفجيرها في الكون، مانعا لانفجار كل القنابل بأنواعها المختلفة.
قدّم سليم لبحثه فعرض صورا حيّة من قنبلتي “هيروشيما” و”ناكازاكي”، وقدّم صورا للجحيم المستعـر، والأشلاء المتفحّمة والحديد المنصهر، فبكى رئيس الجمهوريّة العظمى، بكى وبكى حتّى ذوى من الحزن، ولكنّه تذكّر المستشفيات التّي بناها، في أغلب بلدان العالم الفقيرة، بعد اكتشاف الجلد، فانجلت غمّته وكفّ عن البكاء.
قام الزرزور بمقارنة بسيطة بين الانسان والحيوان؛ ليستـنتج أن الحيوانات تـقـتل لتأكل، بدليل أنّها إذا شبعـت تخلد للنّوم، ولا تصطاد حتّى تجوع، فهي لا تعرف الكره مثل الانسان السّادي، الذّي يقتل بدم بارد، وقد يتلذّذ بالقتل، ويتفـنّن فيه، ويخترع أكثر الأسلحة فـتكا. ويرتكب أبشع الجرائم، منطلقا من مرجعـيّات مختلفة(مثـل الدينية المتطرّفة) لتبرير فعـله، فيُفجّر الفضاءات العامّة كوسائل النّقل والأسواق، واستعرض ما يمكن أن تحويه تلك الأماكـن، تصوّر امرأة حاملا تدبّ الهوينى تنتظر مولودا، فتناثرت أشلاؤها لتـلد مولودها عن طريق انفجار، ولكنّه قـطع متناثرة، أو عائلة تنتظر عودة الوالد من الغربة محمّلا بالهدايا والشّوق، فتناثرت أشلاؤه، واستحال حتى تجميعها، فثكلت عائلته فيه، واستلمت أشلاءه بدل هداياه، أو زوجين حديثي عهد بالزّواج،وهما ذاهبان أو عائدان من شهر العسل، وهما يحوكان أحلاما للمستقبل، مليئة بالأمل والسّعادة، فتحوّلا إلى مِزق مع أحلامهما، أو طفلا يرضع من ثدي أمّه، وينقطع عن الرّضاعة كـل حـين ليلعب بعقدها، ويهُشّ ضاحكا في وجهها وهي في غمرة سعادتها، أو طـفـل يحاول مـسك السّحاب من نافذة الطّائرة وقـد تجـسّـمت أحلامه أمامه، فـلطـالما حلم بمسكه وهـو في الأرض، فتحوّل إلى مزق متناثرة.
بكى حـتى نشـج في بكائه، عند ذكر المثالين الأخيرين، وأبكى الحاضرين والمستمعين وكل من له حس انساني، لاغتيال البراءة.
قال:
بأي ذنب قتلوا، وبأيّ ذنب صُهـروا بالفسفور الأبيض، إن الهوام نفسها تستنكف من فعل ذلك.
قام سالم بتقديم مشروع بحث أنجزه بالاشتراك مع الزرزور، يتمثّل في اختراع لقاح بيئي، وهو عبارة عـن غـاز يتمّ إطـلاقه في الجو، يستحيل معه أي انفجار، سواء في ذلك القنابل النوويّة أو القنابل الأخرى. كما يحافظ على الغلاف الجوّي، ويرتّقه، ويمتصّ منه الغازات السّامة والضّارة، ويحوّلها إلى أكسجين، ويعطي مناعة للأشجار ضدّ الإشتعال، وبالتّالي يقيها من الحرائق، وقال إنّهـم توصّلوا إلى الـمعادلات الكيميائية للمشروع، وهو عبارة عن مزيج من دخّان نبات الحرمل وشيء من سدر قـليل، وحشائش أخرى، مكثّفا في المختبر، وأضاف أنهم بصـدد دراسة الآثار الجانبيـّة المحتملة للغاز؛ لضمان الحدود القصوى لنجاحه، دون مخلّفات تـضرّ بالبيئة والإنسان.
نال هـذا البحث اهـتمام الجميع، فـعُـقدت قمة برئاسة الجمهوريّة العـظمى-التّي كانت دائما الرئيسة-، ضمّـت حتّى الدّول التي امتنعت في السّابق عـن إمـضـاء معاهدة السّلام الأخضر، وكانت الجمهوريّة العظمى على رأسها، ويعود تحـوّل موقـفها إلى ولادة زوجة رئيسها لمسخ آدمي. إنسان مكسو بشعـر قصـير كشعر القـرد، وله رجلان ويدان طويلتان، وفـم كفم القرد لكنه بحجم فم الإنسان.
أعـلمه الأطبّاء أن التلوّث النووي سبب هذا التشوّه. التلوّث النّاجم عن النّفايات المطمورة في كل مكان، من أراضي الشّعوب المسحوقة، التّي لا حول لها لردّ الظّلم عنها، والغارقة في ظلم عـُتاتها وفراعـنتها، الذّين لا يتورّعـون عـن تقـديم شعـوبهم قرابين لأسيادهم مثل الجمهورية العظمى.
فـزعـت أمّه من شكله الممسوخ، فشكـت لوالده حالته الغريبة، ولـم يزل في المهد صبيّا، أكـّد لهـا أنه تميّز لا غير؛ فلا ارتباط بين غـرابة الشّكل والسّلوك، وسوف يكون له شأن عظيم كوالده العبقري، ومن شابه أباه فما ظلم، وعدّد لها بطولاته. ولمّا بدأ يحبـو، لم يعد يقـبل الرّضاعة من أمّه إلّا وهي واقفـة، بعـد أن يتسلّقها وهو مغـتبـط.
ولما اشتدّ عوده، أصبح يتسلّـق كـلّ ما يصادفه مـن الشّواهـق، مـثـل أعـمدة الكهرباء والهاتـف، وأمه تلاحقـه بالموز والفستـق خوفا عليه. كان لا يتكلّم، ولكـنّه يصدر همْهمة مبهمة، كـما كان يضحك كل حين قالبا شفتيه، ويثني إصبعه الأوسط، في وجه من أمامه، كائنا من كان، حتى بات والده يتحاشى المرور من أمامه، كان يتصرّف كالقـرد تماما في خفّة حركته وفي سلوكه، وكأنّه من نسلهـم.
فزع رئـيس الجمهورية العظمى أخيرا، بعد أن وقف على تصرّفاته الغريبة، التّي لا علاقة لها بالتميّز الذي ذكره، وقال معّلقا:
-إن مسـخ الشّعوب أمر عـادي، قد يحدث في التّاريخ، أمّا أن يـصل الأمـر لعلية القوم فهذا خطـر جسيم، وهـو مدعاة لإعادة النّظـر في سياسة دولـتي، وكلّ دول العالم بتشجيع البحوث البيئيّة، والقضـاء عـلى السّلاح النووي، وبالتّالي يجب تشجيع الزرزور (قالها باسما) وصالح ابني “سي” سي الساسي؛ بتوفـير المال اللّازم، وفريق للبحث ومخابر متقدّمـة.
إلا أن جهـاز مخابراته؛ لشدّة قدرته على الرّصد والتوقّع، والذّي لا يفوته استشراف النّوايا قبل حصولها، تفطّن لإمكانيّة التباس المعـنى عـلى الصحافيّين، فيخـطؤوا في فهم كلمة “سي” عـلى أنها فعـل” نظـر” بالإنجليزيـة أو “البحر”، فيُترجم ” الساسي النّاظر” أو”الساسي البحر” وهو ابن الصّحراء الغارقة في بحـر الرّمال الممتدّة إلى الأبد- قبل الطفرة- يُصارع عواصفها، التّي تَعْوي كلّ حين، وتأقلم مع جفافها لشحّ التّساقـطات فيها؛ لأنّ مناخها صحراوي حار وجاف في الصّيف، وبارد وجاف في الشّتاء، ولكـنّه حوّل الجفاف رطوبة، وتأقْـلم مع الوضع ليُنتج هذه الرّياحين النّادرة، وهذه الجواهر العلميّة الثمينة، التّي أغرقـت الإنسانية جمعاء في فضلها، دون استثـناء لِلَوْن ولا جنس ولا دين.
أعـاد رئيس الجمهوريّة العظمى اسم سي سي الساسي مرارا وتكرارا، مركّزا على كلمة” مستر” قائلا “مستر ساسي” أو مستر “خليل سي الساسي” أو مستر” صالح سي الساسي”، وابتسم عند ذكره لـمستـر “زرزور سي الساسي”، وكثيـرا ما يخـطـئ قائـلا ” مـستـر سي “الساسي” دون تدخـل جهـاز مخابـراتـه الذّيـن اطمأنـوا لسلامة فـهـم الصحافـييـن.
حدثت مفاجأة كبرى في سهرة الزرزور في قناة آفاق المعرفة. كانت مفاجأة من الوزن الثقيل، وكـاد الدكتور كمال الصّائم يغمى عليه من وقعها، حضرت حرم رئيس الجمهوريّة العظمى المصون شخصيا سهرة الزرزور، مصطحبة طفـلها الممسوخ سالي. دخل سالي في البداية مذهولا، ممسكا بتلابيب أمّه، وقـد أبهـرته الأضواء. كان يدير رأسه في القاعة باستمرار، وأمّه تمسك بيده خشية أن يفلت منها. كـان يرتدي قميصا نصف كم مخطّطا وتبّانا، ممّا أبان شعره الأحمر الكثيف، الذّي يكسو كامـل جسده، عـدا الوجه والكفّين وباطن الرجلين، تعمّدت أمّه إحضاره بتلك الصورة، حتى تقدّم للعـالم صورة حيّة، للنّتائج المدمّرة للإشعاع النووي على الإنسان والطّبيعة.
أخبر جهاز مخـابرات الجمهوريّة العظمى رئيس البلاد، بنيّة زوجته حضور سهرة الزرزور مع الطّفل سالي، كما لفت نظره لما قد ينجرّ عن ذلك من تشويه لصورة الجمهورية العظمى، ممّا قد ينال من هيـبتها أمام العالم، وتتيح الفرصة لأعدائها للنّيل منها بوصـفها منتجة للقرود الآدميّة. لكنّه أمر بتركها وعدم منعها؛ لإحساسه بالمرارة وعقدة الذّنب من جرّاء تفريطه في جنْب الطّبيعـة، فرأى ثمرة ذلك في ابنه البكر العزيز “سالي”، أصبح يحس بلوعة الآباء والأمّهات عـلى أكبادهم، الذّين تسبّبت النّفايات النوويّة التّي طمرها في بلدانهم بموتهم، أو إصابتهم بأمراض وتشوّهات لا تحصى، والآن يكتوي بنارها، فيأتي إبنه ممسوخا على شكل قـرد، فلو كان على الأقـل أسدا؛ لكان أحفظ لماء الوجه، وأعلى درجة في المسخ، وأليق بمقامه، ومقام دولته العظمى، التّي انتشرت أساطيلها في كلّ مكان في العالم في البرّ والبحر والجوّ، تحلّ الموت في أي مكان؛ بالكبس على زرّ صغير.
رئيس جهاز المخابرات هو ابن خالة الرّئيس، اختاره لخصاله لا لقرابته، إذ كان الموظّف الوحيد في ادارته من أقاربه، هو في الأصل أستاذ موسيقى، لم يسع وراء هذه الوظيفة، ولم يتخيّلها يوما في حياته، التّي يقضّيها في الفـن والعـزف على كل الآلات الموسيقيّة. لاحظ فيه الرّئيس الفطنة والذّكاء والاستقامة، كما أنه رصين وأريب، فعرض عليه المنصب، لكنّه رفض. فاضطرّ الرّئيس إلى توسيط خالته بعد أن أقنعها بحاجته إليه. فأقنعته بعد جهد، ولكنّه اشترط أن يترك له الرّئيس حريّة التصرّف؛ فقبل لعلمه إنه لن يتخطّى الحدود.
