جدار… قصة قصيرة بقلم الكاتب أحمد برحال من المغرب.

في بلدة قَصِيّة من بلدان الجنوب، وفي زمن من أزمنة التاريخ، يُحكى أن حاكم البلدة، نَصب جدارا في الضاحية الشمالية منها، بعلو لا يسمح لسكانها بمشاهدة ما وراءه، إذ ظل ما وراء الجدار غائبا عن إدراك الأهالي، ولا يُسمح لهم حتى بالتساؤل حول ما يدور هناك، ولا التفكير في المساحة الممتدة خارجه، ولا حتى إدامة النظر للجدار نفسه، وهي بالمناسبة تهمة يُحاكم على إثرها كل من قام بها، و يُتابع بجريمة إدامة النظر إلى الجدار، وهي من أخف التهم التي يمكن أن تُنْسبَ إلى المتهم، وهناك تهم كثيرة وُجِّهت لكل معتد على حرمة الجدار ومن قائمتها: تهمة الإتكاء على الجدار، تهمة تلطيخ الجدار، تهمة رمي الجدار بالباطل، …

 من الجدار إلى الجهة الشمالية، منطقة نسج عنها الأهالي الكثير من القصص، والحكايات التي لا تنتهي، تتوارث وتتناسل مع مرور الأيام والشهور والسنوات، وعبر الأزمنة انتقل تقديس الجدار من جيل إلى جيل، إلى أن أصبح كبيرا في عقول كل الأهالي، فأصبحوا مستعدين لفداء الجدار بأرواحهم، فهو الذي يحمي المدينة من الشرور المحدقة بها من الخارج، وهو الذي يُنزل البركة في الطعام، وهو الذي يمنح الصغار متعة اللعب في أمن وأمان، بدون هذا الجدار تعم الفوضى، وتُرفع البركة، ولن يذوق الناس نعمة الطمأنينة.

ذات يوم اعتلى خادم من خدام البلدة ربوة مقابلة للجدار في مساء اكتسح صفوه ضباب خفيف، فخطب في أهل البلدة واعظا:

ــ أيها الناس الجدار حاميكم، الجدار ساتركم، الجدار يمنح لنا ولكم الأمن الداخلي، به نتقوى وعليه نعتمد.

سكت قليلا، مسح بعينيه مساحة الحضور ثم واصل وهو يَعضُّ على أسنانه لكي تتوقف عن الإصطكاك:

ــ إن حكماء البلدة، وزيادة في تحصين البلدة، قرروا وبعد مداولات طويلة وعريضة، قرروا بناء جدار يحمي البلدة من الناحية الجنوبية.

صفق الكل مباركا للخطوة الجديدة، فَعلا صفير الرجال، واخترقت زغاريد النساء الفضاء، أما الأطفال فقد بدأوا يرقصون على الرغم من عدم فهمهم لما قيل وما يجري، المهم أنهم وجدوها فرصة للرقص.

بعد أن هدأت الأجواء عاد المساعد ليكمل كلمته وقد علت الصُّفرة الجانب الأيسر من وجهه:

ــ تعلمون أن بناء الجدار يحتاج إلى ميزانية، وخزينة البلدة لا تتوفر على ما يكفي من المال لتغطية مصاريف البناء، لذلك …

يقاطعه صوت من حنجرة نحاسية بين الجمع صارخا:

ــ الأهالي رهن الإشارة أيها الحاكم.

بنبرة ملؤها الثقة واليقين في أهالي البلدة، يكمل مساعد الحاكم كلمته،  وقد أراد أن تكون قصيرة ورنانة:

ــ  الخير في التعاون، وسننظر في كيفيته بحول الله.

