معارك القاهوت (قصة قصيرة) بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.

مشاهدة المقالة

المعركة حامية الوطيس وأكثر ضراوة من الأمس؛ اشتباكات على الحدود، قتلى وأسرى، تهديدات ووعيد، كرّ وفرّ وخسائر من الجانبين…المتحاربون من كل الأعمار، ذاكرة مثقوبة بألغام البارحةّ، وجوه مرمدة بهتت ألوانها وجفّت فيها الدماء، يتسربلون أطمارا مختلفة ألوانها وأشكالها. يتعسكرون خلف بعضهم ويتمترسون سواعدهم والأخشاب … ما ببن الفينة والأخرى تندلق الشرارات من بين أيديهم يلوحون بها في كل الاتجاهات.
كل الجبهات مشتعلة؛ الدخان كثيف يملأ المكان فتصعب الرؤية. يدلف أحد الرواد فيمسح الموقع بنظره ثم يأخذ مربطه إلى جانب أحد المتمترسين قبل أن ينسحب كرجل من رجال البوليس العسكري جاء في مهمة البحث عن “مزارطيين” هاربين من الجندية.
تحدث مناوشة على خطوط التماس: “اطّاح، اطّاح، قتلتُه” يقول حمادي رافعا عقيرته بصيحة المنتصر في المعركة وينبهه رفيقه مقهقها:”قتلتَ إثنين مرة واحدة” ثم يضيف:” هنا يجب أن نغلق على الباقي ونحرس الحدود فلا ندع أحدا يدخل أو يمر حتى نقتل منهم النصف على الأقل”…”إذن حاذر أن تفتح الحدود لأحد”يرد عليه حمادي فيما يشعل سيجارة محشوة بتربة البلاد فتلها بأنامله القصيرة التي تعوّد قَضْمَ أظافرها بأنيابه.
“اطّاح،اطّاح،اطّاح” يضرب الجالس إلى يساره ببرميل بلاستيكي صغير على حافة الطاولة صائحا:”اكّسْ يمّاسْ”، ويعدّ من واحد إلى عشرين! على رقعة النرد قبل أن يدحرج لمنافسه قطعة الكشتبان فوق زجاج الرقعة، وتندلق شرارة عود الكبريت بين يديه يشعل سيجارة اختلسها من جيب معطفه المترهل.
يطوف حولهم غلام يسقيهم أكواب الشاي والقهوة والماء ويبيع لهم الكارو و النيبرو، ومن حين إلى آخر يتوجه صوب جهاز التلفزيون المعلق في ركن على رف يخفض أو يرفع صوته كان يبث فيلما حربيا (رامبو يحرر أفغانستان) وبعض وقائع تدخلات البرلمانيين… أصوات الهرج والمرج من هنا وهناك تتداخل وتتقاطع كلها نار ودخان.
تستمر المعارك في كل زاوية من المقهى، قهقهات وغوغاء، مناوشات على الحدود فوق الطاولات، موسيقى الكشتبانات المتدحرجة فوق رقعات النرد الزجاجية، طقطقات فجائية كطلقات نارية مرفوقة بألفاظ نابية وعبارات مكبوتات ثاوية، قال أحدهم للنادل:” ناولني السبسي” وهو يقصد بيبسي كولا، وصاح آخر في ركن:” أرا فيزا” وهو يعني ميسّا وطلب من زميله توزيعا جيدا للكوطا. عفوا قصدت الكارطة ! …
بالأمس كانوا هنا، كلهم، جلسوا على الكراسي المهترئة ذاتها، تعاطوا العقاقير وشربوا السجائر المتنوعة أكثرها مستورد، خاضوا معارك كثيرة بجيوش مدججة بالفيتشات والكشتبانات والبراميل المختلفة ألوانها، بكوا على الذات، استعرضوا العضلات، صبوا جام غضب بعضهم على بعض، تعارضوا تقادحوا، تباهوا ببطولاتهم الدونكشوطية… ولما انطفأ التلفزيون انصرفوا كلهم منهزمين مرهقين وقد قضى آخرهم أربعين عاما في الجبهة الأخرى، أعني في المقهى المجاورة، استنفذ فيها كل قواه، انسحب يعب وحشة أيامه المفرغة وتسبقه إلى البيت خطواته…كأنه الجندي عاد من المعركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*