كان أوّل ما قام به، ضمّ إدارة مراقـبة الأموال لصلاحيّات سلكه. يراقب صرف الأموال العموميّة بصرامة، لا مجال للتّساهل في أموال الشّعب، كما يراقب تنفيذ المشاريع، ومدى مطابقتها للمواصفات الفنيّة الموجودة في الأمثلة، فضيّق الخناق على الذّين اعتادوا الغشّ والرّشوة. كان يتحدّث عـنهم بازدراء، ويصفهم بالكروش النّهمة التّي لا تشبع، فقد امتلكوا البلايين، وركبوا أفخر السيّارات، وسكنوا أضخم القصور، وعاشروا أجمل النّساء، وأكلوا أشهى الأطعمة، ولم يكتفوا. إن نهم الإنسان لا يُشبع، رغم أن المعـدة لا تتعامل مع اسم الطّعام، ولا ثمنه؛ إذ تُحوّل كل طعام إلى مواد أوّليّة، كالسكّريّات والزّلاليّات والنشويّات، وتقوم بامتصاصها بعد ذلك، ولا يهمّها إن كان ثمن مصدرها رخيصا أو غاليا، وحمد الله على أن الأغذية؛ لا تُصنّف أثمانها بحسب غـناها بالمواد الأوليّة، فنفس المواد توجد في الطّعام الغالي والرّخيص، فلماذا هذا النّهم وكلّ الأطعـمة تتحوّل إلى نفس العـناصر، والزّائد منه يُخزّن، ويكون وبالا على صاحبه، ويُطرح الباقي في دورات المياه؟ وأمّا الثّياب فمهـما غلا ثمنها فهي لا تتعـدى غايتين، غايتها النفعـيّة، وتتلخّص في التدفئة والسّتر، وغـاية جماليّة، تتمثّل في حسن المظهر، باختيار الألوان وتناسق الملابس، فلماذا التّكالب على تنويعها وتكديسها؟
كان يعشق الموسيقى الكلاسكيّة، فيخرج في اللّيل إلى حديقة منزله إن كان الجو مناسبا، ويُشعل شمعة، ويشغّل آلة التّسجيل، ويترشّف نبيذه، وهو يتـأمّل النّجوم في صمت تام. يثقل رأسه قليلا، فيكفّ عن الشّرب، عندها يبلغ أوج نشوته، ويصعد مع السّلالم الموسيقيّة للعالم العلوي، فتتبخّر روحه، وتتلاشى وتتماهى مع الأثير، فيتجّرد من أدران الحياة وهمومها. ويسمي هذا الطّقس ب “الغسيل الفكري”، ويقول: “إذا التقى فِيَّ السّكران تحرّر فِيَّ الإنسان “، ويقـصد الخمرة والموسيقى، فيما جهازه يحصي على النّاس أنفاسهم في الخارج، ولا يُفوّت شاردة ولا واردة إلّا أحصاها.
تعلّم النّقيب كومل-رئيس جهاز المخابرات-اللّغة العربيّة ليدرس الموسيقى العربيّة القديمة والحديثة، فدرس عزة الميلاء وجميلة، المغنيّتين في العـصر الأموي، وابن مسجع الملقّب بأبي الموسيقى العربيّة القديمة، الذّي أدخل تجديدات لحنيّة، ووضع أسسا ونظريّات في العـزف والغـناء والتّلحين، وإبراهيم الموصلي واسحاق الموصلي وابن جامع وزلزل ضارب العود وغيرهم في عهد هارون الرّشيد، وزرياب في قرطبة، وفي العـصر الحديث درس محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وشدّ انتباهه الكم الهائل من الحزن والشّجن اللّذين تحويها هذه الموسيقى، حتى في أغاني الأفراح والمسرّات. وانكبّ كذلك على دراسة موسيقى الطّرق الصوفيّة، فواظب على مواكبة الحضرة، وظنّ الشيوخ أن حضوره للتبرّك، ولكنّه كان يدرس سلّمها الموسيقي، وأعـدّ بحثا في ذلك سمّاه “تقاسيم الحضرة الصوفيّة” للفقير إلى ربه الأستاذ “كومل “.
كان من أشد المولعين بمهرجان الطّير، فلم يتخلّف عن حضوره يوما، فكان يشرب العصير، ولا يشرب الخمر احتراما لقدسيّة المكان، ويبقى صامتا والدّموع تجري على خديه مهما كان اللّحن، ويزداد بكاؤه مع هديل الحمام، الذّي ينبعث حزينا، فتبكي النّفوس الكلمى، التّي تختزن أحزانا دفينة ومعتّقة، كما تبكي النّفوس السّعيدة، تأثّرا بانسياب النّغم سلسا رخيما، إن كردوس الحمام حاز على إعجاب الجميع، فلا تسمع للنّاس حسيسا عند غنائه، يتفرّغ الكلّ لسماعه مهما عظم ما يشغـلهم، فتراهم سكارى وما هم بسكارى، ولكنّهم مخلوبون بهذا النّغم العجيب.
كان يقود الكردوس ذكر حمام جميل، مرقّش الرّيش بالأبيض النّاصع والأسود الفاحم، يتركّز السّواد في الرّقبة والرّجلين والذّيل، وكان من حين لآخر يعود لطبعه، فيقوم للحظات قصيرة بحركات ذكور الحمام لاستثارة الأنثى، ولكن هذه الحركات لم تحدث اختلالا في الأنغام، وعلى العكس فقد بدت متناسقة معها، وكأنّها تفاعـل مع السيمفونيّة الحزينة، لأنّه لا يقوم بها إلا عندما يختمر، ويمعن الكردوس في الهديل، ويبلغ الحزن أوجه.
كانت أكثر الحضور تأثّرا فاطمة النّائحة، التّي تظلّ تبكي دون انقطاع، ويتواصل بكاؤها بعد نهاية الألحان، كانت تعاودها ذكريات حبيبها الأوّل ابن الجيران، الذّي أحبّته وهي طفلة تلعـب معه أمام دارهم.
تقول باكية بعد انتهاء النّغم:

كان طفلا جميلا ووسيما، وكان يحبّني، وأهداني مرّة قطعة من الشوكلاطة.
كان ذلك الطّفل التّاجر حامد خالد.
يُشخّص أحد علماء النّفس المختصّون في النّوايا البشريّة، أنّها تبكي علاقتها مع التّاجر حامد خالد صغيرا؛ لأنّها ما كانت لتبكيه كبيرا؛ لدمامة خلقته ولخوفه من مجنون المنطقة، فأعاد عـقلها الباطن انتاج صورته النّاصعة؛ ليستقيم البكاء، ويكون سببه وجيها وقادرا على تهييج النّفس وإثارتها.
واسوها فلم تسكت، فجاؤوها بقطع من الشّكلاطة، فالتهمتها في شره وهي تبكي، وواصلت البكاء، فاقترح المختصّ في النّوايا أن آخر الطب الكي، وهـو مع طريقة العلاج بالصّدمة، فلا فائدة في التدرّج فـيه، فيجب إعطاء الجرعة القصوى من البداية، فإمّا حياة وإما ممات، لذلك اقترح مداواتها بجلب التّاجر حامد خالد لها، عساها تكفّ عن البكاء، أوتصمت عن الكلام أصلا حين تراه ببطنه المتدحرج ووجهه الدّميم، وبالفعل لمّا جيء به ورأته كفّت عن البكاء، وسكتت.
كما درس النقيب كومل المعتقدات بالاستعانة بدكاترة في التّاريخ ضمن سلكه؛ فقاموا بدراسة الوثائق التاريخيّة التّي في حوزة الأهالي، والتّي يحيطونها بهالة من القداسة، ويمنعونها من التّداول؛ فلم تتناولها الأيدي، وبقيت حكرا على الخاصّة، وكأنّ ما فيها خاص بهم، ولكنّه تحصّل بطرقه الخاصّة على كل الوثائق، ولمّا قاموا بدراستها؛ استغـربوا من ضحالة محتواها، ومن تناقـضه تناقضا صارخا، لا يحتاج حتّى إلى خبير لبيانه. درسوا مثلا ما يسمّى بالشّجرة العائليّة، التّي تـثبت النّسب الشّريف، فوقفوا على تناقـضها العجيب والغريب، فعدد الفروع الموصلة للأصل يختلف من شجرة إلى أخرى، ناهيك عن اختلافات الأسماء بينها. فوصل إلى نتيجة مفادها؛ أن المقدّس لا بد أن يحاط بالغموض، فإذا تكشَّف انْكشف، ولهذا السّبب منعوا تلك الوثائق من التّداول حتّى لا تُفضح، وينسج حولها الخيال هالة من الغموض، يجعلها من الأسرار المكنونة، التّي لا يعرفها إلّا الخاصّة، الـذّين يجتهدون لإخفائها، حتّى لا تُـفـضح، فيُـفضحون ويخسرون هيبتهم ونفوذهم.
اعتمد لتسيير جهازه على قمر صناعي، صُنع خصّيصا تحت إشرافه، يتّصل به عن طريق أقراص مجهريّة مزروعة في أصابعه، تلتقط كلّ شيء، حتّى ما وراء الجدر.
اعتمد على جملة من الرّجال الأكفاء، حتّى إن أكثرهم شهرة في التخفّي والرّصد والمتابعة، أعـدّ له تقريرا عن رصده للقمر، لم يستغـرب كثيرا؛ رغـم أنه لا عـلاقـة لعـملهم به. فوجئ بدقّة المُخـبر، حيث لم يترك للقمر سـترا، بدأ تقريره بـ “إن للقمر منازل فلكيّة، قسّمها العرب إلى ثمانية وعشرين منزلا، ينزلها في كل شهر، منازل تشاهد بالعين يعرفها و يراها النّاظر العادي، وهي منزلة الميلاد وحين يكون بدرا، وعندما يأفل، ومنزلتان بين المنزلتين، وهما تدرّجه نحو الاكتمال؛ ليصبح بدرا منيرا، وتدرّجه من الاكتمال نحو الأفول، كالإنسان تماما، الذّي يبدأ حياته بالميلاد والضّعـف، فاكتمال القوّة في الشّباب، ثم التدرّج نحـو الهرم والموت، وما الحياة إلّا مراوحة بين النور والدّيجور، و السّعادة و التّعاسة، و القوّة والضّعـف، والشّباب والهرم؛ لينتهي كلّ شيء في لحظة، لا نستطيع رصدها، تأتي بغـتة، تُحوّل وجودنا إلى تاريخ؛ إن خلّفنا ما نذكر به”.
يستخلص في نهاية تقريره، أنّ هذا المنهج الحتمي، منهج التدرّج نحو الفناء، يحكم جميع الخلائق، ولا يستـثـني أحدا.
رصد هالة القمر وساهوره، وهتك كلّ أسراره، وتتبّع ذكره في الأغاني والشّعـر وصور الجمال، وعرّاه أمام رئيسه، الذّي رصد بدوره تحوّل تقارير مخبريه إلى فلسفة، تستقي من الطّبيعة منهجها؛ فحوّل منهجه لدعم الخير، وفشوّ المحبّة بين كلّ النّاس، بمختلف أعراقهم وألوانهم وأديانهم، وكان تحوّله وإيّاهم من تأثير طفرة العـطر، التّي ليّنـت النّفوس، وأخمدت الشرّ فيها ولو إلى حين.
جلس الطّفل سالي ساكنا إلى جانب أمّه في سهرة الزررور في قناة آفاق المعرفة، كان هادئا في البداية، يتفرّس في الوجوه، مأخوذا بالأضواء، ما إن اعتاد الجو، حتّى التفت للمصوّر مادّا له لسانه، مبرزا له إصبعه الأوسط، فضحك المصوّر، فسقطت الكاميرا من يده، فأُبدل في الحال بمصوّر آخر، وأعلنوا أنّه أصيب بنوبة عصبيّة مفاجِئة، وهو متعوّد على الإصابة بها، حتّى ترفع القناة عن نفسها الحرج، للضّحك على ابن رئيس الجمهوريّة العظمى.
