أُفولُ المعنى – بقلم سَمير العُوادي من المغرب .

دعني أسترسل . لكن حذاري ان تخبروا اولئك الثلاثة عن مكاني . إنهم اشرار و سيُلحقون بي الأذى . إنهم قبيحو الشكل و يخيفونني كثيراً . واحد منهم يجول في الغرفة بحثاً عن ما أكسبه من عملي ليستولي عليه و اثنان آخران مختبئان في ذاكرتي خوفاً من ‘كابران همّو’ .
كان معطفي بارداً جدّا . نسيته معلّقاً على طرف النافذة و لم أغلقها . كثيراً ما يتكرّر هذا الأمر معي أو مع من يشاركني ذلك القبو . نكره كلّنا ان تبيت الأحذية خارج الغرفة . فقد تستيقظ و لن تجده، و تظطرّ بعدها أن تمضي الى العمل بحذاء من تلك الاحذية المتهالكة المرمية في المزبلة خلف ‘السيكتور’ . زرتُ المكان مرّة، إخترتُ من هناك حذاءً . عملتُ به و لم يأتي المساء حتى خارت قواي و بدأت اطراف قدمي تدمي . لقد كانت تلك أولى أيامي في العمل . لم أكن أود أن الذهاب ذلك اليوم . لكن دلّني الحارس الليلي على ذلك المكان و نصحني الا أغيب ابداً . و مع الوقت أدركتُ أن الغياب يجعل ‘كابران همّو’ يشتم كثيراً و يلعن بلا هوادة . و لم يكن هناك بيننا من يمتلك الجرأة ليدافع بها عن كرامته! بل إن معنى الكرامة -هذا- قد تلاشى مع الوقت و لم يعد هناك من يمتلكها!

كان عملنا يقتصر على حمل المعول و الحفر . نحفر أينما قيل لنا أن نحفر . و نكنس متى قيل لنا ان نكنس و قد نعوي أيضاً إذا طُلب منّا ذلك … يستغرق ذلك من الفجر إلى العصر و نؤجّر على هذا العمل خمساً و اربعون درهماً . كنّا نسكن إحدى تلك الغرف خلف الضيعة الفلاحية و لم نكن نقدّم مقابلها شيئاً . و كان يُقدَّم لنا الطعام أيضاً مجّاناً .
لقد كنا مجهولون تماما . كل واحد لفظه جبل ما، و لم نكن نفتحٌ مجالاً امام بعضنا البعض . و هذا ما يفسّر ربّما عدم حديثي عن هؤلاء العفنون بالتفصيل . أنا أيضاً شخصٌ عفن، أقتات أشياء غريبة تقّدم لي . اتخيّلها رؤوس فئران محشوة بشيء ما يشبه الأرزّ . أهلوس في منامي و أبكي أحياناً و ارى غولاً قبيح الخلقة . قبيح جدّا إلى درجة اني اتعرّق و أصيح للناس ان يُنقذوني منه . اولئك الثلاثة ايضاً يَخافونه مثلي . إنه كائن غريب و لا املك من المفردات ما يستطع القبض عليه . لا ادخّن السجائر و لا أشرب الخمر و لا ازور بائعات الهوى و لا أقرأ هيغل و لا اعلم لماذا أُقحم هذه المعلومات الآن .

على اي حال ..

رائحة الأحذية و العرق لا تطاق . نتركُ النافذة الخشبية مفتوحة في كل الأيام . يخاطبني الثلاثة بصوت واحد ألا غرفة هنا و لا نافذة، و اني لا اعمل عند احد . و ان مال القارورة الزجاجية ليس مالاً حقيقيّاً إنما هو ورق بالي ألتقطُه من القمامة و من على جنبات الطريق . يقولون ان ‘كابران همّو’ مات منذ ربع قرن منتحراً بعدما قتل زوجته التي كانت تخونه مع احد عمّاله . يقولون ان ذلك العامل كان يحمل المعول ايضاً و يحفر اينما قالوا له ان يفعل، بل قالوا انه يسكن معي ايضاً هذه الغرفة . يعتقدون انني مجنون هههه . إنهم حمقى و يريدون ان يدفعوا بي نحو مكان ما كي يسهل على ذلك الكائن الشرير النيل منّي . لكي يهنَؤوا هم بغرفتي و مالي الذي اكسبه من الحفر بمعولي . لكن هيهات ان أكون من المُصدّقين .