انتهى اللقاء بين خادم البلدة وأهل البلدة، فسرى حديث الجدار بين الأهالي، ولا حديث في المجامع يعلو فوق حديث الجدار، به يقوم الناس، وبه يجلسون، وفي جمع يقارب الخمسين من الناس، وقف رجل يبدو أن سنا واحدا هو الذي لا زال يسكن فمه، من الجهة العليا ناحية اليسار،وبصوت رَخْوٍ لا يكاد يُسمع خاطب الجمع:

ــ بركة هذا الجدار هي التي حافظت على لحمة أبناء البلدة، وهو الذي جمعنا ويجمعنا، تصوروا حياة البلدة بدون جدار، لا شك أنها ستتحول إلى جحيم، الجدار سر قوتنا، وسبب لحمتنا، لولاه لهاجمتنا أفكار و معتقدات ما وراء الجدار، بمجرد إحداث ثقب فيه، ستتسرب إلينا، هي تسكن من ورائه مباشرة، هي ذات طبيعة شريرة، تفتك بكل من اعتنقها.

يقاطعه أحدهم ليسرد قصة تؤكد قوله:

ــ لقد حكى لي أحد الأقرباء الذي حضر واقعة هجوم الأجسام الشريرة في إحدى السنوات ، وكيف قضت على الكل، وكانت تستهدف بدرجة أولى الرؤوس، حيث بدأت أعراض الإصابة، بحكة على مستوى الرأس، ثم فقدان شعره، يليه انتفاخ الجهة العليا منه، فاليسرى إلى أن ينتفخ كله، ثم ينفجر، فصِرتَ لا تسمع إلا الإنفجار تلو الإنفجار في كل أرجاء البلدة، وكَأنَّ حريقا شب في سوق لقناني الغاز ذات الحجم الصغير.

 يكمل ذو السن الواحد كلمته، وهو يهز رأسه يؤرجحه من الأعلى إلى الأسفل دَلالةَ مُوافقةٍ لِقول مُقاطِعه:

ــ اِحرصوا الحرص الشديد على عدم إصابة الجدار بأذى، فمصلحتنا في بقاء صرحه شامخا، وتخريبه قضاءٌ على وجودنا.

ينهض آخر من الجمع وهو يحاول رفع الجزء السفلي من جلبابه بيده اليسرى، لِيقول:

ــ  إنه جدار ميمون، نفعنا الله ببركته، ألم تلاحظوا أن السكينة تَعُمُّنا ببركته، وعندما سيشرع في بناء أخيه في الضاحية الجنوبية، سيحمينا من زوابع الصحراء القاحلة الممتدة، والتي تُصدِّر إلينا كل أنواع الصراصير و الجراد، لتقضي على المحاصيل التي نتعب في تحصيلها على مدى السنة.

في استكانة تامة، ورضىً مطلق، تَلْقى هذه الدعوات الصدور الرحبة لتنزل على الذوات بكل سكينة، إلا ثلاثة عقول لم تجد هذه الأفكار قبولا لديها، الأمر يتعلق بشابين وفتاة، إذاك اتفقوا ذات مساء على أن يستيقظوا صباحا، في غفلة من السكان، لإحداث ثقب في هذا الجدار حتى يؤكدوا بالملموس أن أمر تسرب الأجسام الغريبة مجرد وَهْمٍ يعيش في النفوس قبل العقول، لكن أحدهم من فرط حماسته، أفشى سر الإتفاق وهو يحلم ليلا بصوت مرتفع، سمعته إحدى الآذان المتحسسة، فأُبلغ أمره حاكم البلدة، الذي أمر مساعديه باقتياد الشبان الثلاثة ليلا إلى جانب الجدار، وقتلهم رميا بحجارة من النوع الذي بُني به الجدار، وأن يتركوا جثثهم بجانب الجدار.

في الصباح شاع خبر قتل الجدار للشبان الثلاثة الذين أرادوا به شراَ.

وعلى إثر الواقعة ازداد تعلق الأهالي بالجدار، وازدادت قناعتهم بقداسته، وأصبحت مطالبهم، أن يُشرع في بناء الجدار الجنوبي، والتفكير في بناء جدار شرقي، وآخر في الجهة المقابلة.

 بل و نادى في الجمع أحد المجتهدين:

لمَ لا يتم التفكير في تسقيف الجدران الأربعة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*