وجدت كارولا (أم سالي) ضالتّها في باسقات النّخل بروضة القائد، فلا خوف على سالي من الكهرباء، ووجد هو ضالّته في أعداد النّخل الكثيرة، وفي تخلّصه من رقابة أمّه، الـتّي اطمأنّت على سلامة تسلّقه) تسلّق بيولوجي كما تردّد مازحة)، لقد حرقتها وضعيّة ابنها البكر، فلم تتـرك عرّافا إلا وزارته، عسى أن يشفى ابنها القرد، فجمعت عددا كبيرا من الأحجبة بكل اللّغات، ومن التمائـم الكثير، كرأس الحرباء وسن الفيل ومخالب الدّب وناب الكلب وريش الهدهد ورأسه وشعـر الضّبع.
نُصحت بزيارة ولي روضة القائد الشّيخ سلمان، لـِما له من بركات عظيمة، خاصّة في الأمور المـستعـصية. ذهـبت دون إبطاء، فاستقبلها الشّيوخ بالشّموع والبخور، وعقدوا مجلسا طارئا لتشخيص وضعيّة الغالي سالي، طـلبوا منها إحضار بعض الأعشاب، وتيسا أسـود اللّون، سوادا لا شية فيه، في يوم الجمعـة القادم لإقامة حضرة. حضرت وأحضرت ما طُـلب منها، بدأ ضرْب الدّفوف مصحوبا بالمدائح، تصاعد النّغـم رويدا رويـدا، وسالي إلى جانب أمّه يُحملق في القـبّة العالية يريد تسلّقها، انتهـز فرصة انشغال أمّه عنه؛ فقفـز متسلّقا القبّة والضّرْب قد بلغ أوْجـه. حسب الجميع أن سالي استجاب للطّرْق، واختمر فـتسلّق القـبّة، اختمر الأغلبيّة، وتعـالت الأصوات حتّى كارولا صرعت وقد علا الزّبد شفتيها، وتناثر شعرها الأصفر، وهي ترْطـن بكلمات مبهمة بصوت رقيـق، والشيخ حذوها “لتسريحها”، وهو يصيح “عِجْمِية” “عِجْمِية” “حيْ” “حيْ” “بركاتـك يا سيدي سلمان يا رئيس الإنس والجان”, أُخرج يا خبيث”,”اهدئي يا بنت الشّيخ” والصوت الصادر من كارولا يجيب: “لا لن أخرج، إنـنـي أحبها”، قال الشيخ:” أُنذرك بالخروج ثلاثا وإلا أحرقتك”، قال: “واحد” أجابه الصوت:” سأخـرج من عينـها “، قال الشيخ”: يا خبيث تريد إعماءها“، قال الصوت: “من أذنها”، أجاب الشيخ: ” لا، تريد صمّها”، قال: “أخرج من بين الظـفر واللّحم من رجـلها اليمنى “، صاح: ” الماء”، فجيء بإناء وضع فـيه رجل كارولا، وبدأ يتمتم وهي ترتعش غائبة عـن الوعي، وبعـد برهة اسـتفاقت، وكأن شيئا لم يكن، فيما سالي قـابع في أعلى القبّة يلتهم موزه، ويقوم بحركاته البهلوانيّة من حين لآخر غير عابئ بما يدور حوله، والبخور يغطّي المكان.
ازداد صيت الشّيخ سلمان انتشارا لأن زوجة رئيس الجمهورية العـظمى، اختمرت في “حضرته” وهي من مِلّـة أخرى، وازداد سالي هيجانا، فلا يكاد يستقرّ على الأرض، يتنقّل من نخلة إلى أخرى، وازدادت أمّه حزنا عليه.
نصحت بعد ذلك بمجنون المنطقة، فهو أقوى ولي صالح على الإطلاق، فزارته، فانبرى إليها بعض الدراويش المستثمرين لجنونه مرحّبين ومهلّلين، وجالسها شيخهم طويلا ليستمع إليها تشكوه حرقتها على ابنها البكر، واستعـصاء شفائه رغم المحاولات، فطمأنها أنها ستجد ضالّتها عـند مجنون المنطقة، ولكن عـندما لا يحصل الشّفاء؛ فذلك قـدره الذي لا يمكن تغـييره. طلب منها إحضاره وقت صهيله، على أن يتمّ مئة صهلة لا تزيد ولا تنقص، وأن تأتيه كل يوم بكيلوغـرام من اللّحم المشوي دون عظم، مقطّعا إلى قطع صغيرة؛ لطعام مجنون المنطقة، لاحظوا ازدياد حدّة صهيله في تلك الأيّام، وعـزوا ذلك إلى إحساسه بسالي، واستبشروا بقرب شفائه حتّى قبل أن يتم المئة صهلة، وباتوا ينتظرون الشّفاء كل يوم، إلا أن المائة يوم انقضت والممسوخ لا يزال على حاله، واكتشفوا أن احتداد صهيل مجنون المنطقة كان بمفعـول اللّحم المشوي، الذّي كان يلتهمه في شره بيديه الاثنتين كعادته، وكذلك بمفعول اللّحم الآدمي الرّخامي الفتّان لجمال كارولا، فهو كلّما يرى الجمال يزداد صهيلا.
كالعادة لم ينفع هذا الدّواء أيضا، واستسلمت كارولا للقدر المحتوم، ليس استجابة لنصيحة الدراويش، وإنما لتيقّنها أنها حالة لا شفاء منها، وبالتّالي لا بدّ من معايشتها، ولا فائدة في إضاعة الوقت فيما لا ينفع، ونزعت عنه أحجبته، ورمت بتمائمه، ورجعت إلى حياتها القديمة، حياة الاهتمام بالموضة وأنشطة الجمعيّات الخيريّة، ولكنّها بقيت ناقمة على زوجها، متجنّبة أي لقاء به، وهو يحوم حولها متقرّبا منها، ولكنّها لم تعبأ بمحاولاته، ولم تلتفت إليه، فالتجأ إلى سي الساسي يشكوه حاله في جلسة وديّة خاصّة، وطلب منه صراحة التوسّط لحلّ هـذا المشكل. قبل سي الساسي العرض وقابل كارولا، واستطاع إقناعها بالصّفح عن زوجها، ورجعت حياتهما إلى سالف عهدها، وانهالت بعد ذلك المشاريع على روضة القائد، ثمرة لهذا المسعى الذّي تُوّج بالصّلح وبالنّجاح، فتحوّلت في ظرف وجيز إلى أكبر قطب صناعي عالمي، وسمح رئيس الجمهورية العظمى؛ بإقامة مشاريع كانت حكرا على دولته العـظمى، لا يمكن السّماح بإفشاء تقنياتها لأحد.
كان الدّكتور خليل متألّقا في سهرته بقناة “آفاق المعرفة”، لوسامته ولعـذوبة حديثه. أصـرّ المنشّط عـلى حضوره السّهـرة بزيّه الرّياضي، علاوة على مفاجأة أعدّها مع الزرزور، الذّي قـام بسرقة رسالة من أرشيف الدّكتور خليل، أيّام المراهقة، كتبهما، ونسيها، ولكنّ الزّرزور بالمرصاد، وهـي رسالة كتبها لفتاة مجهولة، قرأ الزرزور الرسالة وهو في غرفة أخرى، وهي كالآتي: من أعماق النّفس أكاتبك
من ذكرى تلبّدت في مخيّلتي
وعلى إلهام هذه الذكرى / الأمل أكاتبك فأقول:
إنّه من قبيل التحدّي، الذّي أفرضه من نفسي على نفسي، أن أتجاسر على الكتابة إليك، لكنّ النّار المتّقدة في أعماقي، الملتهبة في أوصالي، أرغمتني على خطّ هذا المكتوب، وإرساله إليك، ضاربا التحدّي لكـلّ التّقاليد الاجتماعيّة البالية، التّي تخنق كل عاطفـة جيّاشة، ترنو الى حبّ عذري، طاهر ونزيه من كلّ أغراض عرضيّة نفعيّة، فكانت الكلمات تنساب على لساني، سلسبيلا مرّا مرارة الحنظل، فتخنقـني العِبَارات أحيانـا، فتنزل العَبَرات لزجة حارّة حرارة شوقي إليك وتعـطّـشي لامتلاكك، كما امتلكت كياني و أسرته، وشعرك الحريري الأسود المسترسل على كتفيك، وقامتك السّامقة، وكحل عينيك، ورفيف أهدابك، وكلّ ما فيك يهزّني ويدفعني دفعا للرّكض وراء سراب كالطّيف، يلوح لنا عن بعد، ويغرينا بامتلاكه، ولكنّه في الحقيقة خداع وزيف … وسراب.
لقد هزّني الشّوق إليك رغم قربك منّي، فتنامى وجعي منك، فكنت شاغلي الذّي استغرقني، فذوى جسدي هياما وعشقا ووجدا، فأصبحت كالشّمعة تحترق فتذوب… ثمّ تندثر.
لقد بحثت عنك فِـيَّ، ونقّبت سجلّات الّزمن الحاضر والغابر والآتي، عن ذكرى حالمة، عن قصّة تـشبه قصّتنا، فلم أعثر على شبيه لنا، يا نوري، ويا أملي الذّي يرغّبني في الاستمرار والتحدّي، أتمنّى أن أحظى بقربك؛ لأحسّ بارتعاشة أنفاسك، بتدفّق الدّم في شرايينك؛ عساني أجد عزائي فيك منك، وفي الختام، أرفع لكِ سلام عاشق لوّعه الهوى؛ فنخر النّفس وكوى؛ فاندثر الألم واختفى…وكفى.
أكتب لك هذه الرّسالة، بكلّ لغات العالم وكتاباته عبر التّاريخ، بدءا بالكتابة المسماريّة. لقد تشرّبتـك مسامي، فاندبغت في نفسي، وشْما يشِمُني، ووسْما يسمني ويميّزني عن كلّ الخلائق، أكتب إليك هذه الرّسالة وقد تقدّم اللّيل، ومضى ثـلـثه أو نصفه أوانقصي منه قليلا، وقد سكن إلا من نباح الكلاب وصقيع الديكة تارة بعد أخرى؛ فيما أنا متسربل بالظّلام أنوء بحَمْـل أحمالي التّي انقـضت ظهري، وأنا أخط لك هذا المكتوب فتغيم الدّنيا من حولي، فلا أعود أرى غير صورتك، ولا أسمع إلا صرير القلم.
فوجئ الدّكتور خليل، وعرف أن الزرزور وراء ذلك، كانت هذه الرّسالة، بمناسبة زيارة ذلك الرّجل، المتيّم بفتاة لا يعرفها، والذّي طلب من سي الساسي كتابة قصيدة عصماء، وعلى سبيل المزاح طلب الزّرزور منهم الكتابة لفتاة مجهولة، واحتفظ بما كتبوا.
ونشرت وكالات الأنباء الرّسالة، التّي أصبحت دستور العشّاق وميثاق المحبّـيـن، وأضافت قصة مجنونة لقـصص المجانين المعروفين.
كان للرّسالة الأثر الكبير على الصّبايا في العالم، حتى إن خطوط الهاتف لم تهدأ لحظة منذ بداية السّهرة، وقال العاملون عليها، إنّهم تلقّوا مكالمات حتّى من أدغال إفريقيا النائية القصيّة، وسمعوا فسيفساء من الأغاني والأهازيج، المسبوكة بالدّموع والفجيعة والأشجان المعتّقة الكامنة في قرار الأنفس، أهازيج كأغاني الجن، تجعل الدّمع يشخب من دون تبيّن الكلمات، وتسري في البدن سريان الكهرباء، وقالوا إنهم عرفوا لغات كثيرة، لأنّ الدكتور كمال يشترط ثلاث لغات عند التوظيف، على أن يكمل الموظف لغتين في أكادميّته، التّي أنشأها في قناته، ولكنهم لم يعرفوا أغلب ما سمعوا لكثرة اللغات التّي هاتفت، كما سمعوا همهمات مصحوبة بنفخ، كالنّفخ في القرون، وولولات للنّسوة، إضافة إلى ترديد جماعي لكلمة “كليل” (يعني خليل) ، فعرفوا أنها أغان من أدغال إفريقيا، دون أن يتبيّنوا معنى الكلام.
