فتاة الكتاب.. بقلم مصطفى ميشال من المغرب.

كعادتي جلست في المقهى المعهود (Complex Maher) في “لسطاح” (تارودانت)… ناديتُ النّادل..
_ هل أحضرُ لك شيئًا سيّدي؟
دسستُ في جيبهِ بعض النقود وأشرتُ له أن يقترب، قلتُ له هامسًا:
_ تلك الفتاةُ هناك..
نظرَ بهدوءٍ ناحية وجهي ولكن كان هناك العديدُ من الفتيات، فأكملت:
_ فتاةُ الكتاب..
هزّ رأسهُ بعدما عرف من أقصد، فلم يكُن هناك أحدٌ معه كتابٌ غيرها، ثم التفت إليّ
_ هل رأيتها تجلسُ مع أحدٍ ما _ وغمزتُ له بعيني دلالةً ليفهم ما أقصد. ابتسمَ بطريقةٍ عفويّةٍ بعد رؤيتهِ حركتي، وقال: لا، تجلسُ وحدها دائمًا..
ثمّ مضى..

عدتُ لأنظرَ إليها خلسةً كما أفعلُ منذ عدّة أيام، وكانت تفعلُ الشّيء الوحيد الذي تفعلهُ دائمًا هُنا.. تقرأ الكتب..
كل مرّة أراها تمسكُ الكتابَ، لا أعلم من منهُما يقرأ الآخر، من منهُما غارقٌ في تفاصيل الآخر.. أو لعلّي أنا الغريقُ هنا.. أنا الغريق ببُنّ عينيها، بتقاسيمِ وجهها..
ربّما مضى أسبوعٌ لرؤيتي المتواصلة لها هُنا، كلّ يومٍ بنفس الميعاد.. تجعلُني أسالُ نفسي، كيف كنتُ قبلها.. أم.. هل كنتُ قبلها! يبدو أنّها من الأشخاص الذين قيلَ فيهم: ” على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة!”

مضى أسبوعٌ آخر الآن.. وأنا لا جُرأة لي على محادثتها بعد، بل كيف أفعل وكلُّ الكلمات تهربُ مني حين أنظرُ لها فقط.. وهيَ القارئة.. ستقرأني من مظهري كما تقرأ الكتُب، وربّما تختارُ الكتاب عنّي.. أنا الذي لم يُمسك كتابًا في حياته.. وربّما أكون بالنّسبة لها مجرّد كتابٍ مُهترئٍ موضوعٍ في نهاية الرفّ ولا أحد ينفضُ الغُبار عنه..

اليوم الحادي والعشرون الآن.. لم تأتِ البارحة ولا الذي قبلهُ، غضبت جدًّا.. أحسست أنها أخلفت بموعدنا.. موعد تأمُّلي لها! كيف تستطيعُ فعل هذا! واليوم.. إلى الآن أنا أنتظر ولم تأتِ بعد..
_ هل أحضرُ لك شيئًا سيّدي؟
قال النّادل..
_ كوبَ قهوةٍ..
_ ولكنّه كأسُك الخامسُ اليوم وأنت لم تشرب الذي قبله!
_ لا مشكلة.. أحضرهُ فقط

كان هوَ نفسُ النّادل الذي سألتهُ عنها، عندما أحضرَ لي الكوب.. نظرتُ له بعينين تائهتين تبحثان عن شيءٍ خاصٍّ بهما.. وسألته:
_ هل رأيتها قدِمت إلى هُنا البارحة، أو اليومَ قبل مجيئي!
_ هل تقصدُ فتاة الكتاب تلك؟
_ أجل..
_ في الحقيقة..
نظرتُ له متأملًا إجابةً تُطفئ قليلًا ما بي
_ لقد جاءتْ إليّ منذُ يومين، كانت قد رأتكَ وأنت تضعُ النّقود في جيبي ثمّ انتبهت لنا ننظرُ لها..
تحوّل وجهي إلى اللون الأحمر والأصفر.. وقد لاحظَ هذا فقال سريعًا:
_ لا لا تقلق، لم تقُل شيئًا فهذه الحادثة منذُ عشرة أيام وهي قد حدّثتني منذ يومين فقط، المُهم.. أنّها قالت لي أنها قد تركتْ لك شبهَ رسالةٍ في جلوسها هُنا، وقالت لي أن لا أخبرك شيئًا إلّا إن سألتني عنها.. فقد فقدت أملَ أن تتشجّع وتكلّمها.. فقد كانت تقرأك سرًّا كما تقرأ الكتاب بيدها..
تحوّلت ملامحي إلى الدّهشة والتّوتر..
_ شبهَ رسالةٍ! لي أنا! أين هيَ؟
_ قالت لي أن أجعلكَ تذكرُ أسماء الروايات الّتي قرأتهُم.. فهم شبهُ الرّسالة.. وأيضًا لقد أعطتني كتابًا لأعطيه لك.. سأحضرهُ الآن..

حلّ الهدوءُ بي فجأةً، أسماء الروايات.. أغمضتُ عينيّ لأتذكّرهم.. تذكّرتُ أنها غيّرت الكتاب أربعَ مرّات، يعني خمسةُ روايات.. لم أستطع تذكّر اسم أوّل اثنين رغم محاولاتي الشّديدة ولكن خانتني الذاكرة..
الثّالث كان “أن نلتقي” الرّابع: “أحببتُك ولكن” الخامسُ: “ما لا نبوح به”
جاءتني قشعريرةٌ من أطرافِ قلبي إلى أخمصِ دماغي..

وصلَ النّادل ومعه كتاب، قال لي أن أقرأ شيئًا في أوّل صفحةٍ منه، فتحتُه وإذا بي قد وجدتُ مكتوبًا: “ابحث.. عنّي” هكذا فقط
أغلقتُ الكتاب لأقرأ عنوانه، كانت روايةً بعنوان “سأبحثُ عنك”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*