يوقظني رنين الهاتف، لقد بدت النغمة جميلة حينما وضعتها اول الأمر . و لم أدري كيف أصبحت مزعجة الى هذا الحد . نغمة اتخيّلها أيضا خيوطاً من النحاس تسبح مع اللحن من الهاتف نحو أدني و تنخر جمجمتي و تسحق عقلي سَحقاً .
على خلفية الشاشة اضع صورة حبيبتي . تلك التي علّمتني كيف اراقب النجوم و كيف افهم نيتشه . و كيف اميز بين مكعبات بيكاسو . اراقبها معلّقة هناك على الشاشة تنظر إلى نفس الزاوية منذ وقتٍ طويل، و لا اذكر على وجه الدّقة كم مضى!

إنها حبيبتي بشكلٍ غريب . لقد كنّا صغاراً أو هكذا يخيّل لي . قضيّنا الطفولة معاً و تشاركنا حبّ البراءة . لم يكن حبّها بالنسبة لي هيّناً و لم يكن رخيصًا كذلك الذي يباع بين الازقّة و على أبواب المحطّة . بل على العكس كان حبّاً من المهد إلى الرشد رويداً رويداً . زرَعناه بذرة و سَقيناه من ليالينا حتّى كبُر .

انا الآن ابكي . او تخيّلوني ابكي و انا أسرد . أتعلمون إني امتلك عالماً آخراً في خيالي ؟ اشعر اني بين عالمين ! عالمكم و عالم ذلك الكائن الذي يُخيفني و معه الثلاثة . خيالي مريض بالهلوسات . أريد أن أتوقف عن الإستيقاظ ومع ذلك لا أعلم لماذا أستيقظ . لقد حشرني أحدهم هنا و انا لستُ ممتنّاً له بالتأكيد . و إني لأَلعنُه إلى ان أعود غباراً كما كنت .

لم يكن حظي من العلم شيئا . و أملك في حوزتي بعضٌ و أربعون سنةً، قضيتها حيث لا ادري . متشرّداً فوق الأنابيب و السَّواقي . أبحث عن شيء ما في كلّ مرّة . مرّة على الرصيف و مرّة بين رفوف ذاكرتي . كان الناس يعتقدون أني مجنون، و لازالوا يعاملونني على هذا النحو . حتى هؤلاء العفِنون الذين أشاركهم هذا القبو يعتقدون اني أفتقد رجاحة العقل، و كثيرا ما فتّشُوا ثيابي بحثاً عن أموالي . إنهم أيضاً مرضى . لكن مرَضهم مُستعصٍ عن الفهم . هم ثلاثة أو اكثر . هل يهم العدد ؟ ربما كان واحداً في الغرفة و اثنان آخران مختبئان في ذاكرتي خوفاً من ‘كابران همّو’.

هل لا زلتُ ابكي ؟ هل يبكي آكلو رؤس الفئرا المحشوة بشيء يشبه الأرز ؟ هل يسكن معي الموتى ؟ هل يطاردني المنتحرون ؟ هل انا سجين المعنى و المعنى و اللغة افولي كما كنتُ ازعم ؟
اضع ما أكسبه في قارورة زجاجية ثم أدفع به إلى ثقبٍ يقع اسفل السرير الخشبي . و أحرص على ألا يلاحظون كي لا يخبروني مزيداً من تلك المعلومات القديمة المتعفّنة و ألا يَحشرون أنوفهم في مخططاتي العظيمة . لا أريد ان اسمع منهم مرة واحدة بعد ألا غرفة لي و لا نافذة! و ان ‘كبران همّو’ مات مُنتحراً قبل ربع قرن بعدما اكتشف ان زوجته مغرمة بحامل معوَل منذ الصّغَر …

سمير العوادي / المغرب/ 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*