زبيدة الذّائبة، صحافية بارعة، من ركائز قناة آفاق المعرفة، لها حضورها المتميّز، خاصّة في السّهرات المباشرة، كما لها جمهورها العريض، الذّي ينتظر طلعتها البهيّة بكل شغف، رغم وجهها الذّي يشبه وجه دمية، عيناها ضيّقتان ومستديرتان، وفمها وأنفها صغيران، وشعرها شديد السّواد، لكنه غـليظ كأنه من ليف. كانت مرهفة الحس غزيرة الدّمع؛ تبكي لأبسط المشاهد الدراميّة، وتعاني من مشكلة في النّطق، حيث تلثغ الراء؛ فتنطقها “ياء”، وكانت تردّد دائما، عندما يعترضها مشكل من المشاكل، أو صعـوبة في العمل:
-يا يَـبّي، يا يـبّي، إيحَمْـنا من هذا العذاب.
ولا تَعـبّر عن غضبها إلا بذلك. ذابت عشقا في الدكتور كمال، الذي لم يُعرها أي اهتمام، ولم يتفـطّـن لتلميحاتها، ولتبرّجها أمامه، ولعـطرها الجذّاب، الذي تنتقيه بعناية.
الدكتور كمال لا يعـرف من الدّنيا، غـير العـمل وزوجته، التّي كانت زميلته في مختبر للبيولوجيا، لأنها دكتورة مثله في هـذه المادة، كانت مهووسة بتجاربها، لا يشغـلها شاغـل عن ذلك. تكاملا في العـمل، تفهمه ويفهمها من دون كلام. ألفها وألفته، ولكن لم تتجاوز علاقـتهما حدود العمل.في يوم من أيّام الشّتاء، دخـلت متورّدة الخدّين والشّفاه، بفعل البرد ولجمالها، نظر إليها وكأنّه يراها أوّل مرّة؛ فحرّكت فيه غرائزه الكامنة، والمختبئة وسط محاليله الكيميائيّة. قبّـلها ولا يدري كيف فعل ذلك، فاستجاب معـدنها للطّـرْق، وجارته دون معارضة. انفجر بركان داخله، وتأجّجت ناره الخامـدة. لم يكن يعـرف أن للأنثى كيمياءها أيضا، لم يعـد يقوى عـلى فراقها، ولمّا أراد أن يتجاوز في عـبِّه من إفرازاتها الكيميائية، صدّتـه، ولم تحضر في اليوم الموالي للعـمل، فأظـلمت الدّنيا في عـينيه، ولم يستطع العمل، خرج دون استئذان، جلس في المقهى، لكن طيفها ظـلّ يلاحقه، قام مسرعا إلى دارها، وطلب منها الزّواج دون مقدمات، فوافقت في الحال دون اعتراض. كان يحبّها رغم تحجّـر إحساسها، فالدّنيا عندها مختبر كبير، تحكمها معادلات كيميائيّة. كانت لا تهْـتم كثيرا بمظهرها، وعندما ينتقدها، تقول له، دعـك من الأعـراض فالمهم في جوهـر الأشياء. في بعـض الأحيان يشتدّ به الغـضب على إهمالها، فيتخيّل أنّها تعاشره وكأنّه فأر في مختبرها، فأر أصلع مثله، يقوم للمرآة عند تذكّر “صلعته”، يمرّر يده؛ فتنزاح الشّعيرات الرّقيقة الموجودة على الأطـراف، والتّي يحاول جاهـدا مشطها؛ لتغـطيتها؛ فتتناثر مع أدنى هبّة نسيم. يقول:
-هذا خلق الله، ولا اعتراض على خلقه.
كانت تؤرقه رائحتها؛ لإدمانها على شرب الحلبة، بعـد مشاهدتها لبرنامج تلفزيوني، يعـدّد منافعها، فتطفح على جلدها، وتفوح مع تعرّقها. كان ينهرها عن ذلك، ولكنّه لم يقو على فراقها أو التفكير في خيانتها، رغم أنّها لم تستجب لتقريعه، وواصلت شرب الحلبة.
تقول له:
-إن كلامك لاذع كحامض النيتريك.
يقول:

أغرقيه في حِلْبتـك، فسوف تقلّ حموضته.
فتضحك من كلامه، ويضحك من ضحكها، ويقوم إليها، تدفعه في رفق وفي غنج قائلة:
-اتركني، فإن رائحتي حلبة.
ثم تحيط عـنقه بذراعيها.
يقول لها:
-إنّي أحب الحلبة، والبصل والثوم أيضا.
فتقول:
-منذ متى يا فأري الأقرع؟
فيقوم كالطّفل الصّغير إلى المطبخ، ويحضر بعـض الحلبة المطحونة في كأس، ويشربها أمامها، وهو ممتعـض، يقترب منها، بعد ذلك. تتهرّب منه في غنج، وتبعده في رفق قائلة:
-ابتعد عنّي، فإن رائحتك مشوبة بالحلبة.
يودّ لحظتها أن يدسّها داخل قفصه الصّدري، فيخبّئها عن العالم، ويحميها حتّى من النّسيم، لكي لا يؤذيها، لأنّه يرى فيها جوانب عظيمة من الحنان والرأفة وحسن المعاشرة، إضافة لاحترامها الشّديد له. ولا يزال يحتفظ بصورة خدّيها المتورّدتين، وطعـمها البكر الذّي أسكره، ولا يزال في إدمانه لا يجد له شفاء، ولا يبحث عنه أصلا. يعود لنفسه يقرّعها على ظلمها لحبيبته، وعدم صبره عليها.
صُدمت زبيـدة بحصن منيع، فلم يشعر حتّى بتلميحاتها، لأنّه لا يرى من النّساء غير ذات الخدّين المتورّدين رغم حلبتها.
نشأ الدكتور خليل في كنف خاله الساسي، الذّي كفله وأمّه بعد موت أبيـه، إثر مكابدة طويلة مع الألم، لا يزال يذكره، وهو يرغي من شدة الألم، وأمّه تذرف الدّمـع الهتون لا تستطيع له شيئا. ما عرف أباه إلا مريضا يتألّم، ترمّلت أمّه وهـي في شبابها، فعزفت عـن الزّواج؛ لتهـبه حياتـها شمعـة تضيء له دياجير الحياة، وغمـامة تظـلّله وتحميه من لـظى الزّمان الغادر، انتقـم لذكـرى والـده، ولتضحيات أمّه بدراسة الطب والنبوغ فيه، كـان مشهـورا بين زملائه بدقّـة التّشخيص.
كانت دارهم لا تخلو من الزوّار، لتلقّي العـلاج المجاني تنفيذا لوصيّة أمّه، بأن لا يبخل بعـلـمه على أحد، وخاصة ذوي الحاجة، وألّا يوصد بابه أمام طارق، وألّا يردّ محتاجا قـصـده، لكنّه لتنظيم وقته؛ حدّد أوقات الزّيارة في الصباح من السّاعة السّادسة صباحا إلى الـسّاعة التّاسعة، الوقت الذّي يتجه فيه إلى عمله في عيادته الخاصّة أو إلى التّدريس في الجامعة. ويـزور العجزة في بيوتهم، ويخصّص ثلاث أمسيات للعمل داخل المستشـفيات العموميّة متطوّعا دون مقابل، وذلك أضعـف الإيمان، كما يقول.
الدكتور خليل كما يحلو للأهالي تسميته، وسيم وجذّاب، شعره أسود غطـيس يحمل فرقة على الجانب الأيسر دائما، عيناه وحاجباه المـعقودان، سوداوان سوادا فاحما في اتّساع، عريض الصّدر ضامر، ومشدود العضلات، ممشوق القوام، طويل القامة، مرفوع الهامة، أسمر سمرة خفـيفة، الصبايا يتلهّفن لرؤيته، ويفتعـلن أبسط الأسباب لزيارته في العيادة، أو سؤاله وهـو مـار من الشّارع عن أي شيء، ولكنّه كان عفيف النّفس طاهرا كأمّه، لم ينزلق إلا مع بنت أستاذه، كما أنه ما كان له أن يقامر بسمعة أهله، والقرية لا تخفى فيها خافية. لقد استغرقه العمل في المستشفى وفي الدّار والتّدريس في الجامعة، وكان متنفّسه الوحيد الجلوس مع أهله، أو الخروج مع سالم بعض الأحيان إلى المقهى، فتتحوّل جلسته إلى عيادة في البداية، إلا أن النّاس احترموا جلسته، فكفّوا عن استشارته في المقهى وقت راحته، فلا ضرورة لذلك طالما أنّه لا يرد أحدا في داره.
كان مسكونا بـطيف قـدّه من خياله، فعاش مأسورا به، يتلذّذ بلظى العشق والجوى يكوي الأضلع، سكنه الطّيف منذ الأزل، فهام بها غزالا يرتع في الصّحاري الممتدّة إلى الأبد، فراشة متنقّلة بين مختلف ألوان الزّهور، تأتيه في يقظته وفي منامه، فيزيد حضـورها من لوعة غيابها، فتكويه النّار في الجؤجؤ، تهمي عيناه، فيهطل الدّمع الهتون ودقا، يحنّ إليهـا حنينا جارفا يمخره في الأعماق، يراها في تلاوين الجمال المختلفة، يراها فـي باسقات النّخل، شموخا واخضرارا دائما، كما يراها في الدّيمة السّكوب، يراها في الطـلل وقد علا الزّهور في بكرة الصّباح، و في رقرقة الماء وخريره، وفي تهاويل الرّبيع وزرابيّه، تزهـر نفسه عـند تذكّرها، ويصبح كعـود العـنبر يضوع طـيبا والنّار تحرقه.
تكشّفت له مفترّة عن ثغـر باسم خـمسا، فرأى صورة واحدة على هيئات مختـلفة، رأى فيما يـرى النّائم، خيوط الحرير الفاحم منسدلة من رأسها، عيون المها في زرقـة السّماء، تـرفّ أهدابها كجناحي طير ذبيح، سمراء مثله سمرة خفيفة، ممشوقـة القوام، مصقولـة العوارض، يتثـنّى جسدها عـند مشيتـها على أنغام معزوفة مـن عالم الخيال، أتـته مخضّبة بحنّائها الدّاكنة، تزيّنها رسوم ” الحرقوص ” عـلى جبينها ويديها ورجليها، وقد عبقـت الدّنيا لقدومها طيبا، تفوح بكـلّ روائح الزّهـور العطرة، التّي ترافقها في حلّـها وترحالها بالتّناوب.
تكشّفـت له في البداية مُفترّة عن ثغر باسم كالبرد، على هيئة ملكة تجلس عـلى عرش، وقـد أحيطت بهداهد ذكيّة الرّائحة-على عكس الواقع-وشعرها الحريري تلعـب به الرّيح، وقـد وشّتـه عصافير صغيرة تزقزق كـلّ حين. شمّرت ثـمّ عن ساقيها، وقالت:
-أنا بلقيسك يا حبيبي، أتيتك وقد هزّني الشّوق إليك.
في المرّة الثّانية، أتته بلباس فرعوني مكسوّة بالذّهب والزمـرّد، وقـد شكّل الطـير أهرامات من حولها قالت:
-أنا كليوبتـرا، أتيتك يا حبيبي لمّا ناديتني تترى.
في المرّة الثّالثة، أتته متسربلة بالسّواد والشّعر الفاحم منسدل عـلى جسدها سبطا؛ فزادها سوادا على سواد،كان وجهها مشرقا كنجمة تلمع في اللّيل المدلهمّ، وهي تطلّ من هودجها، على ظهر بعـير أبلق، وقـد أحاطت بـها كوكبة من الفرسان، يتقدّمهم الشّعراء، الذّين يتبارون بالشّعر، فنصبوا أمامه سوق عكاظ فعرفهم جميعا، وسّـره خاصّة لقـاء الشّعراء الصّعاليك، خاصّة الشنفـرى وتأبّط شـرّا، ولكنّه على ما يذكر حين استيقظ، أن تأبّط شرّا، كان يتأبط إكليلا من الزّهور البريّة، مختلفة الألوان شذيّة الرّائحة، يحوم حولها النّحل والعصافير، مشكّلين أشكالا بديعة، ورقصات خلاّبة وأصواتا عذبة، فلم يسمع للنّحل طنينا، بل سمع زقزقة كزقزقة العصافير، فأصبح يسمّيه حين يذكره في حديثه بـ”تأبّط زهـرا”.
