الكليبتوقراطية في تونس بقلم الكاتبة نورس الخلايفي من تونس.

يعتبر الفساد الآفة الأقدر على زعزعة دولة بأكملها خاصة اذا كانت هشة الهياكل و القرارات . و قد كان الفساد في تونس قبل ثورة الرابع عشر من جانفي 2011 مقتصرا -ظاهريا- على حاكم الدولة و اتباعه و توجيه أصابع الإتهام و تحميل المسؤولية له و تسليط الضوء على جرائمه استناد على حدث الثروات المنهوبة و الاموال المختلسة من الشعب بمعية اتباعه و عائلته . و بذلك مثل الفساد انذاك نسقا متراميا على امتداد ثلاثة و عشرين سنة من الحكم المتواصل …

مثلت ثورة الحرية و الكرامة بالنسبة الى الشعب التونسي , منطلقا لبداية الربيع التونسي الحقيقي و تفتح ازهار الشفافية و الحرية و الديمقراطية . فكان اثر الثورة على الشعب مريحا و ايجابيا من الجانب الباطني النفسي -و لو نسبيا رغم تواتر الحوادث و الاضطرابات في تلك الفترة- .
و قد كانت تونس قد علقت امالها و طموحها على شعبها الثائر بعد ثلاثة و عشرين سنة من الصمت و المعاناة و الرقابة . و زعمت تونس حينها انها ستغتسل في نهر الغانج و تتخلص من ذنوب لصوصها فنهر الغانج هو منبع الجنة كما تقول الاسطورة .
ان ما كان خفيا من الفساد قبل الثورة التونسية قد اضحى ظاهرا و يوميا في عشرية ما بعد الثورة .. و كل ما كنا نخشاه قبل التمرد فاننا نعيشه الآن و نكابد عناء السكوت و المسايرة فاعتُقد أننا خسرنا النضال و خسرنا الحرب رغم انني لا اود لبلادي ان تخسر و لكن هذه الحقيقة التي تخدش الحياء .. و بذلك فان ما يلخص الوضع هو ان الفساد قد سلك طريقا ممنهجا من النسق الى العدوى و هذا بمثابة الطاعون . و لم يكن الفساد منبعثا من اصحاب البدل السوداء الانيقة فقط بل كان من فئة من الشعب التونسي في حد ذاته و هذا ما يجعل تونس تتخبط في وحل الكليبتوقراطية اي حكم اللصوص .
إن كل ما يحدث حتى الآن من حرق و نهب و سرقة و تدمير هو عار على الشعب التونسي . أو ألسنا نعيش العار و نمارسه منذ وجود تونس ؟! فالشعب التونسي البسه بدلة العار لانه اساسا قبل باللصوص ان تغتصب وطنه الابي ثم كان المواطن التونسي العدو الاخر لنفسه و لوطنه .
و الرابع عشر من الشهر الأول ، لمِ يجب علينا أن نسميه إحتفالا بعيد الثورة ؟ أيحق علينا أن نحتفل حقّا ؟ و بماذا؟ و عن أي عيد نتحدث ؟ الرابع عشر من جانفي هو حدث لا يتعدى مفهوم الذكرى ، و لعل ما يتوجب علينا فعله هو نسيان هذا الموعد مثلما نسي البعض السابع من نوفمبر و لونه الأرجواني، و حتى تاريخ الاستقلال ..هذا التاريخ الثوري لم يجلب لنا إلا شاب حرق جسده حتى تندلع ثورة الخبز و الماء فتمتلئ تونس المسكينه بالصعاليك و السارقين و المتمردين ..لكن لعل البعض يقتنع ان حدث الثورة جلب لنا باقة من “الحرية ، كرامة وطنية ” أو قبسا من حرية التعبير ؟ و ماذا جنينا من حرية التعبير ؟ التطرف و الفساد-لقد جنينا على انفسنا و وقعنا ضحايا لسوء الاختيار . علينا أن نخجل من أنفسنا و من وطننا و لندرك واقعنا البائس المزين برائحة العجلات المحروقة و الغاز المسيل للدموع و المفرقعات ..
إن إحياء عيد الثورة في تونس هو وجهان لعملة واحدة – اي عملة الفساد . هذان الوجهان ينقسمان الى فئتين : الفئة الأولى بإمكاننا أن نعتبرها صيصان الثورة أي أولئك الذين يسرقون مواد غذائية كاحياء لتمرد الشعب على الدولة و يمكن إثبات براءتهم بناء على ما يعانونه من الجوع و الفقر ، أما الفئة الثانية فهي ديدان مندسة تحت الفئة الأولى أو بالأحرى هب مكونة دواعش الطرقات ، من ينهبون المحلات و المغازات و يحرقون السيارات و يكسرون ، تُمّيزهم عناصر تنعم بمسروقات رفيعة ( تلفاز ، ثلاجة ،مجفف شعر الخ الخ ) .. و هكذا يكون عيد الثورة مكللا بالفساد من أعلى رجل في منصب الدولة الى قاصر مراهق يدعي النضال .
هذا العيد في ظاهره كأن الشعب ينتقم من الدولة فيحيي اعمال الإجرام و الجريمة و لكن باطنه ليس الا متنفس للاشخاص أصحاب العفو العشوائي أو المرضى أو المأجورين أو المتطرفين فكريا و سياسيا و اجتماعيا ، هؤلاء الدواعش يستغلون جلباب الثورة للقيام بأعمالهم القذرة المخطط إليها مع الركوب على الحدث ، هذه ثورة الإرهاب و الترهيب و ليست ثورة الثوار … ما هكذا يكون الثوار ، نحن ندمر بلادنا و نقتلها ، ما هكذا نجازي تونس .. ا نجازيها بحكم اللصوص ..!!

خلاصة القول أن الفئة التي تطالب بحقها في إطار سلمي يتم إسدال الستار عليها من طرف مجموعات مجرمة مندسة و ذلك من خلال اعمال الشغب و الفساد كل هذا تحت إشراف أصحاب البدلة الأنيقة في مستوى اعلى و الذين هم في حد ذاتهم مجرمين و ذلك لغض النظر عن المشاكل الاساسية للشعب و ثورة الخبز الحقيقية و قيام سياسة الأرض المحروقة و نظام العصابات المبرمج … هنيئا لنا بالثورة … فان الفساد قد اغتصب الارض و جعل من اللصوص هم من يقررون مصير شعب و دولة …!
هذه هي تونس في صراع مع الكليبتوقراطية و الحزبوقراطية … نظام استبدادي بحت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*