قالت له:
-أنا ليلاك يا حبيبي، يا رشيق القدّ قد قوّست قـدّي، فاستقـم فـي الهـوى، وافـرغ، فـقـلبي شاغـل الأشغال غال.
عـرف في يقظته أنه بيت مـن قـصيدة الطنطرانيّة.
فـي المرّة الرّابعة جاءته مكسوّة بلباس قرطاجي، وهي تجلس عـلى جـلد ثور، وقـد عـقصت شعـرها جدائل تُزيّنها العصافير كالعادة.
قالت:
-أنا عليستـك يا حبيبي، أتيتك وقـد حملـتني أشرعة الهوى إليك، فضُمّني إليك.
كانت زرقاء العينين من بين المشاهدين لسهرات تقديم البحوث بقناة آفاق المعرفة، وخاصّة سهرة الدّكتور خليل صديق والدها الحميم، انّها تعرفه من خلال حديث والدها عنه، ولم تلتقه بعد، لقد شدّها بحثه وما سوف يقدّمه للانسانيّة بالقضاء على أمراض مستعصية، لم تكن تعلم أنه بهذا القدر من الجمال والهدوء، لقد شغفها فأصبحت تتحرّق لزيارتهم. ولمّا رآها، رأى فيها الطّيف الذّي عشقه من قبل.
تمثّل بحثه في تقديـم علاج طبيعي، لخمسة أنواع من أمراض العيون، إضافة إلى اختراع لقاحات، تجنّب وقوع بعـض أمراض العيون المستعصية، ولكن تحضير هذا اللّقاح يتطلب مخابر متقدّمة؛ لذلك طلب مباشرة من رئيس الجمهوريّة العظمى تمكينه من ذلك. بارك هذا الأخير المشروع، وفي الحال طلب من وزير الصحّة تركيز مجموعة من المخابر، ووضعها تحت إشراف كفاءات روضة القائد، ومن ينضم لهم من علماء العالم، لتكون قطبا يشعّ بالصّحة على الجميع، كما غيّرت العالم بعد طفرة الجلد المباركة. هـمّ بسؤاله عـن امكانية ايجاد علاج للمسخ، وهل السّبب يعود لنطفة الأب، أم إنه مرض يصيب المولود، ولا علاقة له بالوالد. كان يفكر بمزيد الإنجاب من كارولا، خاصّة بعد أن تصالحا إثر توسّط سي الساسي بينهما. كانت هذه الأسئلة تدور بخلده، ولكنّها ظلّت حبيسة نفسه، لم يستطع البوح بها لأحد.
يقول في نفسه:

هل المسخ خاصيّة جينيّة، تصيب كافّة نسلي، أم هي لعنة وعقاب على ذنوبي الكثيرة، في حق الشّعوب وحق الطّبيعة؟
يضيف:

لا أعتقد أن يكون خاصيّة جينيّة، فهناك من مسخ قبل هذا، ولكن نسلهم بقي عاديّا.
ظلّ على تلك الحالة من التردّد والوساوس، الى أن انتفخت بطن كارولا، فلم تكن تحمل وساوسه، وسلّمت أمورها لتدبير الله، عسى أن يعوّضها عن لوعة ابنها البكر، بمولود سويّ في أبهى صورة، ولكن زوجها لم يكن مطمئنا كاطمئنانها، يترقّب لحظة الميلاد بخوف شديد، فهو مثلها يحب الأبناء، ولكن يخشى أن تكون خاصيّة المسخ متركّزة فيه، ويكون بين أمرين أحلاهما مر، فإما أن يلد نسلا ممسوخا، أو أن يُحرم من النّسل، وهو لا يريد لا الأولى ولا الثّانية، وإن أجبر على الاختيار بين الحلّين؛ سيختار أن يبقى بلا نسل، على أن يخلّف ممسوخين يذكّر آخرهم بمن سبق، وخاصّة رأس السّلالة سبب ميلادهم.
أدركها المخاض وهي في زيارة لعائلة سي الساسي، فأسرعوا بنقلها للمستشفي، الذّي بناه زوجها هديّة لروضة القائد. ولدت في يسر، وأطلّ منها صبيّ بهي جميل كأمّه، ولم يسمع زوجها إلّا بعد وضعها، وسأل من زفّ إليه الخبر:
-هل المولود قرد؟
استغرب المسؤول من سؤاله، الذّي بدا له غريبا، ولكنّه أخبره بأنّه طفل بهي الطّلعة. حمد الله كثيرا، وأسرع للوقوف على ذلك بنفسه، فوجده طفلا جميلا، واحتفاء بهذا الحدث العظيم، أمر ببناء مستشفى في كل بلد فقير، وتجهيزه بأحسن التّجهيزات، ومدّه بأحسن الكفاءات ليجنّب النّساء آلام المخاض، ويقضي على الأمراض.
وجدت زرقاء العينين لرؤية الدّكتورخليل، خضّة النّظرة الأولى، وسريان العشق، ارتسم فـي ذاكرتها وكأنّها تعرفه منذ الأزل، لم تفارقها صورته، التّي طالما تخيّلتها في ليالي السُّهد، وهي جالسة على روْشنها بألمانيا، وقرّرت أخيرا زيارتهم.
اندمج الدّكتور أدلار مع الأهالي وكأنّه واحد منهم، تقاسم السّكن مع الدّكتور خليل، فكان له خير صديق ومعـين في بحثه؛ لإجادته اللّغة الألمانيّة والإنجليزيّة الضروريّتين في بحثه، كما وجد الدفء العائلـي والاحاطة من عائلة سي السّاسي وكأنّه واحد منهم.
توفيّت زوجته، فكرّس حياته لابنته زرقاء العينين، فكان لها أبا وأما وصديقا. كان يشغله عزوفها عن الرّجال، وحزنها الدّفين، الذّي قرأه فـي أعماقها، والتّي حرصت كلّ الحرص على اخفائه. وحرص كلّ الحرص على إحاطتها بحنانه، محاولا تعويض أمّها التّي لم تعرفها. سخّر لها حياته، ولم يتزوّج. كان جرحه عميقا، لم يفلح الزّمن في تضميده. بقيت ذكراها حيّة تؤرقه، ولم يفلح في نسيانها. كان يشغلها صمته، والحزن العميق الذّي يبدو على محيّاه، والذّي يجتهد في إخفائه؛ باصطناع ابتسامة دائمة، ولكنّها ذاوية، وكانت تعرف آلامه، وعمق الشّرخ في نفسه، فتمنّت أن يصادفها من يحبّها بهذا الشّكل، لقد حسدت أمّها على هذا الحب العميق، وهذا الاخلاص، ولكن دون مأساة.
لم يستطع تجاوز ذكرى والدتها. لقد ماتت في حادث سير، ماتت وهما بصدد إحياء ذكرى عيد زواجهما، كانا في قمّة النّشوة والفرح، والصّغيرة “زرقاء العينين” تصطخب. لا يزال يذكر دمها يجري بين ذراعيه، زهد في الدنيا، ولم يفكر في الاقتران ثانية. كان يحبّها حتّى النّخاع.
كان يسفح دموعه عـندما تستبدّ به ذكراها، فينعـزل عـن النّاس، وقد لاذ بروضة القائد هروبا من ذكرياتها، حثّته ابنته على تغيير المكان، عساه يستطيع النّسيان؛ فاقتاده القدر إلى روضة القائد، وكان قد درس اللغة العربيّة، كان يعرف بصعوبة الحياة فيها، ولكنّه لم يأبه لحرارتها، ولا لرياحها القويّة ولعقاربها وأفاعـيها السّامة، وجد من فراغها متّسعا لحزنه، حيث تسرح عيناه بعيدا إلى حدود الأفق، لا يردّها شيء. تسنّى له مشاهدة الشّروق والغروب بجلاء. كان حريصا أشدّ الحرص على مشاهدتهما، فيصعد إلى جبل قريب من مسكنه، كان يمر على مجنون المنطقة في طريقه إلى الجبل، وقت صهيله قبل الغروب بقليل، فزع منه في البداية، اذ لم يشهد في حياته رجلا يصهل مثل صهيله، من يسمع صهيله من بعيد يحسبه جوادا عربيّا أصيلا، وكأن ذاكرة المجنون تختزن ذكرى الأمجاد والعزّ والرّيادة، أيّام كانت الجياد العربيّة تصهل في أقاصي الأرض، تحمل على ظهورها التغيير للعالم، والآن حين سكتت، صهل الرّجال من الظّلم والقهر، لا يعلم لماذا يثير فـيه مجنون المنطقة هـذه الذّكريات ودروس التّاريخ، تاريخ الفاتحين، وذكريات الباحثين في عـلوم الشّعـوب وتراثهم، والنّاقلين لتجارب الإنسانيّة مثله. وجد الهدوء والسّكينة وامتداد الفضاء، وجد الأنس ودفء العائلة، كان محاطا بالجميع بلا استثناء، يتسابقون لتقديم الطّعام إليه، انسجم معهم من يومه الأوّل، فشاركهم طعامهم وحياتهـم، واكب أشغالهم الفلاحيّة، ووقف عـلى شقائهم وتعـبهم في تعاطيها، ثم قدّم لهم أروع هديّة، أعمل عقله بعد قيامه ببحث ضاف حول النّخلة. كان أوّل من يبحث فيها بحثا علميّا معمّقا بهذا الشّكل. ألمّ بكل خصائصها، واستعان على ذلك بمخابر متقدّمة كلّفته سفرات عديدة، وكلّل سعيه، الذّي اعتبر إقلاعا بالفلاحة في المنطقة، وقد قُدّم في قناة آفاق المعرفة، فرح به الفلاّحون أيّما فرح، لأنّه جنّبهم المعاناة، وزاد إنتاجهم. لاحظ صعوبة التّعاطي مع النّخلة، فابتكر بإعانة أصدقائه، سُلّما آليّا سَهْل الاستعمال وبخس الثّمن، بفضله تسنّى حتّى للعجائز الصّعود إلى النّخل، وجنّب الفلّاحون حوادث الّسقوط المتكرّرة التّي أودت بحياة العديد منهم، وأعاقت الكثيرين. كما اخترع لقاحا يقي الصّابة من ضرر الأمطار، دون اللّجوء للغلاف البلاستيكي، لصعوبة تثبيته على العراجين. كما ابتكر طريقة لتأبير النّخل؛ باستعمال إبـرة تضخّ حبوب اللّقاح في عروق النّخيل، وحدّد الكميّة، وأعدّ المحلول، واخترع أدوية تعالج أمراضها، وقام بإنشاء مركز للبحوث والتّجارة يُعنى بكل شؤون النّخيل، كالإنتاج والتّرويج، وكانت صابة تلك السّنة نموذجيّة من حيث الكميّة والجودة، إذ كانت بيولوجيّة خالصة. قدّم لبحثه بجمل مقتضبة، والدّموع تنهمر من عينيه.
قال:
-أقدّم بحوثي ومخترعاتي، إلى من أحبّوني وغمروني بعطفهم، إلى أهلي بروضة القائد، إليكم أقدّم ثمرة مجهودي.
كان مقْدمه، مقْدم سعـد وبركة، غيّر تاريخ الفلاحة، فأحبّه السكّان إلّا الحاج عبد السلام عبد السلام، أو الحاج مكرّر كما يكنّيه النّاس. كان كلما ذُكر أمامه الدّكتور أدلار غضب وعبس وجهه، وقال:
-ذلك الألماني عـيون الكُجّة، ما دخـله في النّخلة.
ثمّ يسكت قليلا، ويضيف كلاما غير مفهوم، وهو يكِزّ على أسنانه. احتار النّاس من موقفه لغرابته، وشذوذه لأنّ فضل الدّكتور أدلار كان على النّاس جميعا، والحاج مكرّر أوّل المنتفعين، فهو دائم التذمّر من أجر العمّال وغلائه وضحالة مردود النّخيل.
ظنّ البعـض، أن السّبب ربّما يعود لعنصريّة الحاج مكرّر، وكراهيّته للألمان، أو انتمائه لليمين المتطرّف. ولكن في روضة القائد لا يوجد يمين ولا يسار، ولا يتطرّف اليمين في العادة إلّا ضدّ العـرب.
تقصّى زمرة من المشاغبين الأمر، يقودهم الزرزور، فسألوا جيرانه، مفصحين لهم عـن شكّهم في تطرّفه وكراهـيّته الألمان، فضحكوا من تصوّرهـم مؤكّدين لهم أن الأمر لا يتعلّق بعنصريّة، ولا بيمين ولا بيسار، ولكنّه يعـود إلى تُبّان زوجـته زاهـية.
استغـربوا من كلامهم، فما علاقة الدكتور أدلار بتبّان زاهـية، فـلـو كانت صغيرة في السنّ لخامرهم الشكّ، في إمكانية إقامته عـلاقة معها، ولكنّها عـجـوز.
فـسّر لهم الجيران قائلين زاهـية لا ترتدي تبّانا في العادة، ولكنّها كانت مستورة عـلى الأرض، ولكـن بعـد اختراع السلّم الآلي من طرف الدكتور أدلار؛ أصبحت تصعـد للنّخلة ولا تكاد تستقرّ عـلى الأرض. وصادف أن رفع الحاج مكـرر رأسه فـرأى ما هـاله، بانت له سوأتها، لأنّها لا ترتدي تبّانا كالعادة، فناداها وأمرها بالنّزول، وبما أن سمْعها ثقيل، اضطرّ إلى الصّياح مُـكرها. فسألته عـن سبب نزولها، فاضطرّ إلى إخبارها، وسبّ الدكتور أدلار الذّي تسبّب في ذلك، إذ اخـترع هـذا “الجني”)يقصد السلم الصناعي) سبب البلاء، فقبله لم تكن زاهية تستطيع الصّعود إلى النخلة، فهي لا تكاد تستطيع السّير على الأرض. كان يردّد مع كلّ سبّة يسبّها للدكتور أدلار:
-قـبله كنّا مستورين، عـيون الكجّة ذلك الألماني ما دخله في النّخلة.
سمع الجيران سبّه المتكرّر، وترديده الدّائم لهذه الجملة، واستنتجوا، أنّها هي الجملة التّي يردّدها بصوت غـير مسموع، وهو يكز ّعلى أسنانه في حضور النّاس، لا يستطيع أن يجهر بها، لعلمه بحب النّاس للدّكتور أدلار وسترا لزوجته، هو أيضا لا يكرهه، بل غاضه هتك ستر زوجته، التي طارت ولم تعد تستقرّ على الأرض، بعد اختراع الآلة الجهنميّة، كما يسمّيها أحيانا أخرى.
ومنذ اخـتراع السلّم، أصبحت هـذه معـركتهما اليوميّة، لأنّها تـنسى دائما ارتداء تبّانها، رغـم تذكيره لها، ممّا اضطرّه إلى حمل تبّان معه، وتفقّدها قبل صعودها، وإرغامها على ارتدائه، وفي أغلب الأحيان يجدها قد سبقته، فيبقى كعادته تحت النّخلة يصيح، ويأمرها بالنّزول، ويسبّ الدكتور أدلار، وهي في شغل عنه، لا تسمع أغلب حديثه لثقل سمعها.
ضحكوا لمعرفتهم الحقيقة، وقاموا بإرسال ستّة أزواج من تبابين النّساء إليه، فيها الوردي والأزرق والألوان المحبّذة لدى النّساء، مع تحياّت الدّكتور أدلار واعتذاره. ولكنّهم لاحظوا أنّه أصبح يجلس تحتها مباشرة وهي في الأعلى، بعد ارتدائها لتلك التبابين، مع استفافه كلّ حين لمسحوق، رجّحوا أنّه مسحوق أعشاب مهيّجة، ولكنّ الخصام تواصل كالعادة، ولم تقطعه هديّة التّبابين، واصلت المجموعة استقصاءها عن سبب تواصل الخصومة، فعرفوا أنّ السّبب يعود للون التبّان الذي ترتديه زاهية، إذ يروق للحاج مكرّررؤيتها في التّبابين الزّرقاء أو الورديّة، وهي لا تعـرف الألوان، وتـلبس ما يصادفها. يصيح بها في غـضب -دون سبّ الدكتور أدلار الذي كفّ عن سبّه بعـد هدية التبابيـن-عـندما تـلبس ما لا يُحب:
-أين تبّانك الأزرق؟ ولكن دون همهمته المعتادة.
لاحظوا كذلك أنّ الحاج مكرّر أصبح يصعد بدوره إلى النّخيل، ولا يكاد يستقرّ على الأرض، وتواصل الخصام بسبب دور الصّعود هذه المرّة، فهي تريد الصّعود كعادتها، وهو قد راقه الصّعود أيضا، فلم يعد يترك لها الفرصة كالسّابق، فتدخّل الدكتور أدلار من جديد، ليهدي لهما سلّما آخر؛ لينهي الخصومة بينهما، ولكن الخصومة لم تنته.
استغرب الزرزور وشلّته، من استمرار الخصومة، ومن انقلاب موقـف الحاج مكرر، وصعوده إلى النّخيل بعد هديّة التّبابين. فما علاقة التبابين بصعود الحاج مكرّر؟ ولماذا استمرّت الخصومة بعـد هدية السُلّم؟ كالعادة قاموا باستقصاء الأمر، للوقوف على تفسير لما يقع، فزاروا الحاج مكرر، الذّي كان كعادته يدور فـوق النّخلة، وكان يلبس جلبابا. وقـف الزرزور تحته مباشرة، فشاهد الحاج مكرر يلبس تبانا ورديّا، وهـذا ما شك فيه من البداية. لم يكن الحاج مكرر يرتدي تبّانا في السّابق، لذلك لم يصعد قبل هديّة التبابين إلى النّخيل، ولمّا وصلت هديّة التبابين لزوجته لبس تبّانا، وصعد بعد اطمئنانه على عورته. كما عرفوا أيضا أن استمرار الخصومة بينهما بعد هديّة السلّم، يعود إلى رغبتهما المشتركة في ارتداء نفس التبّان، فقام الدّكتور أدلار كالعادة، بارسال ستة أزواج من التبابين الرجاليّة للحاج مكرر، فقبلها دون حرج، ودعا للدكتور بالسّتر والسّعادة، وحمّل الزرزور السّلام الحار لهذا الرّجل المبارك كما سمّاه.
الحاج مكرر شديد البخل، ضنين بانفاق المال، إلا ما أكره عليه، كان خبيرا في الحيوان يعرف سنّها بفـتح فمها، كما يعـرف بعـض أمراضها، فيداويها، إما بالكي أو بالأعشاب.
انتشر خبر زاهية، وأذاعته وسائل الأنباء. نقلت أكثر المحطّات شهرة، خبرا عاجلا مفاده أن بروضة القائد، عجوزا متسلّقة، تجاوزت الستين، وأدهشت الجميع لرشاقتها، وبراعتها في التسلّق وأناقة تبابينها.
تهافتت دور الأزياء عليها، لترويج منتجوها من التّبابين النسائيّة. تفاوضت مع الحاج مكـرّر الذّي غـضب في البداية وزمجـر، فـلوّحوا أمامه بالأوراق الماليّة، ولمّا طرب لحفيفها بين أصابعه؛ وافـق قائلا:
-عجوز عقيم.
أصبحت زاهية مزهـوّة بوضعها الجديد، وشهرتها العالميّة، فهي سيّدة التّبابين الأولى في العالم. لقطاتها الإشهاريّة من أغـلى اللّقطات. تـتمطّى فوق الجريد مباعـدة بين فخذيها؛ ليظهر التبّان كما تظهر على شاشات التلفزة، قبلت بعـد ذلك ارتداءه وحده دون جلباب، إلّا الّلباس الخفيف الذّي يستر جسدها العلوي. تتميّز تبابينها بعلامة إشهاريّة لا تخطئها النساء، وتتمثل في صورة جريدة نخيل في وسطه الأعـلى من الأمام. فتنت النّساء برشاقتها، وخفّة حركتها، فلا تزال تحتفظ ببقايا جمال قديم، عيناها السّوداوان الواسعتان وقدّها الرشيق الفارع، وابتسامتها العـذبة-رغم فمها الأدرد-التّي خلبت عـقول المراهقات، فظنن أن عذوبة الابتسامة، راجعة لخلو الفـم من الأسنان، فأقـبلـن على أطباء الأسنان لقـلع أسنانهنّ؛ لاكتساب ابتسامة فاتـنة؛ كابتسامة عارضة الأزياء وسـيدة التبابـيـن الأولى زاهية.
فزعت أمهاتهن، وشكون الأمر لرئيس الجمهوريّة العظمى شخصيّا، فأمر صناع الأسنان باختراع طقم أسنان يليق بمقام زاهية. اخترع لها طقم من الذهـب الخالص، يحتوي عـلى حبر تستعمله زاهية لختم البطاقات المقدّمة إليها من معجبـيها، لأنّها لا تعرف القراءة والكتابة، فتختم بعـضّة خفيفة من أسنانها، ولكـن كثيرا ما شاهد النّاس الحاج مكرر مختوما في بعض المناطق الظّاهرة من جسمه، وما خفي كان أعـظـم.
انتقدت الصّحافة تدخّل رئيس الجمهوريّة العـظـمى، عـلى جلالة قدره في تبّان عجوز عقيم، ولكنّه سخر من جهلهم، وقصر نظرهم، بالاستخفاف من تبابين النّساء، ودورها في السّياسة التّي تمرّر عبر النّساء وتبابينها، وتعجز عن ذلك الجيوش الجرّارة.
وصل إنتاج روضة القائد الفلاحي إلى أقاصي الأرض، واستدعى الدكتور أدلار زعماء العالم لقضاء فترة نقاهة، ولحضور الاحتفالات المصاحبة لجني الصّابة، وللتنعّـم بالمياه الجوفيّة الحارّة، كان من ضمن المدعوّين نلسن منديلا والحبيب بورقيبة والدّالاي لاما وفيدال كاسترو، إضافة إلى ممثّـلين دبلوماسيين من دول العالم، إلّا أن الّصين احترزت في البداية، معترضة على حضور الدلاي لاما، فأغراها الدكتور أدلار بالتّجارة وإقامة المصانع، وأكّد لها إمكانيّة استغلال التّمور لصناعات أخرى كـصناعة “القليكوز”، ولا يهمّه ارتفاعات الأرض، لا أقصاها ولا أدناها، كما لا تهمه السّياسة -مشيرا الى قضيّة هضبة التّبت- ففي الأرض متّسع للجميع، فهي لم تضق بعـد بساكنيها، ولم تبخل في إنتاج غذائهم، رغم سوء الاستعمال، فاقتـنعت وحضر ممثّلها.
اقترح الدّكتور أدلار إشراف هيئة المدابغ عـلى شؤون الزّراعة فـي العالـم، وتوزيع المحاصيل بالعدل على كافّة البلدان، ممّا يتيح استغلالا جيّدا للمناطق القصيّة، التّي لا تزال مهجورة، أو التّي ترزح تحت جهل سكّانها، وطرقهم التقليديّة البدائيّة.
زارت الوفود معـرض التّمور الذّي أقامه الدكتور أدلار عـلى شرفهم، ولكن الموسم أوشك على النّهاية، فلم يتسنّ عرض الّا نوعين منها؛ لأنّ البقيّة تنضج أوّل الموسم، بكميّات قليلة لا تتجاوز الاستهلاك الشّخصي أغـلب الأحـيان.
لاحـظ أحد مرافـقي الزّعـيم نلسن منديلا والمنتمين لحركته، أن النّوع الأسود من التمر وهـو ما يسمى “بالعليق”،يباع أرخص بكثير من النّوع الأصفر المسمّى بدقلة النور، فاحتج احتجاجا شديدا، معـتقدا أن “العليق” يباع أرخص من “الدقلة” لسواده، واعـتبر ذلك تمييزا عـنصريا، وتجمّع حوله أنصاره، وحدث لغـط كبير، وجلس نلسن منديلا متكدّرا ولم ينبس ببنت شفة، وطلب المرافق من الدكتور أدلار الاعتذار، كما طلب من رئيس الجمهورية العظمى، التّنديد والشّجب الشديد لهذا الانتهاك العنصري، وهدّد بالانسحاب، وقطع علاقات الصّداقة التّي جمعتهم حديثا بالدكتور أدلار ومنطقة روضة القائد.
كان ضمن الموكب عـبد السلام مكرر، الذّي استفسر عن الموضوع لأنّه لا يفهم الإنجـليزية، أخبروه بالموضوع، فابتسم، وحـك رأسه، وأغـمض عـينه اليمنى، وقال:
-لولا سواد المشْك ما بيع غاليا.
سادت هستيريا من الضّحك من الذّين فهموه، والذّين لم يفهموه ضحكوا من ضحك الآخرين، رجّح البعـض أنه حفظ البيت هـكذا، وأخطأ في سماعه مـن إذاعة الـ BBC فهي من الصّحاح عـنده، ولا يعتريه أدنى شك فيما تنقله من أخبار، فجهاز الرّاديو يلازمه وخاصّة عـندما أصبح يصعد النخيل، فصار لبرامجه نكهة أخرى، وهو يحلّق عاليا في رؤوس النّخيل، جالسا على الجريد مستمتعا بالتّحليق، ما سمعه، أو يعتقد أنه سمعه من هذه الإذاعة، لا جدوى من إصلاحه، فيستحيل أن يُصوّبه وأن يصلح “المشك” بالمسك وهي الكلمة الصّحيحة، ولكنّه على كل حال أنقـذ الموقـف بتدخّله.
اسـتـفـسـر المحتجّ عـلى التمييز العـنصري فـي الثّمار عـن كـلام عـبد السلام مكرر، فترجموا له البيت الشّعـري الدّي قاله، وهـو لمـجنون ليلى في عـصر متقـدم، فـفـغـر فاه، وأُعجب أيّما إعجاب بهـذا المعنى المناهـض للتّمييز العنصري، وهـذا السّبق الزّمني، وهو دليل على عراقة الحضارة العربيّة الإسلاميّة. واتّخـذ هذا البيت شعارا لحركته، كما أخبروه كـذلك أن التّمر يباع لخاصيّاته لا للونه، وأحضروا له بعض الأنواع الأخرى حمراء وصفراء تباع أرخص من العليق.
أوحى حضور الصينين للأصدقاء، ببعض الأفكار لبرنامجهم، الذّي سيقترحونه، كبرنامج ليوتيوبيا روضة القائد، فكّروا في مشروع تربوي جمعي، يغرس ثوابت أساسيّة، في الشخصيّة لتكون من تقاليد المجتمع وعاداته، ومشتركا بين كلّ الناّس، ويتمّ توريثها من السّلف للخلف، فاختاروا رياضة الكونغفو والإسعافات الأوليّة والإكترونيك، لتصبح في المستقبل من تقاليد المجتمع، التّي يتقـنها الكلّ بداهة، وتكون من أسّ الشّخصيّة في روضة القائد.
ترمّلت الحاجّة صفيّة أم الدّكتورخليل، وهـي في عـزّ الشّباب، وعزفت عن الزّواج، وكبتت رغـباتها، وأغرقت نفسها في العبادة، خاصّة بعد حجّها مع زوجة أخيها، كان الدكتور أدلار لا يلتقيها إلا في جمع، التقت نظراتهما مرّة؛ فشدّه كحل عينيها الطّبيعي واتّساعهما، فاكتوى بسهمهما، حاول صرفها عن تفكيره، لكنّه كلّما حاول استغرقه التّفكير أكثر، فحاول الانعزال لكي يتجنّب الالتقاء بها، لاحظ سي الساسي تغيّره، وهو الخبير المجرّب، فاختلى به، وسأله عن السّبب، فصارحه بمكنون نفسه، وانشغاله بالحاجة صفيّة يريدها زوجة، اذا لم تكن هناك موانع، لم يعترض سي الساسي، ولكنّه طلب منه التكتّم حتّى يتحسّس ردود فعل الآخرين ،أمّا عنه فهو لا يرى مانعا من حيث المبدأ، فهم يعرفونه حقّ المعرفة، حيث انبنت بينهم وشائج قويّة، وخبروا معدنه الأصيل، وفضله على الفلاحة في المنطقة عمّ كلّ البلاد. كما أنّ الحاجة صفيّة من حقّها الزّواج والاستقرار، وقد عاشت ما عاشت من الترمّل.
استشار سي الساسي العم علي لزرق، فرحّب بالعرض، واقترح تداول الموضوع مع أبنائهم والدّكتور خليل، فتمّت الجلسة في دار العم علي، ورأوا مثل رأيهم ولم يعترضوا، بما فيهم الدّكتور خليل، بقي أمر إبلاغها هي بالموضوع، وهي أعقد مسألة، فأوكلوها لياقوتة، دخلت عليها وهي في منسجها مع الحاجة حليمة، ودون مقدّمات قالت لها:

ما رأيك في الزّواج من الدكتور أدلار؟ ولا يحق لك أن ترفضي، يكفيك ما عانيت من الترمّل.
تحنّطت في مكانها من وقع الخبر المفاجئ، نظرت إليها وقد ظنّتها تمزح كعادتها، فلاحظت الجديّة في وجهها، التفتت إلى الحاجة حليمة، فتبـيّـنت من نظرتها أنّها تعـرف الأمر مسبقا، تركتها ياقوتة لصمتها، وخرجت قائلة لها:

فكّري برويّة، فأنت ما زلت صغيرة، وهذا الرّجل خبرنا معـدنه، وهو يريد الاقتران بك على سنة الله ورسوله، والجميع لا يرون مانعا، بما فيهم ابنك الدكتور خليل. وقد طلبوا منّي ابلاغك ويرجون موافقتك.
خرجت ياقوتة، وتبعتها الحاجة حليمة. تداخلت الأمور عليها، وفاجأها الطّلب، لا تنكر أن قلبها خفق حين التقت نظراتهما، كما أنّها تحترمه احتراما شديدا لخصاله الحميدة، ولكنّها لم تفكّر فيه زوجا، ونسيت وجيب القلب، ونداء الجسد منذ مات زوجها، وتعوّدت أرق الليل ووحشته، وهي وحيدة تتقلّب في فراشها، والسّهد يؤرّقها، وقد همدت الدّنيا، وآوى كل فرد لفراشه.
ولمّا أبطأ ردّها، ولم تحسم أمرها بالقبول أو بالرّفض، بادرها الزّرزور وصالح وسالم بالحديث في الموضوع، رافعين عنها الحرج، فتيقـّظت فيها الأنثى بعـد خمود، وأخرجت علبة زينتها التّي علاها الصدأ، ووافقت.
فرح كلّ السكّان بهذا الزّواج لحبّهم للزّوجين.
ولكن لا يمكن أن يمرّ الحدث دون مشاكسة، فأرسلت مجموعة من المشاغبين برقية للزرزور، يهنّئونه على زواج خالته وختان زوجها، الذّي شاهدوه في المسجد يرتدي سروالا فضفاضا على غـير العادة، ويهدج ويحجل في مشيه، وزاروا الزرزور للتّهنئة، مصحوبيـن بالبيض والنقود نِحْـلة للمخـتـون عـلى عـادتهم، كانـوا يـتحيّنون الفرصة لمـشاكـسة الزرزور المشاكس دائـما، ولكنّهم في الحقيقة كانوا فرحين بهذا الاقتران، فالدّكتور أدلار محبوب من الجميع، والحّاجة صفيّة محل تقدير من كلّ النّاس.
عندما زارت زرقاء العينين روضة القائد، واكتشفت سرّ الوشم، لم تعد تجد الوقت من فرط تهافت وسائل الاعلام عليها، وهي خجولة لا تستطيع ردّ دعوة، لذلك تأخّر تعرّفها بعائلة سي الساسي والعم علي لزرق، زارها والدها في النزل، ووعدته بزيارة مستضيفيه، ولكنّها لم تستطع التملّص من وسائل الاعلام. وأخيرا زارت العائلة، كانت تعرف الأبناء، من خلال البحوث التّي قدّموها في قناة آفاق المعرفة، وتعرفّت على البقيّة خلال زيارتها، وخاصّة الحاجّة صفيّة خطيبة والدها، كانت فرحة، ومغتبطة؛ لفرح والدها، بعد سنيّ الضنى والحزن التّي قضّاها، تعذّبه الذّكرى ويرجّه الألم، وفرحت أكثر عندما رأت الحاجّة صفيّة، وتحدّثت معها، وأقسم عليها العم علي لزرق بالانتقال من النّزل للسّكن في دارهم، فلم تستطع التملّص أو الرّفض، كما أنّها رغبت في التقرّب من خطيبة والدها لمعرفتها أكثر، فقبلت العرض شرط أن تسكن معها، فوافقوا بالطّبع.
في الحقيقة أنّها اتجذبت للدّكتور خليل منذ تابعته على التّلفاز، وهاهو القدر يهيئ لها صلة أخرى لم تكن تنتظرها، فالذّي شغل بالها سيكون ابن زوجة والدها.
لقد أحبّت الحاجّة صفيّة حبّا جمّا، لما عرفته من نقائها وطيبتها وحنانها، كما بادلتها الحاجّة صفيّة نفس المشاعر، وتمنّتها زوجة لابنها، ولكنّ وضعها محرج، فهي خطيبة والد من تريدها زوجة لابنها، وكادت أن تلغي خطبتها من الدّكتور أدلار لهذا السّبب، كانت تريد مفاتحة زرقاء العينين وخطبتها للدّكتور خليل، ولكنّها تحرّجت.
لم يكن الدّكتور خليل أقلّ منهم انشعالا وتحرّجا، لقد أسرته زرقاء العينين بفتنتها، وبجمالها الأخّاذ فلوّعه العشق، كان مثل أمّه متحرّجا من الوضعيّة، ولكنّ سي الساسي كسر الحاجز وتقدّم للدكتور أدلار خاطبا ابنته للدّكتور خليل، أحيانا الخبرة في الحياة لا تعادلها كلّ شهائد الأرض، كان سي الساسي فطنا شديد الانتباه والذّكاء، فقد عركته الحياة، وخالط وعرف جميع صنوف النّاس، لذلك يفهم دون كلام؛ فيقوم باللّازم دون طلب، في الحقيقة كان يعتبر الدّكتور خليل ابنه، ويعامله على هذا الأساس منذ وفاة والده، وكذلك الدّكتور خليل وأبناء سي الساسي الزرزور وصالح، كانوا اخوة، عاشوا في انسجام وحب متبادل.
لم يكن لدى الدّكتور أدلار وابنته نفس الحرج، بل كانت المسألة عاديّة جدّا بالنّسبة اليهما، لذلك وافق فرحا بهذا النّسب الشّريف، فلن تجد ابنته أفضل من صديقه الدّكتور خليل.
قامت قناة آفاق المعرفة بإدارة الحوار ودراسة المشاريع المقدّمة بعرضها على اللّجـان المختصّة، وكان في النّهاية التتويج لما يسمّى بمشروع الأصدقاء، وهو المشروع المقدّم من قبل سي الساسي وأبنائه والعم علي لزرق والدكتور أدلار وزرقاء العينين.
تناول كمال الصائم جذاذات المشروع، وكان في أبهى مظهر يلبس كسوة مستوردة، مهداة من رئيس الجمهورية العظمى، وكان يتكلّم باسهاب، وفجأة تلعثم، وتنحنح، وهو ينظر لغـرامه الذّي يجلس قبالته، جنبا الى جنب مع رئيس الجمهوريّة العظمى، ولا شك أنّه كان يفكّر في رائحة الحلبة، التّي تنبعـث منها، فتزكم من يجلس بجوارها، لذلك كان يتمنّى عدم حضورها لهذا الاحتفال التّاريخي، ولكنّه لا يستلذّه إلّا بحضورها، حرص عـلى إجلاسها بعـيدا عـن الشّخصيات الكبيرة، ولكنّها أصرّت عـلى الجلوس في المقدّمة، وإلى جانب رئيس الجمهورية العظمى شخصيّا، مما جعله يتلعثم وهو يقدّمه للجماهير، ويقول:”رئيس جمهورية الحلبة”، فضحك الحاضرون ظنّا منهم أنه يُنكّت، ولكن وحدها فهمت مقصده، فأخرجت زجاجة من العـطر الباريسي الجيّد، ورشّـت على نفسها، كما رشّت على رئيس الجمهورية العظمى، فشكرها، ومدح ذوقها ورائحتها العطرة، ولمّا رأى هذا المشهد، وخاصّة ابتسامة رئيس الجمهورية العظمى لزوجته، اطمأنّ لرائحتها، وتنحنح من جديد، وواصل القراءة بصوت جهوري، غير متلعثم كالمرّة السّابقة.
قال:

قـام المشروع على ثلاثة مبادئ، المسؤوليّة والمبادرة والمراقبة الصّارمة التي لا تستثني أحدا، فالكلّ مسؤول، والكلّ يُسأل بقدر مسؤوليّته، كما تضمّن المشروع نقدا لأنظمة الحكم السائدة، وطرحا لنظام بديل يتولّى فيه الحكم مجلس يسمى بمجلس الحكم.
تلعـثم مـن جـديد، وهـو يرى زوجته، تلتفـت كـل حـين لرئيس الجمهورية العظمى، وترشّ عـطـرها الفـوّاح الذّي فاحت رائحته، وغـطّـت القاعة المغـطّاة، وعـرف ذلـك لـمّا عـطـس الـذّي يجلس بجانبه، وهـو يعـرف أنه مصاب بحساسيّة ضـد العـطـور، أمّا عنه فهو مصاب بالزّكام ذلك اليوم، فلم يشم عـطرها الفوّاح.
شك النّقيب كومل في رشّ زوجة كمال الصّائم المتكرّر للعطر، وفي التفاتاتها إلى رئيسه، وفي تلعثم كمال الصّائم كل حين، فقاده حسّه الأمني المرهف إلى فتح تحقيق فوري وسريع، يُعرف لدى أجهزة المخابرات بـ “التحقيق البرقي “، فاتّصل بأجهزته؛ فمدّوه بالمعـلومة سريعا، عرف حقيقة رشّها المتكرّر للعطر، وسـرّ عبوس كمال الصّائم وتلعثمه، فأعلم رئيسه بنتيجة التقرير بنفس السرعة.
عاود كمال الصّائم القراءة من جديد، وعيناه مسمّرتان على زوجته، أو بالأحرى على رئيس الجمهورية العظمى، وقد أخذته الغيرة لما رآه يبتسم لها ردا على ابتساماتها، ولم تفلح نظراته في إثنائها، وواصلت رشّها وابتسامها، وواصل هو الحديث دون انقطاع والتوتّر باد على وجهه، ولم يوقفه إلا صوت النقيب كومل صائحا فجأة:

تحيا الحلبة.
وقد بدا عليه الحماس، لكلام كمال الصّائم وعرضه بصوته الأجش، كما كانت صرخة النّقيب رسالة مضمونة الوصول من رئيس جهاز مخابرات محنّك، لكمال الصّائم، مضمونها أن لا شيء يفوت مخابرات الجمهوريّة العظمى، حتّى رائحة الحلبة، بدا الارتباك على كمال الصّائم أكثر، وهـمّ مرارا بمغادرة القاعة، ولكن رئيس الجمهورية العظمى تدارك الموقف، حين لاحظ ارتباكه الشّديد، فأراد أن يرفع عـنه الحرج، فأخذ الكلمة، وقال كلاما في الحلبة، جعـل الحاضرين يتأسّفون على غفلتهم عن تناولها كل يوم، وأقسموا أن تكون ضمن الوجبة الأساسيّة مهما كانت الأكلة؛ فأشرق وجه كمال الصّائم من جديد، وهـو يسمع هذا الإطراء للحلبة، وأصبح فخورا بزوجته واختياراتها، وهاجت أشواقه، وهـمّ بالنزول لتقبيلها، ولكنه تراجع استحياء.
أكـدت مجـموعة الأصدقاء، أن هـذا المشروع إنما هو مبادئ أساسيّة يمكن تطبيقها مهما كان النّظام، فهي لا تهتم بشكله رئاسيّا أو ملكيّا أو أي نظام آخر فالمهم تطبيق هذه المبادئ.
اكتفى الدكتور كمال الصائم بقراءة هذه النبذة القصيرة من مشروع الأصدقاء، منوّها بخلاصته، التّي ستثمر شخصيّة اجتماعـيّة متوازنة وفعّالة، شخصيّة رياضيّة ومتعـلّمة، ومنضبطة سلوكيّا وذات أخلاق عـالية. كما استغلّ الاجتماع ودعا كافّة الحاضرين لحضور حفل الزّفاف المشترك، الدّكتور أدلار والحاجة صفيّة، والدّكتور خليل وزرقاء العينين.
أشرقت الشّمس زاهية، فأغرقت المنطـقة بشلاّلات من النّور، فاستفاق الزّهر متألّقا أكثر من العادة، فعـبقت الدّنيا بأريجه، الذّي انبعـث عـلى شكل زخّات متتالية من العطر، نتيجة تفتُّحها بالتناوب، بدأ اليوم بعـطـر الياسمين، فعـبقت به الدنيا، وضاع حتّى عـطّـر الكـون بأسره، تلاه عـطر القرنفل والفل وهكـذا. وسُرّ الناظرون برقـص الزّهور المتناوب، وسكروا من شذى عطره، وأصبح لحياتهم طعم آخر، ولزمنهم وقع آخر، فكل يوم يمضي يتحسّرون عليه، ولكن الأيّام من فرط لذّتها يُنسي اليوم الآخـر.
بـدأ مهرجان الطّير مع شروق الشّمس –بعـد صهلات صباحيّة استثنائيّة لمجنون المنطقة خالف بها عادته في الصّهيل مساء-وسبقه عـند الفجر استعراض غـنائي لكـلّ الفرق، فصدحـت بأعذب الأصوات بألحان شجيّة.
بدأ الاستعراض، بانتشار الطّير في السّماء، على عـلو منخفض، مشكّلين قـلبا، احتشد في وسـطه العنادل والبلابل، فغـنّت، وشدت بألحان شجيّة، واكتفى بقيّة الطّير بالتّرديد والهديل والزّقزقة، انبرى فرخ الحمام، ذلك الذّكر المرقّش، مايستروا كورال الحمام، وقام ببعض حركات ذكور الحمام المعروفة، واستفاق من رقصته، حين تذكّر أنه ليس بصدد التّزاوج، فصدح بهديله، ليتبعه كردوس الحمام، الذّي لم يكن مبرمجا غناؤه ذلك اليوم، حفاظا على دموع النّاس، وهم في حالة فرح ونشوة، فانسكبت العبرات غزيرة من وجـوه غير عابسة، يبدو عليها الفرح، وكانت دموع الفرح، ولذلك لم يتكدّر المشهد لنزولها، وحافظ على بهجته.
عقد قران الدكتور خليل وزرقاء العينين، وأبويهما الطّير والزّهـر، واحتـفـت الطّبيعة بزواجهما، إذ لبست أبهـى حلـلـها، وحُقّ لها الاحتفاء، فقد تخلّصت ممّا يضرها من نفايات نووية، ونوايا بشريّة خبيثة، وعـمّ الخير كل أرجائها، فأينما تُولّى الوجوه، يصعقها الجمال والابتسامات العذبة، والرّوائح الزكيّة العطرة. تخلّصت الطّبيعة إذن من أدرانها، ومات عبادها الثّقال من ساسة فاسدين، وظالمين وآخرين، متنفّذين مصّاصين لدماء الفقراء التّعساء، وقود الظّلمة الجبّارين.
تحلّق النّاس حول الدّار، مأخوذين بأصوات العنادل والبلابل الرّخيمة، وبهـذا المنظر البديع. واستأنس الوحـش من وحشته، وقـدم راتعا من مرابعه، مأخوذا بشدو البلابل وغناء الطيّر، وعبَق الزّهور.
شوهـد الطّفل سالي وهو يركض مع الخيل في سباقها الاحتفالي، وأمّه تلاحقه بالبخور، خوفا عليه من العـين هذه المرّة، والنّاس يضحكون إعجابا به، إلى أن هملت أعينهم بالدّمع.
إلّا أن مُشْـكلا بسيطا وقع؛ فسارع كمال الصائم مدير الاحتفال لحلّه، فقد احتجّت النّوق على تقديم”الكوالا” عليهـم، وهم أهل الدّار ظـنّا منهم أن تأخيرهم إنّما هو بسبب أحجامهم الكبيرة، وشفاههم المتهدّلة المشقوقة، رغم استعمالهم لأحمر شفاه غامق لإخفاء الشقّ، وطـلاء أخفافهم بالحنّاء، ولبسهم الخلاخيل ذات الشّناشن، ومضغهـم للعلكة، وإخراجهم لألسنتهم كل حين، مشكّلين فقاقيع بالعلكة؛ للتّدليل على أن مضغهم ليس اجترارا كعادة الجمال، وتسريحهـم لوبرهـم، الذّي أصبح طويلا وناعـما بعـد الطّفـرة، وانضم إليهم فحـولتهـم نصرة، يهدرون في غـضب، حتّى حنّت النّوق للتـزاوج والموسم لا يزال بعيدا. فأسرع إليهم كمال الصّائم، وذكّرهم بصبرهم القديم وكرمهم الأصيل، صبرهم على العـطش أيّاما في الرّمضاء، والشّمس تصليهم من فوق ومن تحت، وصبرهم على الطّعام الخشن، كأكـل السّدر بشوكه الواخز والرتـم، وعـلف نوى التمر الصّلب. وأطنب في الوصف – وهو الخطيب المفوه-حتى بكوا شوقا وحنينا للأيّام الخوالي، رغم قسوتها. وقال إنما قـدّموا “الكوالا” لرهافـة حسّها ولخجلها الشّديد، وكذلـك للفت نظـر العالم والجمعيات البيئية، لوشك انقراض هـذا الحيوان؛ فاعـتذروا متأسّفين عـلى خـفّتهم، وسوء تقديرهم للموقف. رجع كمال الصّائم مسرورا ومردّدا:
-لا يزال الجمل أبيّا شامخا رغـم اعـتراضه.
أوْلم سي الساسي، وذبح عددا كبيرا مـن الخـراف، وجلس هـو والعم علي لزرق والدكتور أدلار لتلقي التّهاني، حيث حضرت وفود دبلوماسيّة من العالم. حضر رئيس الجمهورية العظمى شخصـيّا وزوجـته، اللّذان اتّخذا من روضة القائد، مقراّ دائما لهما.
تواصل المهرجان لمدّة شهر، فأصبح شهر العـسل يسمّى”شهر الطّير” تبرّكا بالعروسين.
نقلت وكالات الأنباء دون استثناء، خبرا عاجلا مفاده أن الوشـم-نفس الوشم المرسوم على الجلد الأول-، منطبع على جـلد أبناء الدّكتور خليل وزرقاء العينين منذ الولادة، في أعـلى الزّند الأيمن بالنّسبة للأولاد، وفي أعـلى الزّند الأيسـر بالنّسبة للبنات، فاحتار الأطـبّاء في تفسير الظّاهـرة، ولكنّهـم بعـد بحث مـضن، لم يتوصّلوا لأيّة نتيجة، فعـزوا الأمر للغـيب، عـسى الله أن يأتـي بهـما كليهما، فيُفـصح عن سر الوَشْـمِ والوَسْـمِ معا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*